الرئيسية / صفحات مميزة / في المسألة السورية

في المسألة السورية


غياث نعيسة

في خطوة تصعيدية لضغوطها، أعلنت جامعة الدول العربية في اجتماعها الاستثنائي بتاريخ 12 شباط عن قرارها بدعوة مجلس الأمن الدولي الى تشكيل قوة عسكرية عربية و أممية للتدخل في سوريا من أجل “حفظ السلام” ، كما قررت قطع كل علاقاتها السياسية و الدبلوماسية مع النظام السوري داعية كل الدول الاخرى الى اتخاذ نفس الاجراءات.

و لأن هكذا أنباء لا تأتي، الا نادرا، يتيمة، فقد أعلن أيمن الظواهري الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة الارهابي و في اليوم عينه الجهاد ضد النظام الحاكم في دمشق واصفا اياه بالنظام ” العلماني الطائفي” حسب تعبيره الذي يعب من جعبة مقولات التيار التكفيري السلفي، داعيا الى بناء دولة اسلامية حقة في سوريا.

و في نفس الوقت اعلن رسميا عن موعد انعقاد اجتماع لمجموعة ” أصدقاء سوريا” في تونس في 24 شباط الجاري، و هذه المجموعة نشأت بمبادرة من الحكومتين الفرنسية و الامريكية ردا على الفيتو المزدوج الروسي و الصيني ضد مشروع قرار لمجلس الأمن في مطلع هذا الشهر يدين نظام الاسد.

لقد أصبح الوضع السوري، بتداخلاته الاقليمية و الدولية ، قضية جيو-استراتيجية ذي ابعاد اقليمية و دولية.

فقد قامت الدكتاتورية الحاكمة مؤخرا بشن حملة عسكرية واسعة النطاق و الأشد عنفا منذ بدء الثورة ، بدأتها منذ نهاية الشهر الماضي، مستخدمة اسلحتها الحربية الثقيلة كالدبابات و المدفعية و الطائرات… سحقت في بدايتها مواقع الاحتجاجات في بلدات ريف دمشق وصولا الى حصارها و قصفها لمدينة الزبداني التي ابدت مقاومة صلبة . ومن ثم توجهت حملة النظام العسكرية نحو مدينة حمص، رمز الثورة السورية، ليشن عليها حربا وحشية لم تتوقف منذ الثالث من شباط ، و حصيلة الحرب المجنونة للنظام الفاشي ضد هذه المدينة الصامدة باهظة جدا: مئات الشهداء و الاف الجرحى و تدهور مريع للوضع الانساني لسكانها بشكل لا يطاق، انها حرب ابادة.

و في حين استطاع جيش الطغمة الحاكمة دخول المناطق الاخرى ، رغم المقاومة البطولية للثوار فيها، لكنه بات يواجه مقاومة شرسة لم يتوقعها تمنعه من تحقيق اي نصر له في مدينة حمص و ما لهذا النصر من مدلول رمزي له ، و يقوم بهذه المقاومة البطولية مجموعات من العسكريين المنشقين(الجيش الحر) و مدنيين انضموا للأخير و حملوا السلاح دفاعا عن مدينتهم.

و الحال، فقد اصبحت هذه المقاومة المسلحة جزءا هاما من الثورة السورية، و بالأخص في ريف دمشق و ادلب و الزبداني و دير الزور و حمص… وتزايدت و نمت في الشهرين الاخيرين مع تصاعد حدة عنف و وحشية النظام في قتله و تنكيله و قمعه للمتظاهرين العزل، و ايضا مع تنامي اعداد العسكريين المنشقين. و بالرغم من ذلك فان الطابع العام السائد لوسائل النضال الجماهيري للثورة هي النضالات السلمية.

و انطلاقا من الوقائع التالية : الهجمة العسكرية الهمجية الواسعة التي يشنها النظام الحاكم ضد الجماهير الثورية، و الازدياد الهام للمقاومة المسلحة المكونة من العسكر المنشقين الذين انضم اليهم عدد من الثوار المدنيين، فان كان موقف الماركسيين الثوريين هو دعم الاخيرة ، فانهم يدعون في الوقت نفسه الى توحيد الكتائب العسكرية المنشقة في ظل قيادة عسكرية موحدة تكون هي نفسها ملتزمة بقيادة سياسية و بأهداف الثورة، اي انضوائها تحت الراية السياسية للتنسيقيات الثورية الميدانية . ويشددون ايضا على ان مهمة هذه المقاومة المسلحة هي، في هذه المرحلة الراهنة من السيرورة الثورية، يجب ان تنحصر في حماية السكان المدنيين و المظاهرات السلمية و الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات جيش النظام و قواته الامنية.

و من المفيد التنويه على حقيقة أن المناطق الملتهبة و التي تشهد المقاومة الاكثر صلابة على عنف و قمع النظام هي المناطق المأهولة بالجماهير المستغلة و المضطهدة و المهمشة. و التي رفعت فيها لافتات معبرة جدا مثل “يا فلسطين كلنا نتحرر لنحررك، كل ثوراتنا من أجل ثورتك”.

في المقابل، فان تصريح زعيم القاعدة التكفيري المذكور اعلاه انما يصب الماء في طاحونة النظام السوري ، و سيستخدمها الاخير، و ان كان لا تعوزه الحجج الفجة، كحجة اضافية لتبرير حربه الطاحنة و الدموية ضد الجماهير الشعبية المنتفضة . و لم تلق دعوة هذا السلفي ادنى اهتمام او صدى لدى الجماهير السورية ، لان الوعي المدني و الديمقراطي والطبيعة الاجتماعية للثورة يجعل من هكذا دعوات سلفية ضئيلة التأثير ، فاللافتات المرفوعة في المظاهرات و ممارسات الجماهير الثائرة عبرت عن تمسكها بهذا الوعي المدني العالي مثل ” لا سلفية و لا اخوان طائفتنا الحرية”، كما تم في كل مرة حصل فيها تصريح او عمل انتقامي ذو طابع طائفي او ديني كريه ان قامت معظم القوى السياسية و التنسيقيات و الجماهير الثورية بإدانته و عزله بكل حزم.

لقد اوقع النظام سوريا ،بوحشيته و ممارساته البربرية، فريسة للأطماع الجيوسياسية للدول الغربية وتركيا و حلفائها من دول الخليج الرجعية ، من جهة. و لروسيا و الصين و ايران ، من جهة اخرى. شراسة الاولون تنبع من مسعاهم لوضع يدهم على مستقبل و مصير الشعب السوري في اطار سعيهم للهيمنة على المنطقة ، و هذا ما يلقى تصديا لها من الاخيرين الذين يرفضون التخلي عن اخر حليف لهم في المنطقة.

يقوم موقفنا من صراع مصالح الدول الاقليمية و الدولية على سوريا، على مناهضة كل تدخل عسكري خارجي في بلادنا. فالجماهير الثورية التي انتفضت ضد نظام استبدادي و دموي من اجل استعادة حريتها و حقها في تقرير مصيرها و مستقبلها بنفسها بدون اي وصاية من احد ستتعامل مع اي تدخل عسكري خارجي بوصفه غزو و اعتداء عليها و ستتصدى له بكل الوسائل.

لن يطول الوقت كثيرا قبل ان يقوم الشعب السوري الثائر ،بطاقاته و قدراته الذاتية وحدها، بإسقاط النظام الدكتاتوري ، ما يحتاج اليه هو التضامن الاممي للشعوب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...