الرئيسية / صفحات الثقافة / في اللحظة الاسوأ من تاريخنا الثقافي: غرباء يزخرفون يومنا الصامت بأصواتهم الملفقة

في اللحظة الاسوأ من تاريخنا الثقافي: غرباء يزخرفون يومنا الصامت بأصواتهم الملفقة


فاروق يوسف

كل ما يمكن أن يقوله المرء وهو يراقب ما أنتهت إليه الأحوال الثقافية العربية على مستوى مؤسساتي يعبر عن شعور عميق بالريبة والتحفظ. هناك ما يحدث في العلن لا يمكن تفسيره إلا بما يقع في الخفاء.

نوع من مؤامرة يُراد لها أن تمتزج بالواقع المجنون بحب الظهور. وهو واقع لا يبخل بالقرائن. قرائن صريحة لا يحتاج المرء إلا إلى صدر بريء مفتوح وعينين لا تغطيهما غشاوة الطمع من أجل أن يفهم معانيها الساطعة. مجتمعاتنا رخوة بما يسهل اختراقها، كريمة في هشاشتها بما ييسر تفتيتها من قبل الغرباء. ولكن الغرباء صاروا هم اصحاب القرار. نحن غرباء في الحقيقة. لم نعد أصحاب الدار. يقال ببساطة: ‘ما من شيء اسمه مؤامرة’. يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا/ نحن الضيوف وأنت رب المنزل. ولكن الثقافة لا تتحمل هذا النوع الساذج من الكرم. اليد المفتوحة بثقة غير اليد السائبة بتململ. هناك مصير نوعي يبدأ بالثياب لينتهي باللغة يتعرض للتحريف والمباغتة. كتبتُ غير مرة ان علينا أن نتعلم الحذر في علاقتنا بالمؤسسات الثقافية الدولية، لكن قبلها بأنفسنا. كنت أعرف أن المياه قد جرت بين الأقدام وأن حدوث الطوفان ليس سوى مسألة وقت. سأكون واضحا:

في كل النشاطات الفنية التي تشهدها مدن الخليج (وهي المدن الوحيدة التي في إمكانها اليوم أن ترعى نشاطا ثقافيا بسبب انعدام الاستقرار واتساع حجم الفوضى في المدن العربية المنكوبة) يحتل الغرباء عن الثقافة العربية موقعا مميزا، إذا لم يكن الموقع الذي يتخذ القرار الحاسم، وإليه ترجع كل الأمور في المسائل الفنية. الخليجيون أنفسهم مهمَشون بل وغائبون. ألا يشير هذا الوضع إلى خطأ في الحساب؟ ولنضرب مثلا:

بعد أيام تستضيف الدوحة من خلال المتحف العربي للفن الحديث الذي يصر القائمون عليه على تسميته (متحف) من غير (ال) التعريف وهي صيغة غير عربية، أعمال المؤتمر السادس لمنتدى الفن العالمي. بعدها ينتقل المشاركون في المؤتمر إلى دبي، حيث يستأنفون جلساتهم في المدينة التجارية جزءا من فعاليات آرت دبي. وهي سوق تجارية لبيع الاعمال الفنية، لا أقل ولا أكثر.

ولكن ما الذي يعنيه انعقاد ذلك المؤتمر الذي سينفق عليه (متحف!) أموالا طائلة بالنسبة للثقافة الفنية في العالم العربي؟ لننس العالم العربي. بالنسبة للثقافة في دول الخليج؟ لننس دول الخليج. بالنسبة لثقافة القطريين؟ لا شيء. الجماعة لديها اشكالات معينة تتعلق بما يهتم به أفرادها الغربيون (ليس من بينها الفن العربي طبعا) وسيناقشونها باللغة الانجليزية، وسيجمعون أوراقهم وهم يرددون: ما أبله هذه الضيافة التي لا تسألك عما فعلت. شمون بسار الذي يدير الملتقى (أتوقع أنه هندي بجنسية بريطانية) هو كذبة عائمة. رجل (أعمال) علاقات عامة من طراز متحذلق. كل ما في جعبته كتاب عن الفن في أحواله العامة. ليس ناقدا ولكنه شاطر في العثور على الجهات المانحة والمستضيفة. رشحته لمهمته الحالية مديرة آرت دبي التي هي الأخرى بريطانية أو استرالية كما يوحي اسمها.

الغرباء إذاُ يضعون معجزاتهم الوهمية على بساط من الكرم العربي ويذهبون.

هنا علي أن أشير إلى ظاهرة تمدد الخديعة التي صرنا نشهدها علنا. في البدء كانت دبي. الآن تنضم الدوحة. في الأمس القريب اعتمدت جمعية البحرين للفنون التشكيلية مجموعة من الاجانب اعضاء في لجنة التحكيم للمعرض البحريني السنوي، بعد أن كانت طوال السنوات الماضية تستدعي نقادا وفنانين عربا للتحكيم. تحول ينبغي النظر إليه بقلق.

