الرئيسية / صفحات الرأي / في الردّ على مقال مشير باسيل عون: التفلسف الكيدي تجاه الربيع العربي/ عبدالله أمين الحلاق

في الردّ على مقال مشير باسيل عون: التفلسف الكيدي تجاه الربيع العربي/ عبدالله أمين الحلاق

 

 

قرأتُ في العدد الماضي من “الملحق” مقالاً لـمشير باسيل عون، عنوانه “الاستحالة الفلسفية للربيع العربي“. أعترف أن هذا العنوان قد حرّضني، مذ قرأته، على قراءة النص، لما قد يحتمله من إغراء البحث في المدلولات الفلسفية والإنسانية للربيع العربي، أو حتى في الوقوف على أرض فلسفية استحالية في الرد وفي “دحض احتمالات أن يكون هناك ثورات أساساً”. إلا أن المقال المتعِب لغوياً، والمتعلق باللسانيات واستعراض المفردات أكثر من علاقته بالفكر و”الفلسفة”، جاء على علاقة بشيء آخر تماماً، وهو الكتابة الكيدية ضد الثورات والشعوب التي كانت الحامل البشري والجسدي لهذه الثورات. هكذا، أمعن الكاتب في اختصار إنجازات قليلة وخيبات كثيرة على مدى أعوام أربعة من الثورات العربية في قالب لغوي، مستمد من موقف مسبق يحاول أن يعطيه الصبغة الفلسفية، بما يتيح له تلقيننا الفلسفة على أصولها، وخارج المألوف الذي يحاول أن يبدو رافضاً له، “كاتباً حداثياً، علمانياً”، باعثاً على التشاؤم باحتمال خروج العرب من انحطاطهم، وداعياً غيرَ مباشر إلى بقائهم فيه عن تشفٍّ وتلذذ بواقعهم ذاك. ناقماً على الثورات من دون أن يكون لديه أدنى سطر يمكن ألاّ يضعه في خانة الدفاع والتبرير الفعلي لمن يقتلون الثورات والثوار، أسديين أكان أولئك القتلة أم إسلاميين. هذا واضح منذ السطور الأولى للمقال، حتى لو قال الكاتب إنه يصف الواقع بدلاً من أن يتبنى ديمومته والإعجاب في إقامتنا بانحطاطه، ويدافع معه أيضاً، عن الأسباب السياسية لهذا الانحطاط على الأقل.

أما في خصوص تلقيننا الفلسفة وتعليمنا أصول التفكير في حياتنا من “منظوره الفلسفي الصائب”، فقد جاء به الكاتب في نهاية المقال بقوله:

“حين يقلّب المرءُ الأبحاث والدراسات والمقالات التي أُنشئت في تدبّر معاني الربيع العربيّ يستوقفه المسرى الوصفيّ للحوادث حيث يندر الفوزُ بمقاربة تستفسر الأصول القصوى للقابليّات البنيويّة التي تحملها الثقافة العربيّة. لذلك كان لا بدّ من هذا النظر الفلسفيّ الذي يروم أن يعاين مقدار نشوب الامتناع الربيعيّ العربيّ في بنية الثقافة العربيّة”.

الطائفية الضحلة والطائفية “الرصينة”!

في سجالنا مع الكاتب، سنحاول استخراج الأفكار التي قد تكون هي خلاصة فكرته، من خلال ما ورد في نصه، على صعوبة ذلك، والصعوبة لا تكمن على أيّ حال في أن المُساجِل هو “محضُ كاتب” بينما يقف المُساجَل على منصة فلسفية يصعب بلوغها لأمثالنا، وخصوصاً إن كنا من المنحازين للثورات، في أهدافها على الأقل. الصعوبة لا تأتي من رصانة النص بقدر ما تأتي من قلة الأفكار وشبه انعدامها فيه. ولنبدأ، بشكل عام، بالحديث عن الفكر البنيوي والثقافوية والتمذهب العلماني الذي ازدهر أكثر من ذي قبل، مع صعود خطاب المطالبة بإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة.

