الرئيسية / صفحات الرأي / في الأمن الإنساني وتداعياته: الحالة السورية مثلاً

في الأمن الإنساني وتداعياته: الحالة السورية مثلاً


أكرم أنطاكي

 1

لأن “… الأمن حاجة أساسية للنفس…” كما قالت الفيلسوفة الفرنسية سيمون ﭭايل، ولأن المرء يشعر بالخوف حين يُهدد أمنه، ولأنه “… حتى وإنْ لم يكن الخوفُ سوى حالةٍ كامنة، بحيث لا يشعرُ به المرءُ عذابًا إلاَّ نادرًا، فإنه دائمًا مرَض. إنه نصفُ شللٍ للنفس…”[1] تراني أعود إلى الموضوع مرة أخرى. لكن، تحديدًا هذه المرّة، من منطلق الأوضاع الاستثنائية التي نعيشها اليوم في سورية.

فبلدنا يعيش، ومنذ أكثر من أربعة أشهر، حالة حراك شعبي عميق، إن لم نقل حالة ثورة. ثورة شعب لم يعد بوسعه أن يحتمل جور سلطة حكمته لأكثر من 48 عامًا؛ وأزمة سلطة لم يعد بوسعها اليوم أن تحكم، بنفس الطرائق القديمة، شعبها الذي تمرَّد على عسفها. الأمر الذي ولَّد هذه الحالة التي أصبح فيها الأمن الإنساني في البلد مهددًا، ما جعل الجميع فيه يعيشون في حالة خوف حشوي من مستقبلٍ قريبٍ يبدو اليوم غامضًا.

2

خاصةً وأن مفهوم الأمن الإنساني، وكما تقرُّ بذلك منظمة الأمم المتحدة، هو مفهوم شامل يغطي مختلف مجالات حياة الإنسان في بلده. وتحديدًا…

إن انطلقنا إلى الأمن الاقتصادي للمواطن، والذي يعني بشكل رئيسي إمكانية أن يكون لهذا المواطن عمل يؤمن له حياةً كريمة، نجد أن أول ما أصبح يخيف اليوم الإنسان في بلدنا هو أمنه الاقتصادي الذي بات مهددًا. فالعديد من الشركات أغلقت أبوابها، وسرَّحت عمالها، كما أن الدولة أضحت على شفير انهيار بات يتحدث عنه القاصي والداني، ويقرُّ به الجميع. وهذا يعني بالتالي…

أن تعرض الأمن الاقتصادي في البلد للخطر، سرعان ما سينعكس، وخاصةً بالنسبة للطبقات الشعبية الفقيرة، على الأمن الغذائي للمواطن. ونتفكر أن تهديد الأمن الغذائي الذي كان يبدو جليًا في السنوات الأخيرة في بعض المناطق الريفية، بسبب تدهور الأوضاع البيئية في منطقة الجزيرة مثلاً، أصبح اليوم جليًا بشكل أكبر، مع تزايد مظاهر تصدُّع الاقتصاد الوطني وتوقف العديد من المشاريع، وأول المظاهر الملموسة لهذا التهديد هو فقدان مادة المازوت والارتفاع المتسارع في أسعار المسلع الغذائية الأساسية. ونتوسع قليلاً، حيث:

·        بات مؤكدًا اليوم الانخفاض الكبير للمحصول الزراعي لهذا العام، والذي يبدو أن قسمًا كبيرًا منه قد دفن في أرضه.

·        كما لم يعد أحد يتحدث عن مدخول سياحي انعدم بشكل كامل هذا العام بسبب تزعزع الأمن والاضطرابات التي عمَّت مختلف أرجاء البلاد. وكذلك…

·        حالة الشلل المتصاعد لدولةٍ بات جيشها الوطني منتشرًا في معظم مدنها وقراها بسبب تلك الاضطرابات. وأيضًا…

فإن هذه الاضطرابات سرعان ما انعكست، بشكل مباشر و/أو غير مباشر، على الأمن الشخصي للمواطن العادي الذي بات يشعر بالتهديد سواء من قبل دولته وأجهزتها الأمنية و/أو بسبب عجز دولته وأجهزتها الأمنية على حمايته. وهذا الفلتان كان من أهم مسبباته…

انعدام الأمن السياسي في بلد كان (وما زال) ممكنًا فيه، بكل بساطة، أن يتعرض كل مواطن يعارض النظام الحاكم للاعتقال، وللعنف الجسدي والنفسي الشرس لأجهزة الدولة الأمنية. ونتوسع في الموضوع قليلاً…

