الرئيسية / صفحات سورية / في تجريم الانتفاضة السورية مرّتين

في تجريم الانتفاضة السورية مرّتين

 


حسين جمو

من النظريات التي يروج لها النظام السوري في مواجهة الانتفاضة التي تطالب بإسقاطه أن هو مواجهتها لحركة مسلحة. وهذه النظرية التي كانت جنيناً هلامياً في درعا، أصبحت كما تصورها وسائل الاعلام الأمنية السورية كائناً مكتمل وجاهزاً في مدينة جسر الشغور ليولد من رحم الثورة السلمية.

إن المسار الذي بدأ النظام الترويج له يعتمد على منطق تبريري لاستخدام العنف بعد نفيه أكثر من شهرين لجوءه إلى منحى لا إنساني في مواجهة الحركة الاحتجاجية الواسعة. وجاء اختيار منطقة جسر الشغور لاعتبارات جغرافية تكمن في أنها «منطقة حدودية» يسهل على الوعي الشعبي استيعاب فكرة وجود السلاح الثقيل الذي يردد إعلام السلطة أن المحتجون يستخدمونه، واعتبارات تاريخية تستند إلى سابقة لجأت فيها هذه المنطقة إلى حمل السلاح عام 1980.

تكاد الانتفاضة السورية أن تقع في فخ اعتبار النموذج المصري معطى نهائياً للشكل الذي ينبغي ان تكون عليه شكل الخروج على نظام الأسد. إذ أن لهجة نفي استخدام السلاح من قبل ناطقين رسميين وغير رسميين باسم الانتفاضة تقترب من الحكم على كل فرد أثبت عكس ذلك بالخيانة العظمى. وهي رؤية تنطلق من الاقتداء المتطرف بنماذج لا يمكن أن تنجب الحالة السورية توأمها. وهذه ليست دعوة لحمل السلاح بقدر ما هي محاولة لتسليط الضوء على نواقص التنظير المعتمد على أسس غربية لحالة شرقية لا تتورع السلطة القائمة فيها من استخدام الدبابات والمروحيات لإيقاف حركة الاحتجاجات السلمية. أحد المحتجين قال بعد نقله إلى تركيا للعلاج من رصاص الأمن السوري :«يعتبروننا حيوانات..ليست لنا حقوق». هذه بالضبط هي صورة المواطن السوري في نظر زبائن القتل (أركان النظام).

إذاً، نحن أمام حالة تقوم فيها كل من خطاب السلطة والانتفاضة بتجريم الدفاع الفردي عن النفس والعائلة. وضعف التنظير من جانب الثائرين لحالات الدفاع المشروع عن النفس في ظل وجود هذه الحالات في مناطق مختلفة يمهد الطريق للنظام بشرعنة قصف مدينة يظهر فيها محتج واحد يحمل بندقية صيد لحماية منزله او الحي الذي يقطنه مع عائلته. وهذا الارتباك يظهر حتى في خطاب أعتى مثقفي الانتفاضة بعحزهم عن تبرير حالات الدفاع الفردي في ظل عدم إمكانية الجزم بعدم وجودها. وهذا يهدد خطاب الثورة من سلوك المنحى الذي يتبعه النظام إعلاميا في حال غيرت الاحتجاجات شكلها خلال قادم الأيام.

إن مقدار العنف المسلح الذي زجه النظام في «معركته» تكاد تجعل من الاستحالة على الشعب الصمود في ظل تباطؤ دولي مريب في التحرك باتجاه إيقاف مدرعات النظام من اقتحام بلدات صغيرة في مشاهد تعيد للأذهان معركة الفلوجة في العراق، مع حفظ الفارق.

إن الاصرار على فكرة «المظلومية» من أسس الثورات في المنطقة منذ كربلاء، إلا أن الغرق فيها لن يؤدي سوى إلى تكرار كوارث هذه المظلومية ذاتها في حركة بليدة تعيد إنتاج نفسها بمزيد من الدماء المراقة في هزيمة مرحب بها على نتائج التحركات الشعبية.

والتزام التظاهرات بالنهج السلمي في سوريا حتى اليوم أمر مثير للدهشة في ظل فائض القوة التي تستخدمها السلطة بشكل يعطي الانطباع أنه يتم قمع ثورة للعبيد على الأسياد على حد تعبير ياسين الحاج صالح.

تجاوزت حصيلة قتلى الاحتجاجات 1100، وهؤلاء لم يقتلوا صدفة بتفجيرات مفخخة في أسواق مزدحمة، بل وضعوا احتمال عدم عودتهم إلى منازلهم عندما قرروا المشاركة. ألم يتناقص عدد أبطال صانعي التاريخ الجديد لسوريا 1100 شخص ؟.

من مفارقات المفاهيم التي تنطبق على النظام السوري هو وجهان متناقضان للعنف الذي قامت بتعريفه حنا أرندت. فالشكل الأكثر تطرفاً للسلطة – حسب حنا – هو ذاك الذي يعبر عنه شعار «الجميع ضد الواحد»، أما الشكل الأكثر تطرفاً للعنف فهو الذي يعبر عنه شعار «الواحد ضد الجميع».

هي رسالة لمنظري الانتفاضة السورية ما إذا كانوا مستعدين للتعامل مع اللحظة التي ينفجر فيها الشعب في وجه عنف السلطة الهجومي بعنف دفاعي مع الالتزام بعدم التمدد إلى خارج مناطقهم. ولا بد من توخي الحذر في عدم اللجوء إلى شكليْ السلطة والعنف الأكثر تطرفاً.

حسين جمّو

ايلاف

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 12 = 20

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...