الرئيسية / صفحات سورية / في ثبات الكوجيتو “المقاوم” سورياً هوشنك بروكا في أول خطابٍ رسميٍّ مفصل، موجه إلى الشعوب العربية الثائرة، قبل حوالي شهرين، طرح الرئيس الأميركي أوباما، وجهة نظر إدارته في راهن الشرق الأوسط المتحوّل، وقادمه المحتمل. الرئيس أوباما كان واضحاً في رؤيته ل”شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات”، إذ قال صراحةً أن الفرصة أمام الإستبداد في هذه المنطقة، باتت تضيق. ولا مناص من التغيير والتحوّل الديمقراطي، وانتقال السلطة إلى الشعب. لم يخفِ أوباما تفاؤله ب”شرق أوسط خالٍ من الديكتاتوريات”، تحكمه الشعوب، حين قال “أن زعيمين في المنطقة قد تنحيا وزعماء آخرون سيلحقون بهم”. انحياز الرئيس الأميركي للشرق الأوسط “الثائر”، بشعوبه ضد ديكتاتورياته، كان واضحاً، ليس لأن أميركا أرادت لهذا التحوّل أن يكون، وإنما لأن الشعوب اختارت أن تذهب إلى حريتها، نفسها بنفسها. ف”أميركا لم تأتِ بالناس في تونس والقاهرة إلى الشوارع وإنما هؤلاء هم الذين أطلقوا هذه الحركات”، على حدّ قول أوباما. هو، قالها صراحةً، أنّ مصلحة أميركا تقتضي اليوم أن تكون مع الشعوب، لا مع الديكتاتوريات ضدها. من هنا كانت دعوته صريحةً إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من سياساتها في المنطقة، منتقداً الإستراتيجية القائمة على ما سماها ب”المصالح الضيقة”، التي لا تأخذ “تطلعات الشعوب العادية” بعين الإعتبار. هذه السياسة التي سماها أوباما ب”الفاشلة” أثارت شكوكاً كثيرة من قبل، لأنها رسخّت اعتقاداً بأن أميركا تبحث دوماً عن مصالحها على حساب الشعوب. ولكيلا تؤدي هذه السياسة إلى المزيد من فقدان الثقة بين الطرفين، وإلى المزيد من الإنقسامات بين أميركا والعالم العربي، دعا أوباما في حينه إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من استراتيجيتها تجاه المنطقة، أيّ أن تبني مصالحها على أساس مصالح شعوب المنطقة، لا على أساس مصالح الديكتاتوريات. مصلحة أميركا في “شرق أوسط ما بعد الشوارع”، لا تكمن إذن، في استقرار الدول فقط، كما كان الأمر عليه من قبل، وإنما تكمن أيضاً في “حق تقرير المصير للأفراد”، على حدّ قوله. فما سماه أوباما آنذاك، ب”الإستقرار المزيّف”، كما كان عليه حال الشرق الأوسط قبل اندلاع الثورات، أي “الإستقرار الضروري تحت القمع والخوف الضروريين”، ما عاد يخدم “استقرار” المصالح الأميركية، في المنطقة، لأن “الوضع لا يمكن له أن يستمر، والمجتمعات لا يمكن لها أن تبقى تحت الخوف”، كما قال. فهذه هي “الفرصة التاريخية” لأميركا، أن تثبت أنها مع “كرامة الشعوب”، التي هي “فوق” قوة الديكتاتور، على حدّ توصيف الرئيس. طبعاً لا ننسى أنّ هذه الرؤية الأميريكة الجديدة، ليست “صكاً موقعاً على بياض”، لأجل سواد عيون الشعوب، كما هو معروف لدى كلّ من يفك الحرف في السياسة، فأميركا ليست “جمعية خيرية”، كما نعلم، وإنما لأنّ مصلحة أميركا الحقيقية في “شرق أوسط ما بعد الثورات”، باتت تتطلب استراتيجية جديدة، تأخذ مصالح الشعوب الحقيقية، التي هي في طريقها إلى تقرير مصيرها، بعين الإعتبار، بدلاً من مصالح الديكتاتوريات. الغرب الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا، كان ولا يزال أكثر وضوحاً في مواقفه من الشرق الأوسط المتغيّر. هو الآخر بدأ يبني مصالحه في المنطقة، بناءً على المتغيرات الجديدة فيها. لهذا كان هو، سبّاقاً في اعترافه بشعوب المنطقة الثائرة ضد الديكتاتوريات. بعد تونس ومصر، حفظ الغرب الدرس، وفهم بأنّ لا مستقبل لمصالحه مع ديكتاتورياتٍ تأكل وتبيد شعوبها، فكانت فرنسا أول من سحبت الثقة والشرعية من القذافي واعترفت بثورة الشعب الليبي ومجلسه الإنتقالي، الذي أصبح الآن أمراً واقعاً على كلّ العالم، وممثلاً حقيقياً لليبيا ما بعد القذافي. في الحالة السورية، نكاد نشهد أوروبياً