(منتدى الفن العالمي) عنوان فخم وبراق. ولكن يمكنه أن يكون خزانة زجاجية فارغة في هارودز، المخزن البريطاني العتيد. لن يستمع احد إلى ما سيقوله المحاضرون في ذلك المؤتمر لكي يقرر قيمة خطاباتهم. فما من مدعو محايد. الله وحده يعلم هل الصفات الملصقة بأسماء أولئك المحاضرين حقيقية أم زائفة؟ ثم لمن يقام ذلك المنتدى؟ لـ(لا أحد). العرب غائبون. الخليجيون غائبون. القطريون غائبون. لا أحد سيخبرنا بمحتويات تلك الخزانة.

يمكننا أن نصفه بالمؤتمر السري.

في السياسة قد يجوز ذلك واقعيا (لا يجوز في الحقيقة) ولكن في الثقافة هو حدث مريض وفي غاية الخطورة. فالثقافة تضم في ما تضم ممتلكاتنا الروحية. تضم غرائزنا ودوافعنا في الوجود، تضم مصيرنا وقد اشتبك بما لا يمكن احصاؤه من التوقعات. نحن كلنا في الثقافة. وجودنا كله. الثقافة هي نحن. الدين واللغة والمنهج واللغة والكرامة والمستقبل والحرية والأحلام والهواجس والدروب والقيامة والفكر والأجداد والحواس والعائلة والشخصية المستقلة. الثقافة هي خزاتنا الروحية. ولذلك غير مسموح لنا بان نطلق ايدي الغرباء لتعبث بها. ينبغي لكرمنا أن يكون محصورا بما نملك، لا أن يتعداه إلى ما هو ملك للأحياء والأموات من بني جلدتنا.

هذا ما يحدث في العلن، ولكن هناك ما يحدث في الخفاء.

نجحت هشاشتنا في تدميرنا.

لنتذكر مأساة الشاعر توفيق صايغ. مات الرجل الفلسطيني في مصعد بنيويورك عام 1971. كان في مطلع ستينات القرن العشرين قد ترأس تحرير مجلة (حوار) في بيروت التي أتضح في ما بعد أنها تمول من قبل المخابرات الامريكية عبر واجهاتها الثقافية، ولم يكن الرجل على علم بذلك فأغلق مجلته عام 1967 وهاجر الى الولايات المتحدة ليموت هناك. كانت مجلته عظيمة من جهة ما تبنته من ابداع حر وحي وحيوي وخلاق، غير أن صدمة أن يكون الرجل مستغفَلا قتلته. الآن نعيش سيناريو شبيها، غير أنه أكثر اتقانا هذه المرة. شريحة خاصة من البشر هي التي صارت تحظى بمواقع القرار في المؤسسات الفنية الخليجية وهي التي تخطط. أفراد ليسوا باحثين عن عمل. لم يتقدموا بأنفسهم، بل رشحتهم جهات للقيام بذلك العمل. غربيون من أصل عربي. هم أحرار بالطريقة التي يفكرون بها. هم أبناء تلك الطريقة. ولكنهم من غير قضية سوى ما يتعلق بفكرتهم الوحيدة: أن يكونوا مخلصين لما تربوا عليه هناك. ليسوا عملاء ولا خونة. ولكن اساليب العمل التي تعلموها في الغرب هي أقرب الى الزيف منها الى الحقيقة. ولكن مهمتهم الحقيقية تكمن في استبعاد كل ما هو عربي عن نشاط المؤسسات التي يديرونها.

يتعلق الأمر هذه المرة بالدم. التربية التي ستنعكس سلوكا ثقافيا.

أعتقد ان اناسا من هذا النوع سينظرون إلى كل ما أقوله بنوع من الاستهجان والتقزز. بالنسبة لهم فان الانجليزية هي لغة العصر. اما العربية فهي لغة حياة عادية، لا لغة ثقافة. لغة ناس في الشارع لا في المنتديات الراقية. لغة تفاهم يومي لا لغة مصطلحات.

لن نتفاهم. نحن على طرفي نقيض. لذلك نحن في ورطة حقيقية.

(منتدى الفن العالمي) وجه من وجوه تلك الورطة. لن يكون هناك حوار. فما من عرب. العرب الذين يحضرون (معظمهم نسوة) هم من العجم. لا يتكلمون العربية ولا يستعملونها في حياتهم اليومية ولا في شؤونهم الثقافية. لكن متحف! وهو بوصلة طريق في المستقبل الفني العربي كما توقع الكثيرون له حين أفُتتح قبل حوالي سنة سيكون بمثابة الحاضنة لتلك الورطة. سيسجل له أنه أقام عرسا سورياليا، حلق قبل أن يترك أي اثر على الأرض التي أقيم عليها.

كان هناك توفيق صايغ واحد. الفرد الرقيق الذي دمرته الفضيحة. لكننا اليوم نقف إزاء حشود من المرتزقة الجدد. كل واحد منهم مزود بعشرات الوثائق، والاهم من ذلك كرم عربي فائض، هو التعبير الأمثل عن عقدة نقص صارت تمتهن خزائننا الروحية وتجعلها ملكا مشاعا.

نحن اليوم في اللحظة الأسوأ من تاريخنا الثقافي.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...