ثمة تيّار علمانوي يقول بتأصيل تخلّفنا في نَسبه هذا التخلف إلى الدين الإسلامي فقط، ولقد كان قوام هذا التيار كتّاباً وباحثين ومفكرين وشعراء معروفين بكتاباتهم ومؤلفاتهم الغنية بالحجج والوقائع. بغض النظر عن مدى دقة الحجج وصحة الوقائع المسقوفة بمنهج في التفكير والكتابة، فإن الزميل مشير باسيل عون لم يرقَ ليصل إلى مستوى الجهد البحثي الذي حفلت به كتابات رموز هذا التيار ونصوصهم، والذي يلزم مقال “كاتبنا” الكثير ليكون في عداد المقالات العنصرية والطائفية لهؤلاء، في نصه المنشور في “الملحق”، حتى وهو يقول بتخلفنا البنيوي “لأننا مسلمون”. هذا قول سبقه إليه كثر، إلا أن الجدال والسجال مع هؤلاء الكُثر يتخذ معنى بسبب وجود أفكار في كتاباتهم، وهذا ما تفتقر إليه الأطروحة الفلسفية لــلزميل مشير، مع تقديرنا لجهوده وحفرياته الأركيولوجية في تاريخ وحاضر واستشراف مستقبل لا نعرف إن كان هو أدرى به منا، نحن الذين عشنا الثورات وشاركنا فيها، كما شارك فيها أيضاً مثقفون وكتّاب، كلٌّ حسب مجاله، قُتل بعضهم على مذبح حلم لا ينقصه من يكيد له بواجهة فكرية رصينة. لقد قزّم مشير باسيل عون مشاركة هؤلاء وكتاباتهم وتنظيرهم وتحليلهم وإنسانيتهم وتضحياتهم بقوله، على سبيل المثال لا الحصر: “ومع أنّ معظم المنظِّرين لهذه الانتفاضات استماتوا في ادّعاء إعلاء مصالح الإنسان العربيّ في مناصرة مثل هذه الثورات، إلاّ أنّ تفاقم التخلّف في وعي الإنسان العربيّ الفرديّ والجماعيّ هو الدليل التاريخيّ القاطع على قصور هذه الانتفاضات واعتوارها البنيويّ”.

هذا، على الأقل، احتقار منه لكل تنظير ونص كانا على علاقة بالواقع ومعاناة الناس وطموحاتهم عن قرب، وهو اتهام للنصوص بالكذب في وصفه كتّابها بــ”المدّعين” عبر وصف كتاباتهم بــ”الادعاء”. إنه استهزاء بطموحاتهم في الخلاص من الأنظمة، وهم الذين كتبوا التصاقاً بالواقع، بعكس الكلام الهوائي الذي يظن نفسه آتياً من علٍ. استطراداً، ليس صحيحاً كلامه في أن تفاقم التخلف في وعي الإنسان العربي هو دليل على قصور الانتفاضات و”اعتوارها” (!) البنيوي، ذلك أن تفاقم التخلف في وعي الإنسان العربي مرتبط بأسباب ثقافية وتاريخية طبعاً، وبأسباب محض سياسية أكثرها بشاعةً تلك الأنظمة التي لعبت على الموروث التاريخي وتناقضاته الطائفية، بدل العمل على تجاوزها وحلّها تدريجياً من دون الحاجة إلى انفجار، عبر نظام سياسي تداولي على مستوى السلطة، منفتح وحديث على مستوى برامج التعليم ومناهجها، وغير ذلك. الأنظمة لم تفعل شيئاً سوى تكريس التخلف وجعله قابلاً للتناثر كمكوّنات ما قبل وطنية تنفجر ليس في وجه الأنظمة فقط، وإنما في وجه بعضها البعض للأسف. لا يعني هذا الكلام أن زوال أي نظام كفيل إنهاء ما كانت الثقافة العربية التي تنهل من الموروث الديني تغذيه على مدى قرون، كما لا يعني على أي حال تأبيداً للحال العربية والانحطاط، وهذا ما لم تقاربه مقالة مشير باسيل عون. إن جعل التخلف منسوباً إلى الدين فقط، هو، في مكان ما، تبرئة لبعض الدنيا مما فعلته بالمجتمعات، وتعني تبرئة للأنظمة التي لم تحظ بنقد “بنّاء” في مقابل الشتم المهذب وغير المعلن للمسلمين، لأنهم مسلمون، في المقال المُساجَل هنا. يطيب لي، طالما أن صفحات “الملحق” هي منبر سجالنا، أن أستشهد بما ورد على لسان ياسين الحاج صالح في حواري معه في هذا المنبر بتاريخ 16 آب 2014، بالقول:

