في المقهى


د. سعد الدين كليب

ما الذي يعنيه أن تغامر, وتذهب إلى المقهى تحت القصف ؟!!

أمن أجل فنجان القهوة, وأنت ما تكاد قهوتك تبرد حتى يمتلئ فنجانك من جديد ؟!. أم من أجل أن ترى أصدقاءك, وهل بقي أحد منهم, أو بقي لأحد منهم قدرة على الثرثرة حتى تغامر من أجلهم… لا .. لا تقل لي من أجل الاستطلاع ومعرفة ما يحدث هناك في منتصف البلد. وما هذه المغامرة, وأنت في منطقة هي عيّنة تامة عما يحدث هنا وهناك في أنحاء البلد كلها. هل قلتَ لي من أجل أن تتنشّق هواء مختلفاً, وكلّ هواء المدينة سواء. هواءٌ لا هواءَ فيه.

أمن أجل أن تستمع إلى موسيقا الحرب هناك في المناطق المنكوبة؟. وهل نفدت موسيقا الحرب في نواحيك المعطوبة يا صاحبي !

من أجل ماذا إذاً ذهبتَ إلى المقهى ؟

ألا يحقّ للمقهى أن نذهب إليها من أجلها هي !!

ولكنك لستَ من رواد المقاهي المدمنين.

ومن قال إن المدمنين هم الذين يذهبون إلى المقهى من أجل المقهى ؟. ذهبتُ لأشمّ روائح البشر هناك, أقصد روائحهم قبل الحرب, ثرثراتهم على الطاولات, أحلامهم المهجورة على الكراسي, ابتساماتهم والقهقهات وحتى شتائمهم المنسية عند باب المقهى…

لكنني لم أجد شيئاً من كلّ هذا, يبدو أن الحرب يا صاحبي تأكل كلّ شيء, حتى الشتائم..!!

وجدتُ الطاولات خاوية على عروشها, والكراسي مقلوبة على قفاها من الذعر…

ثمة بعض المجانين مثلي كانوا يتربصون بالفناجين, ويتأهّبون للبكاء أو يتجاذبون أطراف الشتائم الطازجة, شتائم لا عهدَ للمقهى بها.

آآه.. كأني نسيت أن أخبرك.

فقد كان على سطح المقهى متراس.. متراس ضخم, كأنه على مرصد جبل الشيخ !!. كان المتراس يطلق رصاصه في الهواء, كلما أحسّ بالضجر. لا أدري إذا كان يتسلى. ربما كان يفعل ذلك, أو ربما أصبح الرصاص وسيلة التخاطب بين المتاريس, أو ربما صار السلاح مثل الهاتف الجوال: رصاصة تعني كأس شاي, ورصاصتان لهما معنى آخر, ربما يعني: انحصرتُ أريدُ التبوّل, وثلاث رصاصات ربما تعني أين الطعام فقد جعت يا أولاد الح…

لم تقل لي: وهل شربت القهوة ؟

طبعاً. شربت القهوة, وثرثرت مع صديقي في الحرب والحبّ أيضاً, ولمَ لا..!!. بل ثرثرنا في الشؤون اليومية التافهة وكذلك في البحث العلمي.. ثرثرنا فيما يخطر وما لا يخطر في البال. بل حتى في مشوار المقهى القادم. فنحن ما زلنا نعيش, وبما أننا ما نزال نعيش, فما زلنا نتحدث عن الغد القريب جداً والبعيد جداً..

لكن لا أخفيك أن الثرثرات كانت تتغير وتيرتها وتتغير مواويلها كلما أطلق صاحبُنا المتراسُ رصاصةً أو رصاصتين أو أكثر. كان الرصاص يئزُّ من فوقنا, وكنا نهتزُّ من تحته, فيتغيّر الحديث تلقائياً وهكذا دواليك ودواليّ..

شربتُ فنجاني, على عادتي تماماً, ببطء شديد, ورويداً رويداً, وكأنني في اللامكان, أقصد في اللاحرب. بل إنني شربت من السجائر ما هو مخصص لفنجان القهوة وزيادة أيضاً.

ودعّتُ المقهى على أمل اللقاء مجدداً. ولكن لا يجب أن أنسى أنني في طريق العودة إلى الكهف, عفواُ إلى المنزل, ماشياً أنا وصديقي الذي لا يكفّ عن احتمال ثرثراتي, ولا أكفّ عن احتمال إيماءاته اليدوية. قلتُ لا يجب أن أنسى أن أحد العساكر المدجّج بالسلاح والخوف, أومأ إلينا بإصبعه أن اذهبوا إلى الشمال, المرور ممنوع من هنا.

قلتُ لنفسي أمازحه, لعله يسمح لنا, فنختصر مسافة الطريق, فسألتُه: هل تعني هذه الإشارة: إلى الأمام ؟.

فوجّه الكلاشينوف نحوي مباشرة, وقال: وهذه ماذا تعني ؟

قلتُ: تعني أنك غاضبٌ ولا تحتمل المزاح.

قال: وهل في السلاح مزاح..؟!!

غلبني العسكري بجوابه. لا مزاح مع السلاح.

بالضبط تماماً: لا مزاح مع السلاح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...