3

لأننا عندما نتحدث عن الأمن فإن أول ما نتفكر به هو: من أجل من تحديدًا يجب أن يتوفر هذا الأمن؟ وما هو مصدر الأخطار التي يمكن أن تهدده؟ وتجدنا، كما سبق وبينَّا في مقالة سابقة[2]، أمام مفهومين قد يبدوان للوهلة الأولى متعارضين: أمَّا المفهوم الأول، الكلاسيكي، فهو ما يسمونه بأمن الدولة، الذي سرعان ما يتبين في حال مثل حالنا أنه أمن نظام الحكم القائم. ونتفكر، بكل موضوعية، أن هناك فعلاً و/أو بالقوة أخطار يمكن أن تهدد، على أرض الواقع، أمن الدول. الأمر الذي يجعل من المنطقي أن تسعى الدول، ما في وسعها، لحماية نفسها من الأخطار التي يمكن أن يمكن أن تهددها. ونتفكر في أن هذه الأخطار يمكن أن تكون مباشرة و/أو غير مباشرة، خارجية و/أو داخلية.

بينما المفهوم الثاني الأكثر عمقًا وتطورًا، والذي انبثق منه مفهوم الأمن الإنساني، فهو أمن المجتمع والتجمعات والأفراد في داخل كل دولة، وعلى الصعيد العالمي.

ونتفكر بادىء ذي بدءٍ، في الأمور التي يمكن أن تهدد الأمن القومي لبلدنا، قبل أن نتفكر في أمن النظام الحاكم فيها. لأن سوريا على صغر مساحتها (حوالي 185000 كم2)، بلد يتمتع بأهمية جغرافية-سياسية خاصة، في منطقة حيوية من العالم. فمن الشمال تحدها تركيا، ومن الغرب، والجنوب الغربي يحدها لبنان وإسرائيل (فلسطين)، ومن الجنوب يحدها الأردن، ومن الجنوب الشرقي والشرق يحدها العراق. ومع جميع دول الجوار هذه لسورية مصالح مشتركة، ومشاكل عالقة – إن لم نقل مشاكل بالقوة.

فإن نظرنا إلى التركيبة الداخلية لسورية التي يقارب عدد سكانها اليوم 22 مليونًا، فإننا سرعان ما نلاحظ التنوع الكبير في التركيبة السكانية للبلد. حيث يشكِّل العرب فيه ما يقارب الـ90% من مجموع السكان مقابل ما يقارب الـ9.5% من الأكراد الذين يتواجد قسم كبير منهم في الشمال، أما الباقون، أي حوالي الـ0.5%، فهم من الأرمن والشركس والآشوريون.

ونتفكر أن للأكراد في سوريا مشكلة مزمنة مع النظام الحاكم؛ فالأكراد محرومون من أبسط حقوقهم القومية، كما أنهم، إضافةً إلى ذلك، مثلهم مثل باقي الشعب السوري، محرومون من حقوقهم السياسية. وما يعرفه القاصي والداني، أن للأكراد السوريين امتدادات في تركيا، حيث يعانون أيضًا من مشاكل مشابهة مع الحكومة التركية التي لا تعترف أيضًا بحقوقهم القومية، وكذلك لهم امتدادات في العراق حيث أصبحت لهم منطقة حكم ذاتي (إن لم نقل شبه دولة مستقلة). وأيضًا…

إن نظرنا إلى التركيبة الطائفية السورية، حيث يشكِّل المسلمون السنة ما يقارب الـ75% من السكان، ويشكل المسيحيون (على اختلاف طوائفهم) 7% من السكان (تسكن أغلبهم في المدن الرئيسة وفي منطقة وادي النصارى وسط البلاد)، فإننا سرعان ما نلاحظ أن النسبة المتبقية من السكان أي حوالي 18%، هي من العلويين الذين يشكلون حوالي الـ 13%، والدروز 3%، والشيعة 2%. ونتفكر أن لكل طائفة من هذه الطوائف تداخلات مع دول الجوار. فللعلويين امتدادات في تركيا وفي لبنان، وللمسيحيين والدروز والشيعة امتدادات في كلِّ المنطقة وخاصة في لبنان. كما أن العشائر العربية التي تشكِّل الأغلبية السكانية في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية من سورية، والذين هم بشكل شبه كامل من العرب السنة، امتدادات في العراق وفي الأردن وفي الجزيرة العربية.