الموقف ذاته من الأسد وآل الحكم في سوريا. الموقف الأوروبي تجاه سوريا كان ولا يزال أكثر وضوحاً وانسجاماً. فالخارجية الفرنسية أعلنت في بدايات الثورة السورية، وعلى لسان أكثر من مسؤولٍ فيها، وأكثر من مرة، بأنّ الأسد قد فقد شرعيته في الحكم، وهذا الموقف من النظام السوري، هو موقف أوروبي بقدر ما هو فرنسي. الزيارة الأخيرة التي قاما بها السفيران الأميركي روبرت فورد والفرنسي إريك شوفالييه إلى حماة، جاءت في هذا الإطار وذلك للتعبير عن دعم كلٍّ من أميركا وفرنسا لحقوق الشعب السوري المشتعل في الشوارع، منذ حوالي أربعة أشهر. بعض المسؤولين الأميركيين الكبار كشفوا في حينه، بأن سفير بلادهم يسعى من خلال زيارته المفاجئة تلك، إلى “معرفة من هم هؤلاء الناس والى أيّ نوع من العملية السياسية ومستقبل البلاد يتطلعون، ينبغي ان نجري اتصالا معهم وهذا ما سيقوم به هناك”. لكن “سوريا الأسد” ردتّ الصاع بصاعين، حيث هاجم أنصار الأسد وشبيحته السفارتين الأميركية والفرنسية، أكثر من مرة، ما أدى إلى ازدياد الشرخ الديبلوماسي بين سوريا وكلٍّ من أميركا وفرنسا. سيدة الديبلوماسية الأميركية أكدت الإثنين الماضي، وقالت بكلّ وضوح بأن “الرئيس الاسد ليس شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه، ولم نسعَ من اجل بقائه في السلطة”، محذرة إياه، من انه “يرتكب خطأ” حين يعتقد ان الولايات المتحدة تخشى الاطاحة به. لا بل ذهبت في موقفها إلى أقصاه، حين قالت لأول مرّة بأن “الأسد فقد شرعيته”. وفي لقاءٍ تلفزيوني له، أجرته محطة السي بي إس الثلاثاء، كرر الرئيس الأميركي بارك أوباما الموقف الأميركي ذاته، قائلاً بأن “الأسد أضاع الفرصة تلو الأخرى دون تقديم برنامج للإصلاح، وقد فقد شرعيته في نظر شعبه”. إذن، نحن في شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات أمام غرب آخر، واستراتيجية أخرى مختلفة، للعبور من خلالها إلى مصالحه. الغرب(أميركا+أوروبا) غيّر، على ما يبدو، من رؤيته للشرق الأوسط الجديد، ليس لأن الديكتاتوريات تغيّرت، وإنما لأن الشعوب هي التي تغيّرت، وغيّرت معها ديكتاتورياتها، وهي في طريقها إلى تغيير المنطقة بأسرها. ولكن مثلما للغرب في المنطقة مصالح، كذلك للشعوب الثائرة الآن في الشرق الأوسط مصالحها. الغرب يقول الآن وعلى لسان كبار مسؤوليه وواضعي استراتيجياته في المنطقة، أنّه يدعم شعوب هذه المنطقة المتحوّلة، في سعيها إلى تقرير مصيرها بنفسها، وأنه سيبني مصالحه، في القادم من الشرق الأوسط الجديد، بناءً على مصالح هذه الشعوب الثائرة لأجل حريتها، لا مع الديكتاتوريات، كما كان الأمر عليه من قبل. هذا الجديد أو المتغيّر الغربي، يتطلّب بالطبع، تغيراً موازياً على مستوى استراتيجية شعوب المنطقة، التي تريد من خلال ثوراتها المستمرّة أن تحكم نفسها بنفسها. لكن ما نراه من مواقف إيديولوجية ثابتة، صادرة هنا وهناك، من البعض المعارض الناطق بإسم هذه الشعوب، لا تبشّر بالخير. زيارة السفير الأميركي الأخيرة إلى حماة واحتكاكه المباشر مع جماهيرها الثائرة، التي قابلته بالورود وأغصان الزيتون، كشفت عن حقيقة كانت غائبة(أو مغيّبة) على مدى عقودٍ، ألا وهي أنّ الشعب السوري لا يكره أميركا وشعبها، كما أراد النظام السوري وسواه من أنظمة الممانعة لهذه الكراهية أن تكون. والأرجح أن إستقبال حماة الجماهيري الحار للسفير الأميريكي لم يكن متوقعاً حتى بالنسبة للسفير نفسه. وربما كان لذلك الأثر الأكبر في الدفع بالموقف الأميركي نحو المزيد من التصعيد ضد النظام السوري. البعض المعارض السوري، فكك رموز هذه الزيارة، بأن أميركا تريد من وراء ذلك “التشويش” على الثورة، وخلط أوراقها لإعطاء الأسد المزيد من الوقت للهروب بديكتاتوريته إلى المزيد من التاريخ. ولكن الموقف الأميركي السريع الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية