الرئيسية / صفحات سورية / في تكاثر ،، المؤتمرات ،، !

في تكاثر ،، المؤتمرات ،، !


د.نصر حسن

المتتبع لحراك بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج منذ بدء ثورة الحرية والكرامة في منتصف آذار 2011 إلى اليوم ،يدرك أنها مدفوعة بقوة حركية الثورة وأمور أخرى بشكل ما ،تحاول بفوضى ظاهرة أن تبلور صيغة ما لعملها تعرض نفسها أمام الداخل والخارج من جهة , ومن أخرى تدلل تلك الشهية المفتوحة على الآخر لعقد مؤتمر تلو الآخر على بعض الإخفاق أو الدوران في حلقة مفرغة , أو تتعمد بعض القوى التي تملك الوسيلة إلى الانتظار والمراوحة في صالات المؤتمرات هنا وهناك !, أو التدوير المقصود لشبه البرامج والأهداف في سبيل خلط الأمور وتدويخ الناس ، بمجمله يشي أن هناك قصورا ً ما أو خلافه يفرض ذلك التواتر المقصود .

بالمقارنة ،،رغم أنها غير موضوعية ،، أثبت أبطال الثورة في الداخل ديناميكية عالية ومستوى من الكفاءة والوعي باهرين في مواجهة آلة النظام الوحشية وآلته الاعلامية الهائلة ومخططاته الأمنية الشغالة على مدار الساعة وعلى ساحة الوطن كله ،يستخدم النظام كل تراكم خبرته القمعية لإجهاض الثورة أوحرفها عن طريقها الوطني المدني السلمي، رغم ذلك مني بالفشل الذريع , وأيضا ً رغم ممارسات العصابة وملحقاتها الأمنية والإعلامية الكبيرة ،يواجه شباب الثورة ألاعيب العصابة ووحشيتها بمستوى رفيع من القيادة الميدانية والسياسية لمراحل الثورة وأطوارها مع استيعاب معقول للوضع الداخلي والإقليمي والدولي , كل ذلك يتم بقيادة ميدانية كفوءة وبإمكانيات بسيطة رغم الخلل الكبير في المواجهة بين الرصاص والحناجر ،وفي وضع أمني رهيب وحالة إنسانية مقلقة إلى حد بعيد ، كل ذلك يتم بدون مؤتمرات وبدون عراضات وبدون مجالس أو ماشابه مما هو مطروح على الساحة الخارجية حتى كاد أن يغرقها( الخارجية ) في تكرارها ، وكأن عقد المؤتمرات ذاته بغض النظر عن المشروع هو الهدف والنتيجة معا ً.

بيد أن الشعب السوري الذي حصره النظام الشمولي في قفص الاستبداد المليء بالظلم والظلام والغوغائية لعقود ،وجد نفسه فجأة أمام نعيم الحرية ، فانحلت عقده دفعة واحدة وحطم جدران الخوف بسرعة ،وأحس بحريته وكرامته وقيمة رأيه كإنسان واكتشف قوته أيضا ً، فراح يبدع في وسائل التعبير عن رأيه سواء في المشاركة الميدانية في الثورة أو إعلامية مساندة لها أو إنسانية مضمدة جراحها ، هذا كله شيء صحي يعكس كنه الثورة وبعضا ً من أفقها الوطني التحرري الإنساني .

لكن السؤال يفرض نفسه ! لماذا نجح الداخل بالتصدي إلى أعتى آلة وحشية فاجرة؟،واستطاع أن ينظم صفوفه ويتفوق بالمواجهة على العصابة وبأرقى حالات التنظيم والإدامة المستمرة ،وأفرز قياداته الميدانية التي تقود الثورة بشكل خفي وليس عبر الشاشات في كل المدن السورية بتناغم زمني شعاراتي سياسي إنساني فريد من نوعه بدون مؤتمرات وبدون هذا الصخب الاستعراضي الهزيل الذي تعج به ساحة المعارضة الخارجية؟!.

أكثر من ذلك ، إن مستوى العنف والقتل والتمثيل بالأحياء وبالشهداء واستباحة المدن وانتهاك الكرامات والأعراض وهدم البيوت وإحراق ممتلكات الناس وقطع الكهرباء والماء والغذاء والدواء عن شعب بأكمله واعتقال المئات من الشباب وتهجير وتشريد الناس وتقطيع سورية جغرافياً واجتماعياً وإنسانيا ً وانتهاك المقدسات حتى في شهر رمضان المبارك، قد زاد من عزيمة شباب الثورة الذين يعملون تحت الأرض وفوقها ،وامتصوا تلك الوحشية وذلك العنف الهمجي بقدرة بطولية عجيبة وصمدوا وطوروا أدائهم العام،بل استطاعوا في ظل تلك الظروف الكارثية توحيد اللجان الميدانية على مستوى المدينة بالتنسيق والتكامل وتأسيس هيئات مشتركة لها ولاحقا على مستوى الوطن, فيما الساحة الخارجية التي تعيش في ظروف حرية كاملة في التعبير والحركة والتجمع وبحبوحة من الأمن والأمان، لم تستطع أن تبلور عملا ً موحدا ً ولا حتى نصفه لستة أشهر خلت ؟!.

