الرئيسية / صفحات الرأي / في أهمية – الكتلة التاريخية – لنجاح الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية

في أهمية – الكتلة التاريخية – لنجاح الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية

 


عبدالله تركماني

يشكو بعض الباحثين من صعوبة مقاربة شروط الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، بسبب غياب الإطار المفاهيمي المناسب. وفي هذا السياق مطلوب من كل النخب الفكرية والسياسية الانتقال من حالة التنظير السلبي إلى حالة الفعل الإيجابي، من خلال السعي لتشكيل توافقات وطنية، أو ما يُعرف بـ ” الكتلة التاريخية ” من أجل إنجاز التحول الديمقراطي. إذ ثمة احتمالان ينضجان في واقعنا الراهن: احتمال أن نذهب إلى مصالحة تاريخية بين كل الأطياف الفكرية والسياسة، تتيح انتقالاً تدريجياً وآمناً نحو النظام الديمقراطي، نقبله جميعاً لأنه من اختيارنا، واحتمال نقيض يعني تحققه ذهابنا إلى حال مفتوح على الفوضى.

ويبدو أنّ نجاح التحول الديمقراطي في الأقطار العربية يحتاج إلى كتلة تاريخية تضم أكثر ما يمكن من الحساسيات السياسية والشرائح الاجتماعية والنخب، ذلك لأنّ ثمة اتفاقاً بين الفاعلين السياسيين على التحول والانتقال الديمقراطي كهدف استراتيجي، مع عدم وضوح الرؤية حول وسائل تحقيق هذا الهدف.

ومن أجل صياغة الإطار الأمثل لإنجاز هذا التحول لابد من إدراك مخاطر الهيمنة القسرية للحزب الواحد، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية الحقيقية. ليس ذلك الإدراك فحسب بل تنمية فكر سياسي ديمقراطي وتفاهم بين كل الأطراف الفاعلة من أجل إنجاز التحول الديمقراطي المنشود. وفي هذا السياق لابد من الاتفاق على صياغة رؤية مستقبلية للأنموذج الديمقراطي المرتجى، بما يمكن استلهامه من التجارب الأخرى للتحول من الاستبداد إلى الديمقراطية خلال الموجات الثلاث للتحول التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وما يمكن أن تضيفه النخب الفكرية والسياسية العربية على ضوء تجربتها خلال التاريخ المعاصر. وهذا كله يستحيل تحقيقه من دون حوار جدي ورصين تشارك فيه كل التيارات بتفهم وانفتاح ونضج حضاري.

وعليه فإنّ من جملة متطلبات غرس الديمقراطية إحداث تغيير في الوعي السياسي للشعوب العربية، وتلك مهمة يتطلب إنجازها ليس فقط التبشير بالديمقراطية لفائدة الحاضر والمستقبل بل أيضاً – وربما كان هذا أكثر أهمية – نقد الأسس التي قام عليها الاستبداد.

وفي هذا السياق ليس من قبيل الترف الفكري الدعوة إلى ضرورة تطوير نسق عربي ديمقراطي مؤسس على مشروعية التعددية وحق الاختلاف، إذ العبرة ليست بتحقيق التحوّل الديمقراطي فحسب، ولكن توفير ضمانات استمراره وعدم التراجع عنه. مما يتطلب نشر ثقافة المساهمة التي تقوم على اعتبار الأفراد مواطنين من حقهم المساهمة في الحياة العامة والتأثير على المنظومة السياسية وتوجيه عملها، وهي التي تسمح بالوصول إلى الديمقراطية وتحقيقها. إنها عملية شاقة ومتواصلة، إذ ينبغي السعي باستمرار إلى تكوين المواطن وتنمية وعيه بنظام حقوقه وواجباته وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في حياة جماعة المواطنين التي ينتمي إليها، وهي ليست سوى وسيلة من وسائل تنوير المواطن بحقيقته من حيث أنه عضو حرٌّ في الدولة، يتساوى مبدئياً مع سائر أعضائها في الحقوق والواجبات، ويشارك في حياتها على جميع الأصعدة.

ومن أجل نشر هذه الثقافة السياسية يمكن الإشارة إلى أهم القواعد والمبادئ:

(1) – اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة على الدوام على قوى ومجموعات سياسية أخرى ذات تصورات فكرية وسياسية متباينة، واعتبار التحول والتغيير قانوناً راسخاً في كل واقع سياسي. الأمر الذي يفرض على المرء اعتماد قدر كبير من المرونة في التعامل مع الشأن السياسي تمكّنه من القدرة على التكيّف مع معطيات الواقع المتحول.

(2) – ضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي، لما يتيحه ذلك من إمكانية الإحاطة بالواقع الشامل والتعرف على العوامل المؤثّرة في سيرورة تطوره.

(3) – اعتماد ثقافة الحوار انتصاراً لفكرة أو دفاعاً عن موقف، وفي سياق ذلك ينبغي الحرص على عدم اعتماد الأساليب المتطرفة في التعاطي مع قضايا الخلاف، فقد تسيء الحدة المفرطة في الجدل السياسي بين المواقف المتعارضة إلى القضية موضوع الحوار، إذا لم تعرف الأطراف المختلفة كيف ومتى تترك للممارسة هامشاً يسمح باختبار مختلف الآراء والأطروحات وتمييز الصائب منها عن الخاطئ.

