الرئيسية / صفحات الرأي / في الثقافة المضادة للديمقراطية

في الثقافة المضادة للديمقراطية

 

طارق عزيزة

لا نقدّم جديداً عندما نتحدّث عن غياب الديمقراطية في البلدان العربية. كذلك الأمر حين نشير إلى عدم تبلور مفهوم متّفق عليه حول ماهيتها وشكلها المناسب وآليات بنائها، سواء لدى المعارضات العربية المطالبة بها أو حتى في خطاب السلطات التي تنتحلها في إعلامها الدعائي والممانعة لها في واقع الأمر، بل والمعطّلة لإمكانية البدء في محاولات جدية لتفعيل أدواتها التي ربما تتضمنها بعض الدساتير العربية إن وجدت.

تزدهر ـ والوضع على ما نصفه ـ التيّارات السياسية والفكرية المعادية للديمقراطية وتزداد شعبيتها في مناخ مثل هذا، على الأخص تلك التي تتناقض وتتعارض مع التعددية وقبول الآخر، من حيث جذور تكوينها ومبناها الأيديولوجي وممارساتها التاريخية. لعل لنا في التيارات والحركات السلفية والإسلام السياسي النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الظاهرة.

تقوم التيارات المذكورة بممارسات منهجية في الترويج للأفكار المعارضة للديمقراطية بشكل يؤدّي لتدمير فرص تغلغل بذور الثقافة الديمقراطية إلى أذهان العامّة، متّبعة أسلوب “التثقيف” ذا المضمون المعادي للديمقراطية، والذي يحقق نتائج تفوق الوسائل العنفية واستخدام السلاح. المفارقة المضحكة في الأمر أنّ كلّ هذا يحصل تحت ذريعة “الممارسة الديمقراطية” المستندة على المبدأ الأساسي باحترام حرية الرأي والتعبير (ليس بعيداً عن الموضوع يمكن ملاحظة ذلك بشكل ملموس حتى في أوروبة، ومن المفيد هنا التذكير بما نشر على موقع الأوان بتاريخ 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 تحت عنوان “هل تصبح لندن عاصمة للخلافة الإسلامية”).

في أحسن الأحوال تختزل تلك الحركات والتيارات النظام الديمقراطي بـ”صندوق الاقتراع” لتحصد من خلاله ثمار تعبئتها الشعبية ـ المعادية للديمقراطية ـ والتي لن تنقلب على انقلاب “ممثليها الشرعيين” على الديمقراطية “الصندوقية” الناشئة نفسها. أولئك الذين سيحملهم صندوق الاقتراع “البدعة البشرية” إلى السلطة ليباشروا تطبيق “شرع الله” الذي سحروا به أذهان جمهورهم اليائس والبائس إلى درجة لم يعد يرى معها في غير الله (وممثليه!) منقذاً.

ينتج عن واقعية ذلك السيناريو واحتماليته تصاعد المخاوف ـ التي نجدها محقّة ـ للكثير من المفكّرين والمثقفين والسياسيين المعنيين بالتغيير الديمقراطي في بلدانهم، ويعبّرون عن الحالة بمصطلح “ديمقراطية المرّة الواحدة”. في هذا السياق يأتي تأكيدنا على خطورة التأثير المباشر لطروحات تلك التيارات انطلاقاً من كون الشريحة المستهدفة هم الناس المؤمنون العاديون البسطاء في مجتمعات متدينة أصلاً، والذين سيسهل إقناعهم بأن الموقف السياسي جزء من التديّن، وغاية هذا الموقف صياغة نظام يقيم “حكم الله” ويسير على خطى السلف الصالح. سيحقّق هذا لكلّ مؤمن الشعور بأهمّيته الذاتية ورسوخ إيمانه في الوقت عينه، ممّا سيرجّح استجابته التلقائية لتلك الطروحات، وبالتالي سيتشكّل (تيّار اجتماعيّ) بما للكلمة من معنى، يتبنّى أفكاراً وقيماً ترفض الديمقراطية، ويكون معاديا لها نظرياً وعملياً من خلال سلوك يجسّد ما لقّنته منابر المساجد ودروس الدين ومختلف أشكال الدعاية الإعلامية الإسلامية ذات الحضور الكثيف والتمويل الهائل.