بكلّ وضوح، والذي جاء مكملاً لوقوف سفير بلادها مع الشعب السوري في حماة، أثبت عكس ما توقعه البعض المعارض “الثابت” سورياً؛ هذا البعض المرواح في وحول آيديولوجياته، والذي لا يرى في أميركا وأفعالها إلا الشيطان ومشتقاته. فكلّ ما يصدر من أميركا، هو من منظور هؤلاء المعارضين الثابتين، “الأنتي أميركيين”، لا يمكن أن يكون إلا “شرٌّاً مطلقاً”، لا بدّ من مقاومته ومحاربته. هؤلاء النائمين في عسل إيديولوجياتهم ودوغمائياتهم “الأنتي إمبريالية”، المرواحة مكانها منذ أحزابٍ عقائديةٍ كثيرةٍ مضت، لا يكيلون السياسة بالسياسة، ولا يقايضون المصالح بالمصالح، وإنما يقابلون البراغماتيات بالدوغمائيات، والفعل برد الفعل، والموقف بعكوسه. هؤلاء المعارضين، مثلهم في هذا المنحى(الضد أميركي) مثل أهل الموالاة، لا تختلف مواقفهم عن موقف النظام السوري وحليفه الإيراني “الممانعين” و”المقاومين” و”المتصديين” للأمبريالية “الصهيو أميركية” و”شيطانيها الأكبر والأصغر”، بشيء. الكلّ هنا(النظام وضده في بعضه الأكثر)، هو “مقاومة مقدسة واحدة”، ضد “أميركا مدنسة واحدة”. المعارضات السورية، بغالبية تياراتها العلمانية والقومية والدينية، لا تزال تعيش في فلك “المقاومات والممانعات”، التي مشى عليها النظام السوري، وسواه من الأنظمة الشقيقة، طيلة عقودٍ طويلةٍ مضت من الديكتاتورية، لتدمير الداخل تحت حجة التصدي للخارج. والأغرب أنّ هؤلاء “الكارهين” للغرب وأميركا(ه)، هم أنفسهم من يطالبون أولئك “المكروهين” الغربيين، لإتخاذ مواقف حاسمة وواضحة، لحماية الشعب السوري من وحشية نظامه. ولكنهم لا يسألون أنفسهم، كيف لهم أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه، في موقف واحد؟ كيف لهم أن يطالبوا “المكروه”، لحمايتهم من نظام الكراهية؟ كيف لهم أن يطالبوا “الغرب الخارج” لنصرة السوريين في الداخل، من دون أن “يتدخل”؟ ثم هل هناك في منطق السياسة، اليوم، دخول في موقف، من دون تدخل؟ هل هناك، “مساعدات سياسية” أصلاً، من دون “تدخلات سياسية”؟ انطلاقاً من المتغيّر الخارجي، على مستوى الغرب(أميركا وأوروبا تحديداً) الذي انبنى أصلاً على متغيرات الداخل الشرق أوسطي، على أهل هذه المعارضات “المقاوِمات”، “الممانِعات” أن يعيدوا النظر في قناعاتهم الإيديولوجية، الثابنة، الراكدة، الراقدة، منذ عقودٍ طويلة خلت. على هؤلاء الميتين في إيديولوجياتهم القادمة من زمن الحرب الباردة، العدول عن تلك القناعات “الإيمانية”، الخارجة على كلّ السياسة، وما حولها من مصالح متحوّلة ممكنة؛ تلك القناعات التي لم يحصد منها الشعب السوري، سوى المزيد من اللاوطنية واللاحرية واللاوحدة واللاإشتراكية، والتي فيها من الدين أكثر من السياسة، ومن الولاء ل”دولة مستحيلة في السماء” أكثر من الولاء لدولة ممكنة على الأرض. على هؤلاء الكف عن ربط “الوطنية” في الداخل، ب”الكره الضروري” للغرب في الخارج، فأن تحبّ وطنك لا يعني أن تكره الآخرين، وأنت تكون وطنياً لا يعني بالضرورة أن تكون كارهاً أو مكروهاً، وأن تكون موجوداً، لا يعني بالضرورة أن تكره أميركا وغرب(ها)، كما هو حال وجود الكثير من أهل المعارضات السورية، الذي يستمد “شرعيته الوطنية” من “لاشرعية” أميركا، أو من “المعاداة الضرورية” لوجود أميركا وغرب(ها)، الموصوف في أدبياتهم العقائدية ب”الكافر” و”الوحش” و”اللإنسان” و”الشيطان”…إلخ. “أنا أكره أميركا وغرب(ها)، إذن أنا موجود”! هذا هو الكوجيتو الدوغمائي، الضروري، الذي يمشي هؤلاء على هداه، للعبور إلى وطنهم الضروري، أو “سوريا الضرورة”. على هؤلاء أن يتعلموا من أهل حماة الثائرين، الذين اختزلوا رسالة الشعب السوري إلى أميركا، في بعض وردٍ وبعض غصنٍ للزيتون. على هؤلاء الكف عن صناعة الكراهية، التي لا تؤدي سوى إلى المزيد من إنتاج الكراهية. فأن تكره الآخر، لا يعني أنك تحبّ نفسك. ايلاف