“تحول الدين إلى حد للفقر السياسي في بلد يعاقب الناس فيه إذا قالوا آراءهم في الشؤون العامة ولو في جلسة خاصة، ويمنعون من التجمع ومناقشة القضايا العامة، ولو في مساكن خاصة. فهل هذا من الثقافة أم من السياسة؟ وهل “جدار الخوف” الذي يتكلم عليه السوريون، الجدار الذي يعزلهم عن بعضهم ويدفعهم للانكفاء على حيواتهم الخاصة، هل هو ثقافة أم سياسة؟ وهل “الشرطي الداخلي” الذي يتكلم عليه المثقفون سياسة أم ثقافة؟ وهل “انكسار العين” خوفاً والبعد عن كل شأن عام من ظواهر علم البصريات أم من ظواهر سياسة طبيب عيون ورث الحكم عن أبيه الطاغية؟ وهل الامتناع عن توقيع بيان يدعو للإفراج عن معتقل ما، ثقافة أم سياسة؟ وهل تجويع مخيم اليرموك أو المعضمية مثلاً، وقتل معتقلين جوعاً مثلاً، هو سياسة أم ثقافة؟ أم ربما اقتصاد؟ أليس “جدار الخوف” استثماراً سياسياً بالغ الأهمية للنظام؟ أليس هو السياج الذي تبنيه المخابرات حول الناس وبينهم، كي يبقوا منكسرين، تشلّهم ذكريات التعذيب والإذلال والقتل في مقارّها؟ أليس “الشرطي الداخلي” هو الرقابة الذاتية التي نمارسها على أنفسنا خوفاً من قوة مخيفة فعلاً، تعتقل وتعذب وتقتل؟ عن أي ثقافة نتكلم إذاً؟… أشك كثيرا أن ثقافتنا تشجع على الطائفية تشجيعاً خاصاً، لكن لا شك عندي أن قطاعاً من المثقفين يشجعون عليها كثيراً، هم أنفسهم من يفسرون الطائفية، والاستبداد والفقر وكل شيء، بـ”الثقافة” (العقل، والرأس وصندوق الرأس، ونسيج العقليات، والذهنيات…). هذا التفسير أسوأ من خرافة، أظنه هو ذاته أداة من أدوات الصراع السياسي والفكري ضد الشرائح الأكثر حرماناً والأدنى حصانة في مجتمعنا، ضد العالم الثالث الداخلي”.

نحن والغرب والشرعة الدولية

لستُ معنياً بالدين، أي دين، فالدفاع عنه كدين ليس مما أحب، وخصوصاً أنه يحبل بالكثير مما يحض على العنف من جهة وعلى التسامح من جهة ثانية، “وهذا يطرح سؤال الإصلاح الديني”. كما أن الدفاع ذاك لا يلتقي ومرجعيتي العلمانية التي تحضّني طبعاً على الدفاع عن حقّ المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم في الإيمان بالغيب وبالأديان، وحقّ غيرهم في عدم الإيمان بأي دين. غني عن القول، أن أدبيات مشير باسيل عون الانسدادية، التي تلغي كل تضحية كبيرة وانتفاضة وثورة شعب، ولا تمر حتى على مساهمات مثقفين ومحاولاتهم لفتح كوة في النفق الطويل قبل الثورات وبعدها، ليست الحل الناجع لحالنا العربية، كما أن الانسحاق الأعمى أمام النموذج الغربي، على ما حاول الترويج في مقاله، ليس حلاً، وإن تكن الديموقراطية ورسوخ مبادئ حقوق الإنسان التي اجترحها الغرب مبادئ كونية، بالطبع، تحضّنا على الإعجاب بالفكرة وبالمكان الذي رسخت فيه، وعلى اعتبار تلك المبادئ مرجعية نطمح لنكون عليها ذات يوم، على صعوبة ذلك، وليس استحالته. “هل من معادل واقعي للاستحالة سوى تطهير البلاد من الشعب، بالسلاح الكيميائي مثلا؟”.

يقول مشير باسيل عون: “ذلك أنّ الناس لا يجوز فيهم أن يختلفوا على المبادئ العظمى التي تنطوي عليها مثلُ هذه الشرعة الشريفة… وبما أنّ التاريخ العربيّ لم يُفرج عن وعي فكريّ عميق بضرورة الإتيان بثورة تُحلّ شرعةَ حقوق الإنسان محلَّ التصوّرات الدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة السائدة في مجتمعات العالم العربيّ، فإنّه من العُسر المطلق أن يركن العالم العربيّ إلى ربيع نهضويّ مناصر لشرعة حقوق الإنسان. فالطفرات النوعيّة الجسيمة نادرةُ الحدوث في مسرى الأمم التاريخيّ. فالشعوب تنضح بما تختزنه من رواسب سحيقة من الاقتناع الجماعيّ المهيمن”.