سنحاول أن نعرض بإيجاز لبعض الأفكار والمقولات التي تروّجها تيّارات الإسلام السياسيّ على تنوّعها في أوساط عامّة الناس، وهي من صلب تفكيرهم المعلن وتنمّ عن تناقض سافر مع أبسط مفاهيم الديمقراطية، تكشف زيف ادّعاءاتهم بإمكانية قبولهم لها، وتفضح بالتالي نفاقهم السياسيّ عند عقد تحالفاتهم مع المعارضات الوطنية المطالبة بالديمقراطية، وتؤكّد ما ذهبنا إليه من عملهم الممنهج في”التثقيف” المضادّ لثقافة الديمقراطية والفكر الديمقراطي.

بداية نجد اختلافاً واضحاً في الهدف من قيام الدولة وبناء نظامها السياسي ومؤسسات الحكم فيها بين الفكرين: الديمقراطي والإسلامي السلفي. حيث تكون الغاية الأساسية للنظام السياسي في الدولة الديمقراطية إيجاد الآليات التي تحقق توافق المواطنين على طريقة الحكم من حيث اتخاذ القرار والمحاسبة والتداول السلمي على السلطة، وتضمن بكل تأكيد حرية الاعتقاد. بينما تشير أغلب الدراسات التي اطلعنا عليها وتتناول الفهم الإسلامي للدولة إلى أن الهدف الأسمى للنظام الإسلامي “إتمام العبودية لله سبحانه على مستوى الدولة بعد أن تحققت على مستوى الفرد”، والوسيلة لضمان هذا الهدف “تحكيم الشريعة ونشر أحكام الإسلام” أي أن تصطبغ الدولة بالصبغة الإسلامية.

إضافة لما تقدّم فإنّ مفهوم الشعب أو الأمّة في الدولة الديمقراطية يستند إلى علاقة المواطنة التي تجمع بين أفراد الدولة وإلى رابطة الجنسية التي ينتمي من خلالها المواطنون إلى الدولة. في المقابل يختلف مفهوم الأمة في الإسلام من حيث الشمول ومعنى الانتماء. يتبين ذلك ويتلخص من خلال ما تنشره (الموسوعة الإسلامية) على شبكة الإنترنت: “الأمة الإسلامية هي مجموعة المؤمنين الذين اتخذوا الإسلام ديناً لهم. والإسلام هو الجنسية التي يحملها كل مسلم. فعبارة “المواطنين” التي ترتكز عليها الديمقراطية الحديثة لا وجود لها في الإسلام. والعبارة التي تملأ المجتمع الإسلامي هي عبارة “المؤمنين” بالإسلام. ذلك لأن الإسلام جاء عالمياً لا تحدّه حدود قومية أو جغرافية. وقد جاء في القرآن الكريم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)” وقد سبق أن توسّعنا في هذه النقطة مع شواهد هامة ضمن مقال سابق بعنوان (نحو الدولة الوطنية لمواجهة الطائفية) منشور على موقع الأوان بتاريخ 22 أيار (مايو) 2009.

بالانتقال إلى مستوى أخر من مستويات التعارض الجوهري بين النظم الإسلامية والنظام الديمقراطي نتوقف عند مبدأ (المساواة بين المواطنين) والذي يعد ركيزة أساسية لا تقوم قائمة للديمقراطية من دونها.

كما هو معروف هناك مستويان للمساواة: الأول بين جميع المواطنين على اختلاف منابتهم القومية واللغوية والدينية والمذهبية والجغرافية. والمستوى الثاني يتمثل في المساواة بين المرأة والرجل.

لا وجود للمساواة بمستوييها ضمن الإسلام، وحتى لا يتهمنا أحد بالتحامل والتجني سنوضح ما ذهبنا إليه بتبيان موقف الإسلام من غير المسلمين ثم من المرأة.

تجمع الفرق الإسلامية على أن وضع المسلم في دولة الإسلام يختلف جذرياً عن غيره من حيث الحقوق والواجبات. وبالعطف على ما أوردناه عن مفهوم “الأمة الإسلامية” وأنها تقتصر على المؤمنين بدين الإسلام دون غيرهم فإن هذا الغير يقسم إلى قسمين: المقيمون في دار الحرب أي خارج حدود دولة الإسلام وهؤلاء “كفار يجب محاربتهم إلى أن يدخلوا في الإسلام”. وهم ليسوا موضوعنا.