ونتفكر أن هذا التنوُّع والتداخل الذي كان (وما زال) من الممكن أن يكون عامل توحيد وتقارب بين دول المنطقة لو كانت الأوضاع في سورية و/أو في هذه البلدان طبيعية، سرعان ما ينعكس سلبًا على أمن واستقرار سورية (و/أو نظم حكمها). لأن الأوضاع القائمة في هذه الدول، وخاصةً عندنا، تعاني، مع الأسف، من خلل عضوي. وهذا الخلل هو بالدرجة الأولى، كما يتضح اليوم، سياسي واقتصادي واجتماعي.

4

لذلك، ومن أجل فهم طبيعة هذا الخلل، ترانا نستعيد بشكل سريع وموجز التاريخ الحديث لبلدنا التي خضع، بعيد انهيار الأمبرطورية العثمانية، ومنذ العام 1920، للانتداب الفرنسي الذي استمر حتى حصول البلاد على استقلالها عام 1946. وقد تميزت السنوات الأولى من الاستقلال، الذي قادته الكتلة الوطنية، بالاضطراب الذي كان من أهم مسبباته قيام دولة إسرائيل في العام 1948 من جهة، والتفاوت الطبقي الكبير بين المدينة والريف من جهة أخرى. فعرفت البلاد، في حينه، العديد من الانقلابات العسكرية التي كان من أهم نتائجها تخلي سورية في العام 1958 عن كيانها المستقل، والاتحاد مع مصر. تلك الوحدة التي استمرت حتى عام 1961، حين انفصلت سورية عن مصر وعادت من جديد كيانًا سياسيًا مستقلاً. ثم كان مجيء حزب البعث إلى السلطة في 8 آذار 1963، ومجيء حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970. وقد استمر حكم حافظ الأسد لسورية حتى وفاته في العام 2000، وحلَّ مكانه ابنه بشار الذي ما زال حتى الآن رئيسًا يحكم البلاد بالطريقة نفسها التي كان يحكم بها والده، أي بشكل أوتوقراطي وبالاعتماد الكلِّي على أجهزة الأمن.

ونتذكَّر أن خلال الفترة الممتدة من عام 1963 (عام وصول حزب البعث إلى السلطة)، وإلى يومنا هذا، مرَّت البلاد بالعديد من الأحداث التي كان أهمها:

·        حرب حزيران في العام 1967 مع إسرائيل، والتي خسرت فيها سورية هضبة الجولان. ما يعني أنه كان هناك، سواء بشكل فعلي أو بالقوة، تهديد لأمن سورية كبلد من قبل إسرائيل التي هي في حال عداء معها منذ عام 1948. وأيضًا من نفس المنظور…

·        حرب تشرين في العام 1973، التي كان من نتائجها استعادة بلدة القنيطرة وقسم صغير مما فقدته سورية من الجولان في حرب 1967. و…

·        الحرب الطائفية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي استمرت حتى عام 1999، وأدت إلى “الاحتلال” السوري لهذا البلد، والذي استمر حتى العام 2005. ونتفكر أن من أهم المسببات الطائفية للحرب في لبنان الذي يشكل من حيث تركيبته السكانية، امتدادًا لتركيبة الداخل السوري، هو فقدان الثقة بين مكونات هذا المجتمع من جهة، والتدخلات الخارجية لدول الجوار – سورية وإسرائيل – من جهة أخرى. وأيضًا…

نسجِّل من جانب آخر، أنه خلال مرحلة حكم آل الأسد للبلاد، والتي بدأت منذ العام 1970، عرفت سورية تطورًا اقتصاديًا نسبيًا، و”استقرارًا” سياسيًا ملحوظًا، تخللته فترات اضطراب عنيفة (تم قمعها) في أوائل الثمانينات. وقد كان من أهم نتائج تلك المرحلة المضطربة، ازدياد سيطرة قبضة الأجهزة الأمنية على البلاد. وأيضًا…

إن نظرنا إلى الجانب الاقتصادي، فإنه لا بدَّ لنا من الإقرار بأن سورية بلد غني بموارده وبطاقاته البشرية. فلديها حقول نفط وغاز في المناطق الشمالية والشرقية، وهذه تمثل من حيث منتوجها ما يقارب الـ60% من صادرات البلد. كما توجد فيها أيضًا مناجم ضخمة للفوسفات في منطقة تدمر. وأيضًا، لديها موارد مائية لا يستهان بها، وتتمثل بشكل رئيسي في أنهار الفرات والخابور والعاصي – الأنهار التي تعاني الآن من الشح – حيث أقيمت سدود تجميعية ضخمة للري ولتوليد الكهرباء. وأيضًا يمكن القول إن سورية بلد غني بمنتجاته الصناعية؛ فلديها صناعات تحويلية مزدهرة وتجارة مزدهرة مع بلدان الجوار. لكن…

