الرئيسية / صفحات سورية / في التبرؤ من الأسلمة/ عمر قدور

في التبرؤ من الأسلمة/ عمر قدور

 

 

مَن يفكر في أحوال المنطقة مؤخراً لا بد أن تدهشه تلك الحمية في التبرؤ مما يوصف بالإرهاب الإسلامي، وإذا اتخذنا خطوة أبعد في التفكير فمن المرجح استبعاد أن يكون هذا التسابق فقط على أرضية إرضاء ترامب، فالأخير محاصر بالمشاكل الداخلية، ولن ينقذه منها إنجاز خارجي لا يوازن حساسية الاختراق الروسي. لكن لا بد في خضم هذا التسابق من ملاحظة أن دورة “الإرهاب الإسلامي” الحالية قد شارفت على الانتهاء، ضمن اتفاق دولي/إقليمي، والتسابق يعكس ذلك التفاؤل بإنهاء التنظيمات الجهادية، أو على الأقل إعادتها إلى القمقم الذي كانت فيه قبل اندلاع ثورات الربيع العربي.

ثمة مثل سوري يقول: من يرفع الحمار إلى المئذنة وحده القادر على إنزاله. قد يدلنا هذا المثل إلى القوى القادرة على إنزال التنظيمات الجهادية من المئذنة، حيث كان يعلو صوتها خلال السنوات الماضية بأكثر مما تتيحه لها قواها الذاتية. مؤدى هذا المثل مشابه لما تروّجه أنظمة الاستبداد، إذ ترى أنها الأجدر والأقدر على محاربة التنظيمات الجهادية، دون اعتراف بتسببها بنشوء أنواع التطرف المجتمعي عموماً، ودون اعتراف خاصة باستثمارها في التنظيمات الجهادية من خلال مصانعها الاستخباراتية.

في سوريا، على سبيل المثال، يعرف كثرٌ قصة “أبي القعقاع” التي راجت قبل نحو عقد ونصف العقد. أبو القعقاع كان يؤمّ مصلين في جامع حلبي تحت أنظار المخابرات، وكان يجنّد الشباب في معسكرات تدريبية، ويصور تلك الأنشطة العسكرية مرفقاً إياها بخلفية من الأناشيد الدينية، حيث كانت تباع على الأرصفة في أقراصCD علناً. أخيراً، عندما حانت لحظة النهاية، وبضغط من السفارة الأميركية المستاءة من توافد الجهاديين إلى العراق، قامت المخابرات السورية بطي صفحة أبي القعقاع وتصفيته جسدياً.

قد يكون نموذج أبي القعقاع شديد الفجاجة بالمقارنة مع تجارب أكثر تطوراً؛ مرة أخرى النموذج السوري الحالي يقدّم لنا رؤية أفضل لحال صناعة الإرهاب ومكافحته، فامتلاء سوريا بالتنظيمات الإسلامية خلال السنوات الخمس الأخيرة أفضل دليل على الحالتين. يعرف السوريون، كما قد لا يعرف أمثالهم من الأناس العاديين في الخارج، أن التنظيمات الإسلامية العاملة في البلد تعتمد جميعاً على تمويل، أو تسهيلات لوجستية، من دول وأنظمة، ولولا التمويل والتسهيلات لما استطاعت تلك التنظيمات بقدراتها الذاتية السيطرة على مساحات شاسعة وفرض نفسها كقوة أكبر، تحديداً على حساب ما كان يعرف بفصائل الجيش الحر.

يعرف السوريون أيضاً أن تقديم التمويل والتسهيلات يعني تمرير أجندات أصحابهما، ويعرفون أن الاختلاف في تلك الأجندات هو ما تسبب في الكثير من الأحيان في اقتتال ضارٍ بين ما يُسمى “أخوة المنهج”، والتذرع باعتبارات من نوع آخر بما فيها الفتاوى والفتاوى المضادة لم يكن إلا للتغطية على الارتهان لخلافات خارجية. ولا تملك أية قوة خارجية استثمرت في التنظيمات الإسلامية اكتراثاً أفضل بالقضية السورية على حساب مصالحها الذاتية، مثلما لا تملك أية قوة خارجية أحقية أن تنسب لنفسها دعم “الإسلام الأفضل” مع تشابه ممارسات الإسلاميين في أماكن سيطرتهم.