لاشك أن هناك العديد من أطراف المعارضة في الخارج تعمل مخلصة وجاهدة وبصمت على طريق دعم الثورة وتقوم بما تستطيع على هذا الطريق ،ولاشك أيضا ً أن هذا هو واجبها وتعريفها ومبرر وجودها الوطني السياسي الأخلاقي , لكن تواتر المؤتمرات بتلك الضبابية وبدون التوصل إلى نتيجة واضحة زاد طينها بلة وعللها علة ، وأربك صورة المعارضة بعض الشيء وزادها اهتزازا ً ،وإذا استمر الحال على هذا المنوال منطقيا ًسوف تفقد المعارضة الخارجية الكثير من صدقيتها على مستوى الداخل والخارج معا ، فالداخل الذي يذبح يوميا ً على طريق حرية الشعب السوري كله , ينتظر من المعارضة الخارجية أن تحدد اتجاهها وتركض إليه بدل أن تمشي ببطء تائهة في زبد الدعوات والمبادرات الفردية المجهولة العنوان, وأيضا ً أن تتجاوز حالة البيانات والإنشاء إلى الدخول على خط المواجهة العملي وتحديد موقف وطني جريئ مسؤول ، وأن تتجاوز برامجها الجزئية وخندقاتها الحزبية وكهنوتها الايديولوجي، إلى الإيمان بالثورة ورسالتها وهدفها الوطني , ومقدمة ذلك هو القناعة بأن الحل الوحيد هو عمل جماعي مؤسسي سريع واضح شفاف على طريق وحدتها ،وتبني شعار الثورة وهدفها ووسيلتها ووضع نفسها بصراحة ووضوح في خدمتها وورائها ،وبلورة رؤى مشتركة تكون المشروع السياسي لتفكيك النظام وبنيته الأمنية والانتقال السلمي إلى الدولة المدنية الديمقراطية .

لكن ، تخطئ بعض الجهات التي تحرك بعض الخيوط الواهنة بقلة خبرة ولانقول غير ذلك احتراما ً لكل حسنيي النية ،أو تلك التي التحقت بالمعارضة قبل أيام من الثورة أو بعدها بشهور وخاصة ( الشلل ) التي طفت على السطح في الخارج ،واستطاعت بحكم إمكانيات مادية وإعلامية معروفة ،وتوفر أجواء حرية الرأي وحق المشاركة وسرعة الأحداث من أن تموه نفسها في أكثر من مؤتمر وتخلط طالحها بصالح الثورة ووتتقدم الصفوف في المؤتمرات والاعلام ، وتخطئ أكثر عندما تظن أنها سوف تستطيع أن تفرض على الثورة في الداخل مجالس وقيادات وأمناء وأجندة دخيلة لاتمثل طموحها ولاتنسجم مع مسارها الوطني السياسي الأخلاقي , وتتوهم إذا ظنت أنها بامتلاكها المال الحرام وتشكيل هياكل وتنسيقيات وهمية قادرة على أن تتلاعب بثورة أربكت نظام شمولي وحشي من الطراز الشاذ وحصرته في الحضيض الوطني والأخلاقي والإنساني ، وأثبتت الثورة بالفعل والتضحيات بعد ستة أشهر دامية من المواجهة أنها هي المنتصرة ،وأولى البشائرهي أنها أوصلت النظام الوحشي وحله الأمني إلى طريق مسدود ، وحصرته في حالة بؤس الوسيلة وانعدام الحيلة وسوء الخيارات .

أخيرا ً بمنتهى الإطمئنان نقول : أن الثورة التي فاجأت النظام والعالم بتوقيتها وقوتها وسلميتها وأخلاقيتها وقدرتها على التطور والابتكار ، والتي فتحت طريق الحرية والكرامة للشعب السوري وتمشي بثبات ونجاح نحوه بما هو خيارها الوحيد , سوف تفاجئ مرة ً أخرى كل من يحاول التشويش عليها أو السمسرة بدمائها ورمزيتها ، وسوف تنقل الجميع فجأة ً إلى مرحلة جديدة تفرز فيها الخيوط والأصابع والأجندة ووتتجاوز المرحلة السابقة برموزها وأسمائها الصحيحة والمستعارة ومجالسها وتفرض شعارات وأسماء وتشكيلات ميدانية بعيدة عن صخب الخارج ، وتبادر عبر برامج وصيغ خلاقة إلى المبادرة نحو تكامل العمل الوطني عبر محوريه الداخل والخارج ، وتحديد عمل كل محور على طريق الوحدة ، وتفرز بوضوح بين أهل الثورة وأهل النظام .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

82 − = 80

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...