الرئيسية / صفحات الثقافة / في انتظار المازوت

في انتظار المازوت


علي جازو

«سنشعل مدفأة واحدة، مدفأة الصالون فقط، لن نستخدم غيرها. ما رأيكم؟ أضاف ظانّاً أنه عثر على حل سيفاجئ الجميع: المدفأة القديمة الصغيرة، تلك التي لا تصرف إلا القليل من المازوت، وهي، أيضاً، سرعان ما تسخن البيت». قال الفتى ذو الجسد الضئيل والوجه الناعم المدوَّر كبرتقالة صفراء صغيرة.

لم تحمل نبرة صوته علامة أي سؤال، إذ أنه أطلق الكلمات كمن يصرخ عن فرح غامر. ابتسمت ابنة عمّه التي تكبره بسنة ونصف، وأضافت مؤكدة على رأيه ومشجعة: نعم، هذا أفضل. سنجلس كلنا هنا، الحجرة واسعة، نأكل فيها، ندرس ونكتب، نتفرج على التلفزيون، وعندما يحين موعد النوم، يدخل كل واحد منا تحت لحافه بسرعة. ما إن تمد اللحاف الشتوي السميك على جسمك، حتى يسري الدفء من حولك، فلا تعود تشعر بالبرد أبداً. قلتُ في نفسي، وكادت دمعة متقلصة أن تضرب قلبي: شكراً للجدة الراحلة، لقد تركت عدداً كافياً من اللحف الصوفية السميكة، لولاها لكنا في حرج شديد. البيت كبير والغرف كثيرة، معتمة وباردة، فنحن نعيش في الطابق السفلي، وهو أقرب إلى قبو، وكان أهلي أعدوه مسبقاً ليكون مستودعاً، لكننا اضطررنا إلى السكن فيه، لأن البرد في الطابق الثاني لا يحتمل. أقبلت والدتي من جهة المطبخ، وكان مشيها أقرب إلى الزحف، إذ لم تعد قادرة على رفع قدميها كما كانت من قبل تمضي غير آبهة، تتنقل من الزريبة إلى كوخ الدجاج، ومن التنور إلى المنزل الريفي دون مشقة ودون تذمّر: شتاء هذه السنة حلّ باكراً، ليس هذا أوان البرد. ليلة أمس ظننت أن المياه ستتجمد. حسناً فعلنا بشراء تلك البقرة، على الأقل هناك بعض الحليب بين يوم وآخر. تعتقد أمي أنها تدير اقتصاد المنزل بطريقة ذكية، تقول إنها الأكثر حرصاً، أما الباقون فلامبالون ويغلب عليهم الطيشُ وقلة التدبّر.

أذكر البيت الطيني الآن، ونسمة من شوق غامض تحرك رموش عيني، تحمل نظرتي إلى داخل غرفة طويلة منخفضة، مع ملحق مربع للمونة والنوم، ينتهيان بغرفة أصغر تقوم مقام المطبخ والحمام معاً. لكن، يا للحسرة! لقد مضى دفء ذاك البيت، وحلت محله المخازن الاسمنتية وأدوات رش المياه والمبيدات الزراعية.

أبي واقف قرب الهاتف، يحمل نظارته عن طرف الحامل الخشبي الذي يسند الجهاز، وتحته رفٌّ صغير لا يصله الضوء، يحوي كراسة التليفونات، إنه يبحث عن رقم «الكازيّة»: مرحبا. دبِّرْ لنا ثلاثة براميل. نعم ستمائة لتر من فضلك. لا تنسَ، نحن ثلاث عائلات، مئتا لتر لكل بيت. ماذا، الليتر بعشرين ليرة! أنت تعلم كيف هي حالنا هذه السنة… شكراً، شكراً.

تعود أمي إلى المطبخ، تحمل صحناً من العدس، تقترب من النافذة المضاءة بشمس النهار، ثم تبدأ في تنقية حبات العدس من بقايا الشعير وحصيات حجر المطحنة. أخي الأصغر البدين يصرخ كالعادة: المؤتمر، المؤتمر هو الذي سيحمي البلدة. نحن في انتظار قراره تشكيل لجنة حماية من قبل المؤتمر الوطني الكردي. ترد أختي: اسكتْ، أنت مزعج، صوتك مزعج كالدبابة، يرد عليها، انقلعي من وجهي. يجب أن نمسك باللصوص. من أربعة أيام، فتح اللصوص ثلاثة حوانيت وصيدلية. يقال إن أحد الحوانيت فتح فترة الظهيرة، رغم أنه يقع على الشارع العام، قرب جامع صلاح الدين القريب من مفرزة الأمن السياسي. سرقوا حوالي أربعين ألف ليرة، إضافة إلى علب دخان كثيرة، أسعار علب التبغ في ارتفاع، ومن الصيدلية أخذوا أدوات تجميل ومراهم جلدية غالية. هذه علامة جرأة خطيرة، إذ يبدو أنهم لا يبالون بأحد، ولا يخشون عقاب أحد. يأتي صوت أمي من المطبخ مع رائحة الشوربة الدافئة: وماذا تفعل الشرطة، أين هو مدير الناحية؟! يرد أبي: يجب أن تخرج دوريات ليلية، يجب عقد اجتماع مع مدير الناحية. أقول في سريّ: يحتاج رجال الأمن إلى حماية، ومدير الناحية بلا حول ولاقوة. بالأمس رأيت واحداً منهم، كان جالساً في مكتب المختار المطل على رصيف شارع البلدية، رأسه المستطيلة دون طاقية، فمه يكاد يصل إلى وجه ورقة يتعجل كتابتها. أعرف السبب، سيدسّ المختار مئتي ليرة في جيبه. الشرطي فقير، المختار فقير، مدير الناحية أيضاً فقير.

يرن جرس الباب الخارجي، أطفال عمي الآخر عادوا من المدرسة، أسمع ضحكاتهم المتزاحمة. أكاد أسمع لهاث ألفَيْ طفل يمرون في شارع منزلنا كل صباح. يا إلهي، بلدتنا مليئة بالأطفال والبرد والضحك الصعب والفقر! بلدتنا خيالية جداً. تصرخ أمي، الطعام جاهز، يلا، يلا، لا تدعوا الشوربة تبرد. أختي تركض، أريد ليمونة. ابن عمي يبتسم، ينظر إلى ساعة الحائط ذات الإطار البني المذهَّب: المباراة بعد ساعة ونصف، لن آكل الآن. كل قليلاً، أقول له، لكنه لا يرد. يعكس وجهه اللهفة التي لا يعنيها سؤالي بشيء. هذا الفتى مزيج من السخرية والصمت والتعجب والحيوية. سيلعب، ابن عمي يحب «الفوتبول»، ويحب دراجته الحمراء التي أرى مقودها من خلف نافذة المطبخ الذي تركت أختي على طاولته نصف ليمونة يلمعُ البردُ على قشرتها اللامعة الصلبة كما يلمع صباحٌ رطبٌ على أطراف غيوم الشتاء.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...