رغم غناها النسبي، ورغم تجارتها وصناعاتها النشطة، ورغم طبقتها الوسطى التي ما زالت إلى يومنا هذا قويةً ومؤثرة، لم تكن مؤشرات الاقتصاد السوري مرضية إلى حدٍّ كبير. لا بل أنها بقيت متعثرة وفاشلة نسبيًا، للأسباب الرئيسة التالية:

·        لأنه في الستينات من القرن الماضي، وفي ذروة الحرب الباردة، تبنَّى النظام السوري الذي كان متحالفًا مع الاتحاد السوفييتي، خيار الاقتصاد الموجَّه، الذي انعكست آثاره السلبية لاحقًا من خلال قطاع عام مكلف وغير منتج، وبيروقراطية ثقيلة وفاسدة، على اقتصاد البلاد ككل. وهذا الواقع ما زال مستمرًا إلى حدٍّ كبير حتى الآن، رغم أن الرئيس بشار الأسد حاول في السنوات الأخيرة خصخصة الاقتصاد الوطني. لكن…

·        السبب الرئيسي لعدم النجاح الفعلي للخصخصة إنما يعود بشكل أساسي إلى الطبيعة السياسية للدولة التي ما زالت تحكمها الأجهزة الأمنية وحزب البعث وحلفائه من جهة. و…

·        بسبب الأعباء الكبيرة لتلك الأجهزة ولجيش جرار مخصص بشكل أساسي لحماية النظام (وتقدر هذه الأعباء بما لا يقل عن 35% من ميزانية الدولة).

وبوسع كل عاقل أن يتفكر في مدى انعكاسات هذه العوامل المتداخلة والمتفاعلة على الأمن الإنساني للمواطن السوري.

5

خاصةً وأنه من المتعارف عليه، أن المؤسسة المسؤولة بالدرجة الأولى عن تأمين الأمن لمواطنيها هي الدولة. فالدولة وفقًا لنظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، “متعاقدة مجازًا” مع مواطنيها على تأمين ما يلزمهم من أمن وحماية، مقابل ما يدفعوه لها من ضرائب. لكن ما نراه اليوم في بلدنا هو أن دولتنا قد فشلت إلى حدٍّ كبير في حماية هذا الأمن ما جعل البلد مرتعًا لعصابات مسلحة إفتراضية (إن صدَّقنا) أجهزتنا الإعلامية؛ و/أو أنها تقمع مواطنيها (بمعنى أنها تحولت إلى مهدد رئيس لأمنهم في العديد من هذه المجالات). وهذا يضعنا، حين نتفكر بهذه الإشكالية، أمام مقاربتين لمفهوم الأمن الإنساني:

·        المقاربة الأولى هي تلك التي تدعى باللغة الدولية مسؤولية تأمين الحماية Responsiblity to Protect أو R2P. وهو مبدأ يعني أنه في حال كانت الدولة – لنقل دولتنا – عاجزة عن تأمين الأمن لمواطنيها في أي مجال من المجالات الرئيسة التي سبق ذكرها، فإنه يصبح من واجب المجتمع الدولي أن يتدخل وأن يساعد على سدِّ هذه الثغرة. وهذا ما يُتعارف عليه بتعبير فرض الأمن الإنساني من الأعلى From above.

ونتفكر أن بلدنا، حين عانى في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، من مشكلة هددت الأمن الغذائي لقسم من مواطنيه في منطقة الجزيرة، تلقى المساعدات من جهات دولية (الأمم المتحدة) ومن بعض دول الجوار (تركيا)، وتقبلها بكل طيبة خاطر.

ونتفكر بأن بلدنا الذي يعاني اليوم من اضطراب في أحواله الأمنية، الأمر الذي يعرِّض الأمن الإنساني لسكانه وللبلدان المجاورة للخطر، يواجه اليوم، أوضاعًا قد تستدعي تدخلات خارجية، لتهدئة الأحوال في مناطقه المضطربة و/أو لحماية الأمن الإنساني للسكان المهددين. وهذا ما حصل، وإن بشكل جزئي مع الجار التركي الذي استقبل قسمًا من اللاجئين الفارين من القمع في المناطق الحدودية المتاخمة. ذلك الجار الذي هدَّد بفرض منطقة عازلة داخل الأراضي السورية في حال تطور تدهور الأحوال الأمنية في البلد. وهذا ما يجعلنا نفكر بـ…