القسم الثاني: هم غير المسلمين من “أهل الكتاب” أي المسيحون واليهود، الذين يقيمون في دار الإسلام ويخضعون لنظامه ويطلق عليهم “أهل الذمة”. ولما كان المبدأ الأساسي “لا ولاية لغير مسلم على مسلم” فإنّ: “مناصب الإمامة (الحكم) والوزارة والقضاء لا تجوز لغير المسلمين وإن جازت بعض الوظائف الثانوية لهم. لقد ميّز الإسلام بوضوح بين حقوق المسلم وحقوق غير المسلم في شؤون إدارة الدولة. ويبرر هذا المنحى التمييزي ضرورة المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية وعلى منعة وقوة هذه الأمة”. (الموسوعة الإسلامية). نلاحظ هنا أن لا وجود لغير المؤمنين ـ ملحدين أو غيرهم ـ في دولة الإسلام، وهو ما يتنافى مع المبدأ الديمقراطي (حرية الاعتقاد).

أما في الجانب المتعلق بالمرأة فالمبدأ الأساس “الرجال قوامون على النساء” وعليه لا يجوز أن تتبوأ المراة منصباً فيه قوامة على رجل. يمتنع ان تتولى المرأة الحكم أو القضاء. تتساوى في ذلك مع أهل الذمة لكنها تتفوق عليهم في جواز إبداء رأيها في اختيار الحاكم لدى بعض الفرق الإسلامية، على اعتبار أن الآية “وأمرهم شورى بينهم” لم تخص الرجال دون النساء حسب بعض التفاسير. كما أن زوجة الرسول أم سلمة قد شاركت في صلح الحديبية.

من جانب آخر فأهلية المرأة في الإسلام ناقصة مهما بلغت على عكس الرجل. حيث لا تستطيع المرأة مباشرة عقد زواجها بنفسها، وهي لا ترث إلا نصف حصة الذكر، إضافة إلى اعتبارها نصف شاهد وفق المعادلة المعروفة: شهادة إمرأة + شهادة امرأة = شهادة رجل!!.

ليس ما أسلفنا إلا عينات بسيطة وهناك الكثير لم نتطرق له من المسائل التي لا مجال للتوفيق فيها بين الديمقراطية والإسلام إلا إذا كف الإسلام عن أن يكون إسلاماً.

إن حديثنا عن خطورة النشاط “التثقيفي” ليس مبالغاً فيه ولا هو آت من فراغ، وإن تعاطف شرائح واسعة من الناس مع ما يسمى “الإرهاب الإسلامي” و”الحركات الجهادية” ليس بالمصادفة ولا هو مجرد شماتة بالغرب “المتآمر على القضايا العربية”، بل حصيلة لتهيئة المناخ المناسب لهذا التعاطف والدعم من خلال إحداث تغييرات في القيم الثقافية والسياسية عند المواطنين وحتى لدى أعداد متزايدة من الطلاب. كما أن استشراء الحجاب والنقاب وارتياد المساجد و”تقصير الثوب وإطلاق اللحى” بصورة غير مسبوقة في مجتمعات كانت حتى الأمس القريب أقرب إلى العلمنة لا يخرج عن ذلك السياق.

إن إرهاصات التجربة الديمقراطية في بعض البلدان العربية أو لنقل اللحظة الليبرالية التي أعقبت الاستقلال لم تدم طويلاً لأسباب لسنا في صددها الآن، ولكن قصر أمد التجربة لا يلغي أهميتها وضرورة دراستها والتعريف بها وتعميم تلك المعرفة. لن ندعي أن القوى السياسية المطالبة بالديمقراطية في بلداننا هي قوى ديمقراطية بالكامل لكننا نؤكد أن قابليتها لتبني الديمقراطية وممارستها فعلياً ممكنة وواقعية. ببساطة: لأنها لا تتبنى مفاهيم “مقدسة” هي بالأساس متنافية مع كل ما يمثل الثقافة الديمقراطية. ونختم مع المفكر برهان غليون

إذ يرى في الديمقراطية “الصيغة الوحيدة التي تبدو اليوم في منظور القيم والمفاهيم السياسية السائدة قادرة على أن تؤسس لماهية الإنسان كإنسان سياسي، أي كمواطن حر ومسؤول وصاحب هوية سياسية تجمعه مع غيره من المواطنين”. ونضيف: لا كمؤمن متعصّب منقاد لغيبيات لن تبقي كرامة لإنسان ولا لوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...