تقول الحالة السورية أن تنافساً حدث خلال السنوات الماضية، يعاكس تنافس اليوم على التبرؤ من الأسلمة، وكان يعمل بكامل طاقته على الاستثمار في التنظيمات الإسلامية. وإذا كان نظام بشار، ومن خلفه طهران، أول المستثمرين وأول الملوّحين بخطر الإرهاب، فإن العديد من الدول الإقليمية نشطت على الموجة نفسها واستثمرت في استثمار نظام بشار نفسه، إلى درجة بات الاستثمار المضاد يهدد المستثمر الأول لولا نجدته دولياً. بالطبع لم تكن القوى الدولية خارج الاستثمار، فإدارة أوباما رأت فيه فرصة لاقتتال المتطرفين من السنة والشيعة وإيقاع مقتلة كبرى بالطرفين.

يفيدنا مثال أبي القعقاع الذي سبق ذكره بتلك القدرة على استقطاب من يملكون استعدادات للانخراط في الجهاد، ثم تدريبهم ودفعهم إلى القتال، وأخيراً قتلهم والتخلص منهم. هذه الحلقة الاستخباراتية النموذجية أصبحت شبه معروفة، مثلما باتت جرائم أنظمة الاستبداد مشهرة على العلن، لكنها ما تزال صالحة، وأن تملك قدرة على العمل رغم انفضاحها فهذا يدلل على وجود استعدادات حقيقية لابتلاع الطعم لدوافع دينية أو طائفية. بمعنى أن الحالة الإسلامية ليست حالة استخباراتية فحسب، لكن فعاليتها خارج كونها تنظيمات سرية محاصرة هي ما يدعم فرضية الاستثمار المنظم من قبل دول وأنظمة.

لطالما قيل على نحو مبسَّط بأن التطرف يتغذى على مستويين؛ داخلياً من الاستبداد، وخارجياً من السياسات الدولية المحابية لأنظمة الاستبداد، والمحابية لإسرائيل عندما كانت الأخيرة عدواً أول. اجتماع المستويين تحت لافتة القضاء على الإرهاب يعني عملياً اجتماع صنّاعه، بعدما أصبح منظر الحمار فوق المئذنة فاضحاً، وحيث يخبرنا أولئك الصنّاع بأنهم الأجدر بإنزاله من فوقها قتيلاً كالعادة، ولا يتلهف سوى الأرعن بينهم إلى إثبات قدرته على قتل الحمار وتدمير المئذنة معاً غير مقدِّر وظيفة المئذنة لأقرانه وله.

لم يكن لموجة القضاء على الإرهاب التي تلت تفجير برجي التجارة في نيويورك أن تجعل العالم أكثر أمناً، وما حدث لاحقاً يشير إلى أن مصانع الإرهاب كانت تعمل بصمت، وبازدواجية طوال الوقت. في أحسن الأحوال، هذه المنظومة المنتِجة للإرهاب لا يعول عليها للقضاء عليه، وكل ما فعلته خلال السنوات الخمس الأخيرة هو القضاء على تطلعات ثورات الربيع العربي، وربما يكون وراء كل اجتماع سياسي يشدد على مكافحة الإرهاب قادة استخبارات يتبادلون التهاني على النجاح في استثماره. أما الحديث عن أنظمة تحارب تنظيمات فهو على سبيل التمييز اللفظي بينهما ليس إلا، إذ من المعلوم أن أنظمة المنطقة تتكشف وقت الأزمات عن مجرد تنظيمات إرهابية. باستخدام مفردات المثل ذاته، ما لم يُحاكم جميع الذين رفعوا الحمار ووضعوه فوق المئذنة “دون التضحية فقط بكبش فداء يختارونه”سيأتون في ما بعد بحمار جديد، أما الحمار فلا أمل يدفع إلى الظن بأنه سيتعلم الدرس.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...