في ثبات الكوجيتو “المقاوم” سورياً هوشنك بروكا في أول خطابٍ رسميٍّ مفصل، موجه إلى الشعوب العربية الثائرة، قبل حوالي شهرين، طرح الرئيس الأميركي أوباما، وجهة نظر إدارته في راهن الشرق الأوسط المتحوّل، وقادمه المحتمل. الرئيس أوباما كان واضحاً في رؤيته ل”شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات”، إذ قال صراحةً أن الفرصة أمام الإستبداد في هذه المنطقة، باتت تضيق. ولا مناص من التغيير والتحوّل الديمقراطي، وانتقال السلطة إلى الشعب. لم يخفِ أوباما تفاؤله ب”شرق أوسط خالٍ من الديكتاتوريات”، تحكمه الشعوب، حين قال “أن زعيمين في المنطقة قد تنحيا وزعماء آخرون سيلحقون بهم”. انحياز الرئيس الأميركي للشرق الأوسط “الثائر”، بشعوبه ضد ديكتاتورياته، كان واضحاً، ليس لأن أميركا أرادت لهذا التحوّل أن يكون، وإنما لأن الشعوب اختارت أن تذهب إلى حريتها، نفسها بنفسها. ف”أميركا لم تأتِ بالناس في تونس والقاهرة إلى الشوارع وإنما هؤلاء هم الذين أطلقوا هذه الحركات”، على حدّ قول أوباما. هو، قالها صراحةً، أنّ مصلحة أميركا تقتضي اليوم أن تكون مع الشعوب، لا مع الديكتاتوريات ضدها. من هنا كانت دعوته صريحةً إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من سياساتها في المنطقة، منتقداً الإستراتيجية القائمة على ما سماها ب”المصالح الضيقة”، التي لا تأخذ “تطلعات الشعوب العادية” بعين الإعتبار. هذه السياسة التي سماها أوباما ب”الفاشلة” أثارت شكوكاً كثيرة من قبل، لأنها رسخّت اعتقاداً بأن أميركا تبحث دوماً عن مصالحها على حساب الشعوب. ولكيلا تؤدي هذه السياسة إلى المزيد من فقدان الثقة بين الطرفين، وإلى المزيد من الإنقسامات بين أميركا والعالم العربي، دعا أوباما في حينه إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من استراتيجيتها تجاه المنطقة، أيّ أن تبني مصالحها على أساس مصالح شعوب المنطقة، لا على أساس مصالح الديكتاتوريات. مصلحة أميركا في “شرق أوسط ما بعد الشوارع”، لا تكمن إذن، في استقرار الدول فقط، كما كان الأمر عليه من قبل، وإنما تكمن أيضاً في “حق تقرير المصير للأفراد”، على حدّ قوله. فما سماه أوباما آنذاك، ب”الإستقرار المزيّف”، كما كان عليه حال الشرق الأوسط قبل اندلاع الثورات، أي “الإستقرار الضروري تحت القمع والخوف الضروريين”، ما عاد يخدم “استقرار” المصالح الأميركية، في المنطقة، لأن “الوضع لا يمكن له أن يستمر، والمجتمعات لا يمكن لها أن تبقى تحت الخوف”، كما قال. فهذه هي “الفرصة التاريخية” لأميركا، أن تثبت أنها مع “كرامة الشعوب”، التي هي “فوق” قوة الديكتاتور، على حدّ توصيف الرئيس. طبعاً لا ننسى أنّ هذه الرؤية الأميريكة الجديدة، ليست “صكاً موقعاً على بياض”، لأجل سواد عيون الشعوب، كما هو معروف لدى كلّ من يفك الحرف في السياسة، فأميركا ليست “جمعية خيرية”، كما نعلم، وإنما لأنّ مصلحة أميركا الحقيقية في “شرق أوسط ما بعد الثورات”، باتت تتطلب استراتيجية جديدة، تأخذ مصالح الشعوب الحقيقية، التي هي في طريقها إلى تقرير مصيرها، بعين الإعتبار، بدلاً من مصالح الديكتاتوريات. الغرب الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا، كان ولا يزال أكثر وضوحاً في مواقفه من الشرق الأوسط المتغيّر. هو الآخر بدأ يبني مصالحه في المنطقة، بناءً على المتغيرات الجديدة فيها. لهذا كان هو، سبّاقاً في اعترافه بشعوب المنطقة الثائرة ضد الديكتاتوريات. بعد تونس ومصر، حفظ الغرب الدرس، وفهم بأنّ لا مستقبل لمصالحه مع ديكتاتورياتٍ تأكل وتبيد شعوبها، فكانت فرنسا أول من سحبت الثقة والشرعية من القذافي واعترفت بثورة الشعب الليبي ومجلسه الإنتقالي، الذي أصبح الآن أمراً واقعاً على كلّ العالم، وممثلاً حقيقياً لليبيا ما بعد القذافي. في الحالة السورية، نكاد نشهد أوروبياً الموقف ذاته من الأسد وآل الحكم في سوريا. الموقف الأوروبي تجاه سوريا كان ولا يزال أكثر وضوحاً وانسجاماً. فالخارجية الفرنسية أعلنت في بدايات الثورة السورية، وعلى لسان أكثر من مسؤولٍ فيها، وأكثر من مرة، بأنّ الأسد قد فقد شرعيته في الحكم، وهذا الموقف من النظام السوري، هو موقف أوروبي بقدر ما هو فرنسي. الزيارة الأخيرة التي قاما بها السفيران الأميركي روبرت فورد والفرنسي إريك شوفالييه إلى حماة، جاءت في هذا الإطار وذلك للتعبير عن دعم كلٍّ من أميركا وفرنسا لحقوق الشعب السوري المشتعل في الشوارع، منذ حوالي أربعة أشهر. بعض المسؤولين الأميركيين الكبار كشفوا في حينه، بأن سفير بلادهم يسعى من خلال زيارته المفاجئة تلك، إلى “معرفة من هم هؤلاء الناس والى أيّ نوع من العملية السياسية ومستقبل البلاد يتطلعون، ينبغي ان نجري اتصالا معهم وهذا ما سيقوم به هناك”. لكن “سوريا الأسد” ردتّ الصاع بصاعين، حيث هاجم أنصار الأسد وشبيحته السفارتين الأميركية والفرنسية، أكثر من مرة، ما أدى إلى ازدياد الشرخ الديبلوماسي بين سوريا وكلٍّ من أميركا وفرنسا. سيدة الديبلوماسية الأميركية أكدت الإثنين الماضي، وقالت بكلّ وضوح بأن “الرئيس الاسد ليس شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه، ولم نسعَ من اجل بقائه في السلطة”، محذرة إياه، من انه “يرتكب خطأ” حين يعتقد ان الولايات المتحدة تخشى الاطاحة به. لا بل ذهبت في موقفها إلى أقصاه، حين قالت لأول مرّة بأن “الأسد فقد شرعيته”. وفي لقاءٍ تلفزيوني له، أجرته محطة السي بي إس الثلاثاء، كرر الرئيس الأميركي بارك أوباما الموقف الأميركي ذاته، قائلاً بأن “الأسد أضاع الفرصة تلو الأخرى دون تقديم برنامج للإصلاح، وقد فقد شرعيته في نظر شعبه”. إذن، نحن في شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات أمام غرب آخر، واستراتيجية أخرى مختلفة، للعبور من خلالها إلى