·        المقاربة الثانية التي تعيدنا إلى الداخل، والتي يسمونها الأمن الإنساني الذي من الأسفل From below، وهي تلك الحالة التي تحصل حين تفشل الدولة أو حين تنهار، ويجد الناس أنفسهم مضطرين لتأمين أمنهم انطلاقًا مما يتوفر بين أيديهم من إمكانات، كاللجوء إلى العائلة، أو العشيرة، أو أبناء الملَّة أو الدين أو الحارة أو البلدة. ونتفكَّر أننا في سوريا نكاد نقارب هذه الحال اليوم في العديد من الأماكن، كبعض مناطق ريف دمشق، وفي بعض أحياء مدينة حمص، كما في بعض المدن كحماه ودير الزور والبوكمال، على سبيل المثال ليس الحصر…

ونتفكر أن كلتا الحالتين تنطبقان اليوم على وضعنا السوري. ونتساءل عن المخرج من هذا المأزق الذي نحن فيه.

6

ونتفكَّر في أن تأمين الأمن الإنساني للمواطنين ولسكان أي بلد يفترض أول ما يفترض وجود وتطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية صحيحة وناجحة تحقق النمو الصحيح للبلد ولسكانه. ومسؤولية هذه التنمية تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطة الحاكمة. لأن هناك ارتباط وثيق بين الأمن الإنساني للناس داخل الدولة، وبين سياسات هذه الدولة التي يفترض أن تكون في حال تواصل إيجابي دائم ومستمر مع مجتمعها.

ونتفكر بأن انعدام هذا التواصل إنما يعود بشكل رئيسي إلى انعدام الحرِّيات، والمقاربة الأمنية التي كانت وما زالت تتبعها السلطة، هو الذي أوصلنا إلى تلك الحال المزرية التي نعيشها اليوم.

لأن تحقيق الأمان الإنساني الذي يعني، في نهاية المطاف، العيش الكريم والتحرر من الخوف ومن الحاجة، يفترض قبل كلِّ شيء احترام حقوق الإنسان والمواطن والمجتمع الأهلي. لأنه ما لم تُحترم هذه الحقوق، فإن المجتمع الأهلي ككل سيبقى مشلولاً ومعرضًا للهزات. كما هي الحال اليوم في بلدنا. كما يعني أنه حتى وإن تمكنت السلطات من قمع الاضطرابات بالقوة، فهناك احتمال الدائم لأن يحصل صدام حاد بين حكومة الدولة وبين مجتمعها الذي ما زال أمنه الإنساني منقوصًا. وأيضًا…

لأن المنظور التقليدي للأمن، وهو المنظور السائد عندنا، يُخضع كلَّ شيء لمصلحة الدولة التي يجب عليها حماية حدودها وحماية السلم الأهلي داخل هذه الحدود، وبالتالي فإن إطار هذا الأمن، الذي أصبح مصلحة نظام حكمها بالدرجة الأولى، سرعان ما أصبح مسؤولية الحكومة والأشخاص الذين يديرون شؤون هذه الدولة. ذلك النظام الذي هو اللاعب الوحيد في البلد الخاضع لسلطته، والذي يعتمد بشكل رئيسي على أجهزة الأمن، والشرطة، والجيش. وهو منظور أثبت فشله بشكل عام، وفي الأونة الأخيرة بشكل خاص، حين وجد نظام الحكم نفسه أمام غليان شعبي مرده بالدرجة الأولى انقطاع الصلة بين الدولة وبين مجتمعها الأهلي. بينما… إن نظرنا إلى الأمر من منظور الأمن الإنساني، الذي تفترض مرجعيته بادىء ذي بدء مشاركة الناس والمجتمع ككل، بالإضافة إلى إطاره الأوسع الذي يشمل الاقتصاد والغذاء والبيئة، وحياة الناس وضرورات التواصل فيما بينهم، فإننا سرعان ما نلاحظ أن هذا المفهوم هو الذي بوسعه أن يتجاوز مفهوم اللاعب الوحيد الذي هو الدولة، فيضعنا أمام مفهوم آخر تتحول فيه الدولة إلى شريك لمجتمعها المدني الذي تصبح مسؤولة أمامه.

ما يعني ضرورة التحول في طبيعة نظام الحكم القائم، خاصةً وأن سورية، هذا البلد ذو الموقع الجغرافي السياسي الهام جدًا في منطقته وفي العالم، ليست مسؤولة فقط عن الأمن الإنساني داخل حدودها، إنما، بسبب تعاظم وتطور العلاقات بين الدول، هي مسؤولة أمام المجتمع الدولي ككل وشريكة له في الوقت نفسه.

موقع معاير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...