الرئيسية / صفحات الثقافة / في الخلط المفهومي: “الشعر الحر” بالعربية

في الخلط المفهومي: “الشعر الحر” بالعربية

 

 

أتناول، في ثلاث تدوينات متتابعة، الالتباسات والتداخلات، بالعربية والفرنسية والإنكليزية، حول “الشعر الحر”:

لا يختلف دارسان في أن إطلاق تسميات على مذاهب الشعر العربي أو مدارسه ترقى إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر: “الشعر العصري” (بطرس البستاني، جرجي زيدان، سليمان البستاني)، و”الشعر الأبيض” (نجيب الحداد، لويس شيخو)، و”الشعر المنثور” (نقولا فياض، أمين الريحاني)، و”الشعر الحر الطليق” (أمين الريحاني)، و”الشعر الطليق” (نقولا فياض)، و”الشعر المرسل” (أحمد زكي أبو شادي)، و”الشعر أو النظم المرسل المنطلق” (علي أحمد باكثير)، و”الشعر الحديث الحر والمنطلق” (زكي نجيب محمود)، و”الشعر الجديد” (محمد مندور)، و”الشعر الطلق” (مجلة “الأديب”)، و”شعر التفعيلة” (عز الدين الأمين)، و”الشعر المستحدَث” (إبراهيم الأبياري)، و”الشعر المنطلق” (محمد النويهي)، و”الشعر الحديث” (“أبّولّو”، “الأديب”، يوسف الخال)، و”قصيدة النثر” (أدونيس وأنسي الحاج)، و”الشعر الحر” (نازك الملائكة، جبرا ابراهيم جبرا…).

أما مراجعة هذه التسميات فتُظهر أنها ناشئة عن خيارَين:

– اقتراح تسمية من قبل شاعر أو ناقد بخصوص نزعة أو مذهب في الشعر، أو بخصوص مجموعة شعراء؛ وهو ما يصحُّ في التسميات المقترحة التالية: “الشعر العصري”، و”الشعر الجديد”، و”شعر التفعيلة” وغيرها.

– إيجاد مرادف عربي للفظ اصطلاحي أجنبي، مثل: “الشعر الأبيض”، و”الشعر المنثور”، و”الشعر الحر” و”قصيدة النثر” وغيرها.

بين “الحر” و”الحر”

يَرِدُ في مجلة “أبُولّو” المصرية (1932) الإيضاح التالي: “إنما يرجع تقديرنا للشعر الحر (free verse) إلى سنوات مضت (…). وفي اعتقادنا أن الشعر العربي أحوجُ ما يكون الآن إلى الشعر الحر، وإلى الشعر المرسل (blank verse)، إذا أردنا أن ننهض به نهضة حقيقية”. يمكن للدارس المدقِّق أن يقع على تسميات مماثلة أو مختلفة لهذا الصنف الشعري، إن طلب التوسع والتدقيق التاريخيين في الترجمة، إلا أنه يلاحظ، في الوقت عينه، أن تسمية “الشعر الحر” فتحتْ سجالًا واسعًا منذ العقد الرابع من القرن الماضي. ومبعث هذا السجال ما دار، بداية، بين نازك الملائكة وجبرا ابراهيم جبرا ومجلة “شعر” نفسها.

نشأ الخلاف عندما كتبت خالدة سعيد (التي كانت توقع مقالاتها باسم: خزامى صبري)، في مجلة “شعر”، مقالة عن مجموعة محمد الماغوط، “حزن في ضوء القمر”، فاعتبرتْ ما كتبَه “من الشعر”: “لم تعتمد (المجموعة) الوزن والقافية التقليديين، وغالبية القراء في البلاد العربية لا تسمي ما جاء في هذه المجموعة شعرًا باللفظ الصريح، ولكنها تدور حول الاسم فتقول إنه “شعر منثور”، أو “نثر شعري”، أو “نثر فني”، وهي مع ذلك تُعجب به، وتُقبل على قراءته، ليس على أساس أنه نثر يُعالج موضوعات أو يروي قصة أو حديثًا، بل على أساس أنه مادة شعرية، لكنها ترفض أن تمنحه اسم الشعر. وهذا طبيعي من وجهة نظر تاريخية، بالنسبة للقراء العاديين. أما النقد فيجب أن يكون أكثر جرأة، أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية. وأنا أعتبر هذا “النثر الشعري” شعرًا”.