هذا منطق متهافت. إن الذي تحرك ويتحرك هي شعوب، بالملايين، في سوريا واليمن ومصر وتونس وغيرها، كما تحرك الشعب اللبناني في العام 2005 بانتفاضة عارمة على طريق الاستقلال والتحرر من كابوس فتك باللبنانيين والسوريين معاً، وكانت انتفاضة اللبنانيين تضم اليمين واليسار والنخب والبشر غير المتعلمين وغير المسيّسين، كما ضمّت إلى جانبهم أيضاً جيل الحرب الأهلية اللبنانية وأبناءها، ومن خرجوا بحثاً عن الاعتراف وعن أفق لحياتهم من دون النظام السوري. السوريون وغير السوريين، هم ذلك الخليط الذي خرج بعضه لأسباب سياسية، وخرج غيره لأسباب تتعلق بالبحث عن الاعتراف، وآخرون خرجوا لأسباب اقتصادية، وغير تلك من دوافع شكّلت مجتمعةً حالة الرفض لمنظومة لا أفق لأيّ تحرر وبناء دولة حديثة إلا بزوالها، على رغم ما نرى اليوم من فشل في الوصول إلى النتيجة التي نهضت الثورة السورية لأجلها. الفشل ليس انتقاصاً من الثورة وضرورتها، كما أنه ليس مأثرة للنظام السوري ولا للمقولات الثقافوية التي تفسر كل شيء بالدين أو العرق أو الطائفة. لا ننسى طبعاً، أن سوريين خرجوا مع الثورة لأسباب دينية وطائفية رديئة بالطبع. هذا القول ليس رفعاً للعتب، بقدر ما هو توصيف يضاف إلى حتمية تنوع الجموع التي لا يمكن أن تكون متجانسة على أي حال، ولا يمكن أن تخرج، للأسف، بخطاب منظّم وحداثي ينسب نفسه يومياً ونظرياً وفلسفياً إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. خطاب التحرر والحرية وإسقاط النظام هو، في مكان ما، إعلان عن الرغبة في البدء بالتراكم الطويل جداً للانضمام إلى قافلة البلدان التي طوت صفحة تلك النظم واستقرت تلك الشرعة فيها. أما عن صوغ الخطاب الشعبي في منظومة كلامية وإعلامية حقوقية وإنسانية وسياسية ناجعة، فهذا شأن السياسيين والمثقفين الأحرار والإنسانيين المنحازين إلى الثورات وليس إلى “الثويرات”، كما وصفها مشير باسيل عون، وهم المثقفون الذين لم نر متفلسفاً بينهم حتى الآن، لحسن الحظ…

على سبيل الخاتمة

يستطيع المرء أن يفكك الخطاب الذي جاء به مقال مشير باسيل عون في سطور أكثر، إلا أننا اكتفينا بالرد على بعض ما ورد فيها، لأن ما بقي في المقال مكرر جداً ويدور في فلك ما ورد الرد عليه في هذا النص. لكن، يطيب لنا أن نسأل الكاتب:

هل فشل تجربة يعني الاستحالة، وهل يعني أيضاً إلغاء حركة التاريخ في عالم يتحرك كل يوم، أم أن حركة التاريخ انتقائية أيضاً مثل مقالك يا عزيزي؟

نحمد القدر أن الزميل الكاتب لم يستشهد بكتابات أدونيس وغيره، واكتفى بصب القالب الإيديولوجي الاسمنتي الجاهز وإلقائه على رأسنا من ارتفاع شاهق. ليس لأن كتابات أدونيس ستضيف قيمة إلى المقال، ولكن لأنه بدا منذ بداية مقاله وحتى نهايته، تلميذاً غير نجيب للمدرسة الأدونيسية القائمة أيضاً على احتقار الشعوب والبشر، كما كان وفياً لمبادئ رائجة هذه الأيام، وخصوصاً في سوريا ولبنان، قائمة على التمييز، على رغم الإطار الفلسفي الذي حاول أن يغطّي به مقاله، وهذا الإطار هو حقه بالطبع، في انتظار أن يشرعَن هذا الحق في التفلسف والتمنطُق في منظومات سياسية ديموقراطية لا تبدو قريبة.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...