مصالحه. الغرب(أميركا+أوروبا) غيّر، على ما يبدو، من رؤيته للشرق الأوسط الجديد، ليس لأن الديكتاتوريات تغيّرت، وإنما لأن الشعوب هي التي تغيّرت، وغيّرت معها ديكتاتورياتها، وهي في طريقها إلى تغيير المنطقة بأسرها. ولكن مثلما للغرب في المنطقة مصالح، كذلك للشعوب الثائرة الآن في الشرق الأوسط مصالحها. الغرب يقول الآن وعلى لسان كبار مسؤوليه وواضعي استراتيجياته في المنطقة، أنّه يدعم شعوب هذه المنطقة المتحوّلة، في سعيها إلى تقرير مصيرها بنفسها، وأنه سيبني مصالحه، في القادم من الشرق الأوسط الجديد، بناءً على مصالح هذه الشعوب الثائرة لأجل حريتها، لا مع الديكتاتوريات، كما كان الأمر عليه من قبل. هذا الجديد أو المتغيّر الغربي، يتطلّب بالطبع، تغيراً موازياً على مستوى استراتيجية شعوب المنطقة، التي تريد من خلال ثوراتها المستمرّة أن تحكم نفسها بنفسها. لكن ما نراه من مواقف إيديولوجية ثابتة، صادرة هنا وهناك، من البعض المعارض الناطق بإسم هذه الشعوب، لا تبشّر بالخير. زيارة السفير الأميركي الأخيرة إلى حماة واحتكاكه المباشر مع جماهيرها الثائرة، التي قابلته بالورود وأغصان الزيتون، كشفت عن حقيقة كانت غائبة(أو مغيّبة) على مدى عقودٍ، ألا وهي أنّ الشعب السوري لا يكره أميركا وشعبها، كما أراد النظام السوري وسواه من أنظمة الممانعة لهذه الكراهية أن تكون. والأرجح أن إستقبال حماة الجماهيري الحار للسفير الأميريكي لم يكن متوقعاً حتى بالنسبة للسفير نفسه. وربما كان لذلك الأثر الأكبر في الدفع بالموقف الأميركي نحو المزيد من التصعيد ضد النظام السوري. البعض المعارض السوري، فكك رموز هذه الزيارة، بأن أميركا تريد من وراء ذلك “التشويش” على الثورة، وخلط أوراقها لإعطاء الأسد المزيد من الوقت للهروب بديكتاتوريته إلى المزيد من التاريخ. ولكن الموقف الأميركي السريع الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية بكلّ وضوح، والذي جاء مكملاً لوقوف سفير بلادها مع الشعب السوري في حماة، أثبت عكس ما توقعه البعض المعارض “الثابت” سورياً؛ هذا البعض المرواح في وحول آيديولوجياته، والذي لا يرى في أميركا وأفعالها إلا الشيطان ومشتقاته. فكلّ ما يصدر من أميركا، هو من منظور هؤلاء المعارضين الثابتين، “الأنتي أميركيين”، لا يمكن أن يكون إلا “شرٌّاً مطلقاً”، لا بدّ من مقاومته ومحاربته. هؤلاء النائمين في عسل إيديولوجياتهم ودوغمائياتهم “الأنتي إمبريالية”، المرواحة مكانها منذ أحزابٍ عقائديةٍ كثيرةٍ مضت، لا يكيلون السياسة بالسياسة، ولا يقايضون المصالح بالمصالح، وإنما يقابلون البراغماتيات بالدوغمائيات، والفعل برد الفعل، والموقف بعكوسه. هؤلاء المعارضين، مثلهم في هذا المنحى(الضد أميركي) مثل أهل الموالاة، لا تختلف مواقفهم عن موقف النظام السوري وحليفه الإيراني “الممانعين” و”المقاومين” و”المتصديين” للأمبريالية “الصهيو أميركية” و”شيطانيها الأكبر والأصغر”، بشيء. الكلّ هنا(النظام وضده في بعضه الأكثر)، هو “مقاومة مقدسة واحدة”، ضد “أميركا مدنسة واحدة”. المعارضات السورية، بغالبية تياراتها العلمانية والقومية والدينية، لا تزال تعيش في فلك “المقاومات والممانعات”، التي مشى عليها النظام السوري، وسواه من الأنظمة الشقيقة، طيلة عقودٍ طويلةٍ مضت من الديكتاتورية، لتدمير الداخل تحت حجة التصدي للخارج. والأغرب أنّ هؤلاء “الكارهين” للغرب وأميركا(ه)، هم أنفسهم من يطالبون أولئك “المكروهين” الغربيين، لإتخاذ مواقف حاسمة وواضحة، لحماية الشعب السوري من وحشية نظامه. ولكنهم لا يسألون أنفسهم، كيف لهم أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه، في موقف واحد؟ كيف لهم أن يطالبوا “المكروه”، لحمايتهم من نظام الكراهية؟ كيف لهم أن يطالبوا “الغرب الخارج” لنصرة السوريين في الداخل، من دون أن “يتدخل”؟ ثم هل هناك في منطق السياسة، اليوم، دخول في موقف، من دون تدخل؟ هل هناك، “مساعدات سياسية” أصلاً، من دون “تدخلات سياسية”؟ انطلاقاً من المتغيّر الخارجي، على مستوى الغرب(أميركا وأوروبا تحديداً) الذي انبنى أصلاً على متغيرات الداخل الشرق أوسطي، على أهل هذه المعارضات “المقاوِمات”، “الممانِعات” أن يعيدوا النظر في قناعاتهم الإيديولوجية، الثابنة، الراكدة، الراقدة، منذ عقودٍ طويلة خلت. على هؤلاء الميتين في إيديولوجياتهم القادمة من زمن الحرب الباردة، العدول عن تلك القناعات “الإيمانية”، الخارجة على كلّ السياسة، وما حولها من مصالح متحوّلة ممكنة؛ تلك القناعات التي لم يحصد منها الشعب السوري، سوى المزيد من اللاوطنية واللاحرية واللاوحدة واللاإشتراكية، والتي فيها من الدين أكثر من السياسة، ومن الولاء ل”دولة مستحيلة في السماء” أكثر من الولاء لدولة ممكنة على الأرض. على هؤلاء الكف عن ربط “الوطنية” في الداخل، ب”الكره الضروري” للغرب في الخارج، فأن تحبّ وطنك لا يعني أن تكره الآخرين، وأنت تكون وطنياً لا يعني بالضرورة أن تكون كارهاً أو مكروهاً، وأن تكون موجوداً، لا يعني بالضرورة أن تكره أميركا وغرب(ها)، كما هو حال وجود الكثير من أهل المعارضات السورية، الذي يستمد “شرعيته الوطنية” من “لاشرعية” أميركا، أو من “المعاداة الضرورية” لوجود أميركا وغرب(ها)، الموصوف في أدبياتهم العقائدية ب”الكافر” و”الوحش” و”اللإنسان” و”الشيطان”…إلخ. “أنا أكره أميركا وغرب(ها)، إذن أنا موجود”! هذا هو الكوجيتو الدوغمائي، الضروري، الذي يمشي هؤلاء على هداه، للعبور إلى وطنهم الضروري، أو “سوريا الضرورة”. على هؤلاء أن يتعلموا من أهل حماة الثائرين، الذين اختزلوا رسالة الشعب السوري إلى أميركا، في بعض وردٍ وبعض غصنٍ للزيتون. على هؤلاء الكف عن صناعة الكراهية، التي لا تؤدي سوى إلى المزيد من إنتاج الكراهية. فأن تكره الآخر، لا يعني أنك تحبّ نفسك. ايلاف