هذا ما دعا نازك الملائكة إلى الردِّ عليها وعلى غيرها (1959)، في معرض درسها لهذه النصوص في مجلة “الآداب”: “يفتح القارىء تلك الكتب متوهمًا أنه سيجد فيها قصائد مثل القصائد، فيها الوزن والإيقاع والقافية، غير أنه لا يجد من ذلك شيئًا، وإنما يطالعه في الكتاب نثر اعتيادي مما يُقرأ في كتب النثر، فلماذا كتبوا على الغلاف إنه شعر ؟”. ثم قامت مجلة “شعر” (يوسف الخال) بالردِّ عليها (1959): “قصيدة النثر شعرٌ، لا نثر جميل، وأنها مكتملة ككائن مستقلٍّ وحيٍّ لا يقبل غير تسميته”.

هذا الجدل يستعيده جبرا ابراهيم جبرا (1961): “الشعر الحر ترجمة حرفية لمصطلح غربي هو (free verse)، بالإنكليزية، ولـ(vers libre) بالفرنسية، وقد أطلقوه على شعر خالٍ من الوزن والقافية كليهما. إنه الشعر الذي كتبه والت ويتمان، وتلاه فيه شعراء كثيرون في أدب أمم كثيرة. فكُتاب الشعر الحر بين شعراء العرب اليوم هم أمثال محمد الماغوط وتوفيق صايغ وكاتب هذه الكلمات. إن الشعر الحر بالعربية يعتمد الصور الشعرية والموسيقى الداخلية التي تتخطى انتظام التفاعيل، ولا يحفل بالقافية إلا إذا وردت عفوًا”. ثم يستكمل قوله: “إن قصيدة النثر هي القصيدة التي يكون قوامها نثرًا متواصلًا في فقرات كأي نثر عادي”. ثم لا يلبث جبرا أن يحدد موقفه من “الشعر الحر”، في تقديمه الشعر الذي يكتبه بنفسه: “سميتُ هذا الشعر منذ البداية “شعرًا حرًا”، وفق مفهومي للشعر الحر، وهو مفهوم اختلفتُ فيه مع العديدين. وعُرف عني رفضي لنزوع الكثيرين من دارسي الشعر على تسمية هذه القصيدة بقصيدة نثر”. يحتاج كلام جبرا إلى مقادير من المراجعة والتدقيق، إذ قد يشتمل، مثل كلام الملائكة، على مقادير من الالتباس، وربما على خلط بين “الشعر الحر” و”قصيدة النثر”.

بين جبرا والملائكة

يمكن القول، بداية، إن جبرا يعرف تمامًا ما المقصود بـ”الشعر الحر” وغيره في الشعر بالإنكليزية، إذ يقوم بتعريف كل واحد منها تعريفًا مناسبًا، ما لا حاجة لإعادته أو التأكيد عليه: الشعر الحر ترجمة حرفية لمصطلح غربي هو (free verse)، بالإنكليزية، و(vers libre)، بالفرنسية، وقد أطلقوه على شعر خالٍ من الوزن والقافية كليهما. كما يقوم جبرا بتسمية الشعراء الذين اتبعوا هذا الشعر، ابتداء من الشاعر الأميركي والت ويتمان، في “أمم العالم”، كما في العالم العربي… إذا كان كلام جبرا صحيحًا (على ما تحققتُ) في تعريف “الشعر الحر”، ابتداءً من ويتمان، إلا أنه يبتعد عن الصحة إذ يقرنه بـ”الشعر الحر” في فرنسا؛ وهو ما يحتاج إلى مزيد من العرض والتدقيق.

ما وجب قوله، بداية، إن المرادف العربي، “الشعر الحر”، للحركة الشعرية الفرنسية المعنية لا يناسب لغويًا المعنى الفرنسي، بل الأصح تسميته بـ”البيت الحر”. وهو ما يحتاج إلى تدقيقات مزيدة، اصطلاحية وتاريخية. فقد عرفَ الشعر الفرنسي أكثر من حركة شعرية قامت على تعالقات بنائية بين الشعر والنثر، ما يتعين في ثلاث حركات متتابعة تاريخيًا، ومترابطة شعريًا في الوقت عينه:

– ما بدأ به الشاعر ألويْسيوس برتران (Aloysius Bertrand ) في كتابه الشهير “غسبار الليل”، الذي دُفع إلى النشر في العام 1833، لكنه لم يُطبع واقعًا إلا في العام 1842؛

– “قصيدة النثر” مع شارل بودلير وغيره بعده؛

– “البيت الحر”.