وفي خضم البحث عن أقوم المسالك لنجاح التحول الديمقراطي بات من المعتاد الحديث عن ” الكتلة التاريخية “. وقد أمل فريق واسع من المثقفين وأهل الرأي والناشطين السياسيين العرب، من أمثال محمد عابد الجابري وخير الدين حسيب وعلي خليفة الكواري وطارق البشري، أن تقوم هذه الكتلة السياسية – الاجتماعية – الثقافية بدور الفاعل الإصلاحي، كذلك تطلعوا إلى تنشيط دور المثقفين في الحياة العامة العربية بعدما تعرض هؤلاء، وخاصة المثقفين الملتزمين سياسياً، إلى الإقصاء والتهميش خلال العقود الماضية تحت شتى الذرائع والاعتبارات. ولا شك أنّ للمثقفين دوراً أساسياً في بناء هذه الكتلة، وفي صياغة أساسها الفكري الممهد لتحالف فئات اجتماعية وسياسية متعددة بغرض الوصول إلى التغيير السياسي المنشود.

لقد استلهم محمد عابد الجابري، منذ عام 1982، مفهوم ” الكتلة التاريخية ” من المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بعد أن لاحظ تراجع التيارات القومية واليسارية. كما أنّ خير الدين حسيب نادى، منذ عام 2007، بإقامة هذه الكتلة على قاعدة التسوية التاريخية بين التيارات الرئيسة في الأمة، ودعا طارق البشري عام 2008 إلى إطار جامع يحضن جماعات الأمة وطوائفها ومكوّناتها السياسية والاجتماعية ويحافظ في آن على تعددها وتنوعها.

وفي هذا التصور للتسوية التاريخية يندرج كتاب ” نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية ” (تحرير علي خليفة الكواري – مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – 2010)، حيث رأى مشروع دراسات الديمقراطية أن يستكمل بحثه المتصل حول معوّقات ومداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية، بأن يتناول ” متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية ” في الدول العربية عامة والدول الواعدة منها بشكل خاص. حيث أجمع مؤلِّفو الكتاب على أنّ التحول الديمقراطي رهن بقيام كتلة تاريخية فاعلة في كل قطر من الأقطار العربية، كتلة تتشكل من ائتلاف التيارات والقوى السياسية التي تنشد التغيير الديمقراطي على غرار ” الكتلة التاريخية ” التي نادى بها المفكر غرامشي. حيث أنّ التيارات الأساسية، القومية والإسلامية واليسارية والليبرالية، توصلت إلى شبه إجماع على الديمقراطية كنظام للحكم وكمنهج لإدارة الصراع السياسي. وهذه الكتلة مفتوحة في رأي هؤلاء لكل الأطراف المؤمنة بالديمقراطية، من كل المكوّنات الاجتماعية والسياسية والفكرية. أما الذين سيتولون أمر ” الكتلة التاريخية ” فهم المثقفون والسياسيون الوطنيون الذين يقدمون مصلحة الوطن على المصالح الشخصية والفئوية.

ومن الجدير بالذكر أنّ بناء كتلة تاريخية، على قاعدة الديمقراطية، كان ملازماً لكل حالة انتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية, وكان المدخل الاستراتيجي الرئيسي لكل حركة ديمقراطية فاعلة في أي بلد انتقل من نظام حكم الفرد أو الطغمة إلى نظام حكم ديمقراطي.

ولا شك أنّ وفاقاً تاريخياً مجدياً يتطلب القطع مع المنهجية القديمة المبنية على الانغلاق والتعصب ورفض الآخر، فلا بد من البحث عن نقاط الالتقاء لبناء جبهة المجتمع المدني سداً منيعاً ضد الاستبداد في الداخل والتبعية للخارج. ولعل أحد مداخل هذا الوفاق التاريخي يكمن فيما يعرف بـ ” الديمقراطية التوافقية ” التي تتيح للنخب السياسية التعاون فيما بينها، وأن تتضافر جهودها من خلال هذا الأسلوب الديمقراطي والتوافقي، وعن طريق هذا التعاون يتم صيانة استقرار النظام المتوافق عليه. كما يفضي هذا التوافق إلى سمة أخرى هي الفعالية، إذ بدون فعالية لا يمكن لأي نظام أو أي مشروع أن ينجح، وأن يكون لبنة قوية من لبنات صرح الحكم الديمقراطي الذي يعطي نتائجه في تنمية اقتصادية واجتماعية مجدية.

ويولي الديمقراطيون التوافقيون فكرة الائتلاف الكبير أهمية خاصة لأنهم يشددون على دور النخبة السياسية في بناء نظام الديمقراطية التوافقية، ويعتبرون أنّ هذه النخبة تستطيع أن تلعب دوراً حاسماً واستراتيجياً في تطبيق معادلة الوحدة والتنوع إذا كانت تمتلك الولاء الوطني العابر للانتماءات الفرعية الضيقة.

ومما لاشك فيه أنّ الذي يجعل الربيع الديمقراطي العربي قادراً على استكمال إنجاز التحول الديمقراطي هو التكوّن التدريجي لكتلة شعبية تاريخية، متناغمة ومتفاهمة، تضم أحزاباً ونقابات واتحادات حقوقية وجمعيات مهنية وثقافية وجمهوراً غفيراً من المستقلين وخصوصاً من جيل الشباب.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...