ء

هوشنك بروكا

في أول خطابٍ رسميٍّ مفصل، موجه إلى الشعوب العربية الثائرة، قبل حوالي شهرين، طرح الرئيس الأميركي أوباما، وجهة نظر إدارته في راهن الشرق الأوسط المتحوّل، وقادمه المحتمل.

الرئيس أوباما كان واضحاً في رؤيته ل”شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات”، إذ قال صراحةً أن الفرصة أمام الإستبداد في هذه المنطقة، باتت تضيق. ولا مناص من التغيير والتحوّل الديمقراطي، وانتقال السلطة إلى الشعب.

لم يخفِ أوباما تفاؤله ب”شرق أوسط خالٍ من الديكتاتوريات”، تحكمه الشعوب، حين قال “أن زعيمين في المنطقة قد تنحيا وزعماء آخرون سيلحقون بهم”.

انحياز الرئيس الأميركي للشرق الأوسط “الثائر”، بشعوبه ضد ديكتاتورياته، كان واضحاً، ليس لأن أميركا أرادت لهذا التحوّل أن يكون، وإنما لأن الشعوب اختارت أن تذهب إلى حريتها، نفسها بنفسها. ف”أميركا لم تأتِ بالناس في تونس والقاهرة إلى الشوارع وإنما هؤلاء هم الذين أطلقوا هذه الحركات”، على حدّ قول أوباما.

هو، قالها صراحةً، أنّ مصلحة أميركا تقتضي اليوم أن تكون مع الشعوب، لا مع الديكتاتوريات ضدها. من هنا كانت دعوته صريحةً إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من سياساتها في المنطقة، منتقداً الإستراتيجية القائمة على ما سماها ب”المصالح الضيقة”، التي لا تأخذ “تطلعات الشعوب العادية” بعين الإعتبار. هذه السياسة التي سماها أوباما ب”الفاشلة” أثارت شكوكاً كثيرة من قبل، لأنها رسخّت اعتقاداً بأن أميركا تبحث دوماً عن مصالحها على حساب الشعوب. ولكيلا تؤدي هذه السياسة إلى المزيد من فقدان الثقة بين الطرفين، وإلى المزيد من الإنقسامات بين أميركا والعالم العربي، دعا أوباما في حينه إلى ضرورة أن تغيّر أميركا من استراتيجيتها تجاه المنطقة، أيّ أن تبني مصالحها على أساس مصالح شعوب المنطقة، لا على أساس مصالح الديكتاتوريات.

مصلحة أميركا في “شرق أوسط ما بعد الشوارع”، لا تكمن إذن، في استقرار الدول فقط، كما كان الأمر عليه من قبل، وإنما تكمن أيضاً في “حق تقرير المصير للأفراد”، على حدّ قوله.

فما سماه أوباما آنذاك، ب”الإستقرار المزيّف”، كما كان عليه حال الشرق الأوسط قبل اندلاع الثورات، أي “الإستقرار الضروري تحت القمع والخوف الضروريين”، ما عاد يخدم “استقرار” المصالح الأميركية، في المنطقة، لأن “الوضع لا يمكن له أن يستمر، والمجتمعات لا يمكن لها أن تبقى تحت الخوف”، كما قال.

فهذه هي “الفرصة التاريخية” لأميركا، أن تثبت أنها مع “كرامة الشعوب”، التي هي “فوق” قوة الديكتاتور، على حدّ توصيف الرئيس.

طبعاً لا ننسى أنّ هذه الرؤية الأميريكة الجديدة، ليست “صكاً موقعاً على بياض”، لأجل سواد عيون الشعوب، كما هو معروف لدى كلّ من يفك الحرف في السياسة، فأميركا ليست “جمعية خيرية”، كما نعلم، وإنما لأنّ مصلحة أميركا الحقيقية في “شرق أوسط ما بعد الثورات”، باتت تتطلب استراتيجية جديدة، تأخذ مصالح الشعوب الحقيقية، التي هي في طريقها إلى تقرير مصيرها، بعين الإعتبار، بدلاً من مصالح الديكتاتوريات.