“يخلط” جبرا بين ما كتبَه والت ويتمان تحت مسمى “الشعر الحر”، وبين حركتَين شعريتين فرنسيتين مختلفتين، وإن تبتعدان بالقصيدة عن النظم. فالفوارق أكيدة وبينة، في الفرنسية، بين تجارب بودلير ورامبو وغيرهما في القصيدة بالنثر، وبين تجارب الشعراء في “البيت الحر”، التالية زمنيًّا على الحركة السابقة، مع الشعراء: كوستاف خان (Gustave Kahn)، وألبير موكيل (Albert Mockel) وب. فييليه-كريفين (P. Viélé-Griffin) وغيرهم. وهو ما توضحه سوزان برنار في هذه الكلمات: تصرفَ الشعر الفرنسي، منذ العام 1886، بثلاثة أشكال:

– “البيت النظامي”، وفق تجديدات مَلَرْمِه واستعمالاته له؛

– “قصيدة النثر”، التي تتراوح تراكيبها بين النثر الاعتيادي والبيت النظامي؛

– “البيت الحر”، وهو المتحرر من القافية، و”من القياس الثابت لصالح إيقاع شخصي للشاعر فقط”.

يعود جبرا إلى هذا المسمى الشعري المعروف، ويطلب منه تحديدًا التعريف بتجربته الخاصة : “سميتُ هذا الشعر منذ البداية “شعرًا حرًا”، وفق مفهومي للشعر الحر، وهو مفهوم اختلفتُ فيه مع العديدين”.

يكتب جبرا، في “رسالة من بغداد”، في “شعر” (1957) : “من الطريف أن يُسمى شعر نازك مثلًا “شعر حر”، بينما هو، في الواقع، مقيَّد بشتى القيود التشكيلية (الشكلية ؟)”. وبتضح أن لجبرا، في هذا السجال، أكثر من استهداف: إبانة تجربة الملائكة، وأنها ليست بـ”حرة”، بل “مقيَّدة”، في حسابه. هذا يعني أن المعنى المقصود بـ”الحر” لا يُعيِّن الصنف الشعري، بالفرنسية أو بالإنكليزية، بل الخروج على النظم. كما أراد من “الشعر الحر” الجمعَ بين النظمي والنثري في آن؛ وهو ما يناسب كتابته الشعرية، إذ جمعتْ بين الوزني والنثري في بناء واحد؛ كما احتفظ بالقافية أحيانًا، وهو ما لا يناسب تجربة ويتمان أبدًا.

يستعمل جبرا، إذًا، تسمية “الشعر الحر” في “تحميلٍ” جديد للمصطلح الشعري المعروف، مشددًا على الصفة، “الحر”، في تعارضٍ طلبَه مع الشعر العمودي والنظمي. وماذا عن الملائكة في خلافها معه؟

“إنه (أي جبرا) أخذ دون مبالاة اصطلاحـ(نا)، الذي هو عنوان حركة عروضية تستند إلى بحور الشعر العربي وتفعيلاتها، أخذَ اصطلاحنا هذا وألصقَه بنثر اعتيادي، له كل صفات النثر المتفق عليه”. يتضح، في مضمر السجال الذي تفتحه الملاكة، أنها لا تأخذ في الاعتبار ما قاله جبرا، وما نسبَه لنفسه، وهو إلصاق صفة “الحر” بتجربته، معتبرة أن هذه الصفة تعود إليها، وحدها، بعد وضعها قصيدة “الكوليرا”، وما كتبته نقديًا عن نهجها في الشعر. ثم تضيف : “إنما سمينا شعر(نا) الجديد بـ”الشعر الحر”، لأننا نقصد كل كلمة في هذا الاصطلاح. فهو “شعر”، لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويَجري على ثمانية من أوزانه؛ وهو “حر”، لأنه ينوِّع عددَ الحشو في الشطر خالصًا من قيود العدد الثابت في شطر الخليل”. ولقد وجدتُ أن كلام الملائكة حُمِّلَ أيضًا – بعد وقت – ما لا يقصده بالضرورة، وأكثر مما يحتمله، إذ ربطَ شعراء ونقاد بين حديثها عن “الشعر الحر” في التجربة العراقية وبين المصطلح الإنكليزي، ما أحدثَ بلبلة متمادية.

لا يختلف كلام الملائكة، في حديثها عن “الشعر الحر”، عن كلام جبرا في التسمية عينها. هي، بدورها، تريد أن تحصر بنفسها تحديد تعريف الشعر الذي تبدأ بكتابته. ما كتبتْه الملائكة، وما دعتْ إليه، يفترق افتراقًا حاسمًا عما كانت قد درستْه من دون شك، وعرفتْه بالطبع، وهو “الشعر الحر”، كما كتبه وولت ويتمان وتي. أس. إليوت (T. S. Elliot) وإزرا باوند (Ezra Pound)، إذ عنى عندهم كتابة قصيدة من دون وزن وقافية، ومن دون نموذج مسبَق ومتَّبَع.

(*) مدونة كتبها الباحث والشاعر شربل داغر في صفحته الفايسبوكية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أعطني حريتي أولاً/ رشا عمران

    وضعت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، في يوم 11 فبراير/ شباط من عام 1963، ...