الرئيسية / كتاب الانتفاضة / راتب شعبو / في الساحل السوري/ راتب شعبو

في الساحل السوري/ راتب شعبو

 

 

صمد الساحل السوري لجريمتين طائفيتين كبيرتين استهدفتاه، في سياق الصراع الرهيب الذي يلتهم سورية. الأولى في أغسطس/ آب 2013، حين دخل سلفيون جهاديون إلى 13 قرية من ريف شمال اللاذقية، ومارسوا فظاعات ضد الأهالي الذين لا يزال عشراتٌ منهم (كلهم نساء وأطفال) في الأسر. والثانية في مايو/ أيار الماضي، حين استهدف مجرمون بالمتفجرات مناطق لتجمع المدنيين في طرطوس وجبلة (كراجات، أحياء سكنية، مستشفى، ..إلخ)، ما أدى إلى مقتل حوالي 400 ضحية.

لم تفجّر أيٌّ من الجريمتين صراعاً أهلياً واسعاً، على الرغم من توفر كثير من عناصره ثمّة. بقيت الردود الانتقامية ضمن حدودٍ أقل من التخوفات بكثير، ما يشي بأن النظام لا يريد اشتعال الساحل، وهذا مفهوم، طالما أن الساحل أحد مناطق استقرار النظام، وأحد المعطيات التي يستند إليها ليبرهن للخارج أنه يقوم بدور دولةٍ تحتضن الجميع، بكل تلاوينهم المذهبية والدينية والعرقية، في مقابل معارضةٍ طائفية، تعمل على تطهير مناطقها من أي وجودٍ غير مسلم سني.

للمخاوف من حدوث انتقاماتٍ طائفية في الساحل مبرّرات كثيرةٌ ومفهومة، وهي تعني أن ثمّة جريمة نائمة. والحق أن القادر الأكبر على إيقاظ هذه الجريمة أو الكارثة هو نظام الأسد، وهو يضع يده على سلاح ثقيل زوّده به خصومه بإصرار. إذ يعود السلام الأهلي النسبي في الساحل بعد 2011، في جزء كبير منه، إلى رغبة النظام في عدم تفجير هذه القنبلة التي راحت تكبر وتكتمل عناصرها، مع كل جريمةٍ طائفية ارتكبتها تشكيلات أو جهات تواجه النظام، لأنه “علوي”، ومع سيادة اللغة الطائفية في خطاب معارضين كثيرين، بالغوا في دور طائفية النظام الأسدي في ديمومته ومقاومته، فاتجهوا، متهوّرين، إلى إحداث طائفيةٍ مضادة.

هناك سويّة من الوعي الوطني لدى السوريين، تساهم في عدم تحوّل خطوط الانقسام الطائفي إلى خطوط جبهات ومناطق تماسّ متحركة. ولكن، ما لا شك فيه أيضاً أن الصبغة الطائفية التي راحت تغلب على الصراع السوري، ولا سيما منذ تصدّرته تشكيلاتٌ جهادية سنية، جاءت لمواجهتها تشكيلاتٌ جهاديةٌ شيعية، خفّضت من سويّة الوعي الوطني لدى السوريين، وزادت من قابلية اشتعال صراع أهلي طائفي منفلت في مناطق الاختلاط، وللساحل أهمية ومكان خاص في هذا السياق.

يزيد من خطورة هذا السيناريو البغيض الممكن غياب اللب السوري الوطني الذي أعدم نفسه بنفسه تدريجياً، حين ارتضى إفراغ مكانه، لكي يملأ أمكنةً مملوءة سلفاً بالإسلاميين أو الأسديين. ومن لم يغادر من الوطنيين السوريين هذا المكان تم إعدامه بنيران مشتركة من المنحازين إلى هذا الطرف الطائفي أو ذاك. وعليه، الغائب الأكبر عن ساحة الصراع اليوم هم الوطنيون الديمقراطيون السوريون. لا تعثر في سورية اليوم ولو على حفنةٍ ممن يحوزون على مقبولية سورية عامة. والسبب هذا الانحياز الحماسي والضيق الأفق والعنيد الذي أفقد “المنحازين” ملامح وجوههم ولغتهم، وترك الموقع الوطني السوري فارغاً، وحرم السوريين المستقطبين بحدة من نقطة استقطابٍ أخرى جامعة، حين يدركون عقم هذا الاستقطاب الطائفي الحالي.

حين نقول إن الساحل صمد لتلكما الجريمتين، ينبغي ألا ننسى أن مفاعيل هذه الجرائم، وغيرها مما يشبهها، تراكمت في النفوس وشكّلت ذخيرةً إجراميةً في مخزون نظام الأسد الذي قد يستخدمها في لحظات ضعفه الشديد، أو في لحظة دنو هزيمته. والخطاب السياسي البائس الذي ماهى بين الطائفة العلوية والنظام الأسدي جعل من حشر النظام في الزاوية وعزله سياسياً عملية تساوي حشر (وعزل) هذه الطائفة التي عوملت ككتلة مجرمة ومحجورة خارج آليات الصراع السياسي، بما هو عملية اصطفاف وإعادة اصطفاف سلمية مستمرة. على هذا، لا يبقى أمام العلويين، وفق هذه الترسيمة “المعارضة”، سوى إعلان التوبة، لأنه لم يتم التعامل مع موقفها من الصراع على أنه موقف سياسي، بل جريمة أو مشاركة في الجريمة، ولا ينتظر من المجرم تغيير موقفه، بل إعلان توبته.

النتيجة أن الساحل الذي استقبل ملايين الوافدين من مختلف مناطق سورية المنكوبة، من دون وقوع صدامات واسعة، مرشّح، في ظل التمادي الطائفي من التنظيمات الجهادية السنية التي تواجه النظام (كانت تسمية غزوة إبراهيم اليوسف إحدى ذُرا هذا التمادي)، أن يمزّق صورة “الوعي الوطني” الرقيقة، لكيلا أقول الزائفة، ليعطي صورةً بالغة الانحطاط، حين يشاء النظام.

يمكن أن يكون الساحل قنبلةً مكتملة، صمام أمانها في يد النظام الأسدي الذي يمكن أن يستغني عن سعية الدائم إلى جعل التنوع المذهبي والديني السلمي في مناطق سيطرته وسيلة استكمال شرعيته الدولية المنقوصة، وأن يتحوّل، في لحظة واحدة، تحت تأثير شعوره بدنو الأجل، إلى تفجير هذا التنوع، ورمي هذه الكارثة في وجه السوريين وفي وجه العالم.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...