الغرب الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا، كان ولا يزال أكثر وضوحاً في مواقفه من الشرق الأوسط المتغيّر. هو الآخر بدأ يبني مصالحه في المنطقة، بناءً على المتغيرات الجديدة فيها. لهذا كان هو، سبّاقاً في اعترافه بشعوب المنطقة الثائرة ضد الديكتاتوريات. بعد تونس ومصر، حفظ الغرب الدرس، وفهم بأنّ لا مستقبل لمصالحه مع ديكتاتورياتٍ تأكل وتبيد شعوبها، فكانت فرنسا أول من سحبت الثقة والشرعية من القذافي واعترفت بثورة الشعب الليبي ومجلسه الإنتقالي، الذي أصبح الآن أمراً واقعاً على كلّ العالم، وممثلاً حقيقياً لليبيا ما بعد القذافي.

في الحالة السورية، نكاد نشهد أوروبياً الموقف ذاته من الأسد وآل الحكم في سوريا. الموقف الأوروبي تجاه سوريا كان ولا يزال أكثر وضوحاً وانسجاماً. فالخارجية الفرنسية أعلنت في بدايات الثورة السورية، وعلى لسان أكثر من مسؤولٍ فيها، وأكثر من مرة، بأنّ الأسد قد فقد شرعيته في الحكم، وهذا الموقف من النظام السوري، هو موقف أوروبي بقدر ما هو فرنسي.

الزيارة الأخيرة التي قاما بها السفيران الأميركي روبرت فورد والفرنسي إريك شوفالييه إلى حماة، جاءت في هذا الإطار وذلك للتعبير عن دعم كلٍّ من أميركا وفرنسا لحقوق الشعب السوري المشتعل في الشوارع، منذ حوالي أربعة أشهر. بعض المسؤولين الأميركيين الكبار كشفوا في حينه، بأن سفير بلادهم يسعى من خلال زيارته المفاجئة تلك، إلى “معرفة من هم هؤلاء الناس والى أيّ نوع من العملية السياسية ومستقبل البلاد يتطلعون، ينبغي ان نجري اتصالا معهم وهذا ما سيقوم به هناك”. لكن “سوريا الأسد” ردتّ الصاع بصاعين، حيث هاجم أنصار الأسد وشبيحته السفارتين الأميركية والفرنسية، أكثر من مرة، ما أدى إلى ازدياد الشرخ الديبلوماسي بين سوريا وكلٍّ من أميركا وفرنسا.

سيدة الديبلوماسية الأميركية أكدت الإثنين الماضي، وقالت بكلّ وضوح بأن “الرئيس الاسد ليس شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه، ولم نسعَ من اجل بقائه في السلطة”، محذرة إياه، من انه “يرتكب خطأ” حين يعتقد ان الولايات المتحدة تخشى الاطاحة به. لا بل ذهبت في موقفها إلى أقصاه، حين قالت لأول مرّة بأن “الأسد فقد شرعيته”.

وفي لقاءٍ تلفزيوني له، أجرته محطة السي بي إس الثلاثاء، كرر الرئيس الأميركي بارك أوباما الموقف الأميركي ذاته، قائلاً بأن “الأسد أضاع الفرصة تلو الأخرى دون تقديم برنامج للإصلاح، وقد فقد شرعيته في نظر شعبه”.

إذن، نحن في شرق أوسط ما بعد الديكتاتوريات أمام غرب آخر، واستراتيجية أخرى مختلفة، للعبور من خلالها إلى مصالحه. الغرب(أميركا+أوروبا) غيّر، على ما يبدو، من رؤيته للشرق الأوسط الجديد، ليس لأن الديكتاتوريات تغيّرت، وإنما لأن الشعوب هي التي تغيّرت، وغيّرت معها ديكتاتورياتها، وهي في طريقها إلى تغيير المنطقة بأسرها.

ولكن مثلما للغرب في المنطقة مصالح، كذلك للشعوب الثائرة الآن في الشرق الأوسط مصالحها.

الغرب يقول الآن وعلى لسان كبار مسؤوليه وواضعي استراتيجياته في المنطقة، أنّه يدعم شعوب هذه المنطقة المتحوّلة، في سعيها إلى تقرير مصيرها بنفسها، وأنه سيبني مصالحه، في القادم من الشرق الأوسط الجديد، بناءً على مصالح هذه الشعوب الثائرة لأجل حريتها، لا مع الديكتاتوريات، كما كان الأمر عليه من قبل. هذا الجديد أو المتغيّر الغربي، يتطلّب بالطبع، تغيراً موازياً على مستوى استراتيجية شعوب المنطقة، التي تريد من خلال ثوراتها المستمرّة أن تحكم نفسها بنفسها.

لكن ما نراه من مواقف إيديولوجية ثابتة، صادرة هنا وهناك، من البعض المعارض الناطق بإسم هذه الشعوب، لا تبشّر بالخير.

زيارة السفير الأميركي الأخيرة إلى حماة واحتكاكه المباشر مع جماهيرها الثائرة، التي قابلته بالورود وأغصان الزيتون، كشفت عن حقيقة كانت غائبة(أو مغيّبة) على مدى عقودٍ، ألا وهي أنّ الشعب السوري لا يكره أميركا وشعبها، كما أراد النظام السوري وسواه من أنظمة الممانعة لهذه الكراهية أن تكون.

والأرجح أن إستقبال حماة الجماهيري الحار للسفير الأميريكي لم يكن متوقعاً حتى بالنسبة للسفير نفسه. وربما كان لذلك الأثر الأكبر في الدفع بالموقف الأميركي نحو المزيد من التصعيد ضد النظام السوري.

البعض المعارض السوري، فكك رموز هذه الزيارة، بأن أميركا تريد من وراء ذلك “التشويش” على الثورة، وخلط أوراقها لإعطاء الأسد المزيد من الوقت للهروب بديكتاتوريته إلى المزيد من التاريخ. ولكن الموقف الأميركي السريع الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية بكلّ وضوح، والذي جاء مكملاً لوقوف سفير بلادها مع الشعب السوري في حماة، أثبت عكس ما توقعه البعض المعارض “الثابت” سورياً؛ هذا البعض المرواح في وحول آيديولوجياته، والذي لا يرى في أميركا وأفعالها إلا الشيطان ومشتقاته.

فكلّ ما يصدر من أميركا، هو من منظور هؤلاء المعارضين الثابتين، “الأنتي أميركيين”، لا يمكن أن يكون إلا “شرٌّاً مطلقاً”، لا بدّ من مقاومته ومحاربته.

هؤلاء النائمين في عسل إيديولوجياتهم ودوغمائياتهم “الأنتي إمبريالية”، المرواحة مكانها منذ أحزابٍ عقائديةٍ كثيرةٍ مضت، لا يكيلون السياسة بالسياسة، ولا يقايضون المصالح بالمصالح، وإنما يقابلون البراغماتيات بالدوغمائيات، والفعل برد الفعل، والموقف بعكوسه.

هؤلاء المعارضين، مثلهم في هذا المنحى(الضد أميركي) مثل أهل الموالاة، لا تختلف مواقفهم عن موقف النظام السوري وحليفه الإيراني “الممانعين” و”المقاومين” و”المتصديين” للأمبريالية “الصهيو أميركية” و”شيطانيها الأكبر والأصغر”، بشيء. الكلّ هنا(النظام وضده في بعضه الأكثر)، هو “مقاومة مقدسة واحدة”، ضد “أميركا مدنسة واحدة”.

المعارضات السورية، بغالبية تياراتها العلمانية والقومية والدينية، لا تزال تعيش في فلك “المقاومات والممانعات”، التي مشى عليها النظام السوري، وسواه من الأنظمة الشقيقة، طيلة عقودٍ طويلةٍ مضت من الديكتاتورية، لتدمير الداخل تحت حجة التصدي للخارج.

والأغرب أنّ هؤلاء “الكارهين” للغرب وأميركا(ه)، هم أنفسهم من يطالبون أولئك “المكروهين” الغربيين، لإتخاذ مواقف حاسمة وواضحة، لحماية الشعب السوري من وحشية نظامه. ولكنهم لا يسألون أنفسهم، كيف لهم أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه، في موقف واحد؟

كيف لهم أن يطالبوا “المكروه”، لحمايتهم من نظام الكراهية؟

كيف لهم أن يطالبوا “الغرب الخارج” لنصرة السوريين في الداخل، من دون أن “يتدخل”؟

ثم هل هناك في منطق السياسة، اليوم، دخول في موقف، من دون تدخل؟

هل هناك، “مساعدات سياسية” أصلاً، من دون “تدخلات سياسية”؟

انطلاقاً من المتغيّر الخارجي، على مستوى الغرب(أميركا وأوروبا تحديداً) الذي انبنى أصلاً على متغيرات الداخل الشرق أوسطي، على أهل هذه المعارضات “المقاوِمات”، “الممانِعات” أن يعيدوا النظر في قناعاتهم الإيديولوجية، الثابنة، الراكدة، الراقدة، منذ عقودٍ طويلة خلت.

على هؤلاء الميتين في إيديولوجياتهم القادمة من زمن الحرب الباردة، العدول عن تلك القناعات “الإيمانية”، الخارجة على كلّ السياسة، وما حولها من مصالح متحوّلة ممكنة؛ تلك القناعات التي لم يحصد منها الشعب السوري، سوى المزيد من اللاوطنية واللاحرية واللاوحدة واللاإشتراكية، والتي فيها من الدين أكثر من السياسة، ومن الولاء ل”دولة مستحيلة في السماء” أكثر من الولاء لدولة ممكنة على الأرض.

على هؤلاء الكف عن ربط “الوطنية” في الداخل، ب”الكره الضروري” للغرب في الخارج، فأن تحبّ وطنك لا يعني أن تكره الآخرين، وأنت تكون وطنياً لا يعني بالضرورة أن تكون كارهاً أو مكروهاً، وأن تكون موجوداً، لا يعني بالضرورة أن تكره أميركا وغرب(ها)، كما هو حال وجود الكثير من أهل المعارضات السورية، الذي يستمد “شرعيته الوطنية” من “لاشرعية” أميركا، أو من “المعاداة الضرورية” لوجود أميركا وغرب(ها)، الموصوف في أدبياتهم العقائدية ب”الكافر” و”الوحش” و”اللإنسان” و”الشيطان”…إلخ.

“أنا أكره أميركا وغرب(ها)، إذن أنا موجود”!

هذا هو الكوجيتو الدوغمائي، الضروري، الذي يمشي هؤلاء على هداه، للعبور إلى وطنهم الضروري، أو “سوريا الضرورة”.

على هؤلاء أن يتعلموا من أهل حماة الثائرين، الذين اختزلوا رسالة الشعب السوري إلى أميركا، في بعض وردٍ وبعض غصنٍ للزيتون.

على هؤلاء الكف عن صناعة الكراهية، التي لا تؤدي سوى إلى المزيد من إنتاج الكراهية.

فأن تكره الآخر، لا يعني أنك تحبّ نفسك.

ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

21 − 19 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...