الرئيسية / صفحات الرأي / في دلالات “الهجوم” على المثقفين…/ يحيى بن الوليد

في دلالات “الهجوم” على المثقفين…/ يحيى بن الوليد

 

 

“دفاعًا عن المثقفين”، أو “دفاعٌ عن المثقفين” حتى نستحضر الصيغة اللفظية لترجمة الناقد والمفكر الراحل جورج طرابيشي للكتاب الشهير لجان بول سارتر، محور من محاور “الثابت والمتحوّل” في التعاطي لموضوع المثقفين، سواء من ناحية أدوارهم على مستوى التشابك مع واقعهم من مواقع التحليل والتشخيص والتفكيك والتدخّل والنقاش والنقد… أو من ناحية ما يعتور المواقع ذاتها من أعطاب وعيوب وانكسارات وآفات واستقالات وأمراض… إلخ.

ومناسبة هذا التقديم كتابنا الصغير (والأخير) بعنوانه العريض “في أنماط المثقفين العرب وأدوارهم وتشظياتهم” وبعنوانه الفرعي المضيء (وربما المزعج) “مقالات ساخطة” (الصادر عن دار “الأهلية” الأردنية قبل أسابيع). وثمة أكثر من مستوى في مناقشة الكتّاب لكتبهم، بل ثمة من يتصوّر أن الكاتب أو الناقد أو المفكر ما إنْ ينشر أو ينشر له من مقال أو كتاب ما إنْ يصير هذا المنشور عاما أو ملكا لسواه. وهي فكرة في غاية من الأهمية بالنظر لما قد يضفيه “النقد” على الكتب من ظهور وانبثاق وولادة جديدة، وعلى نحو قد يجعل أصحاب الكتب أنفسهم بإزاء أفكار ودلالات لم تكن تخطر على بالهم في أثناء التأليف، وفي المنظور الذي يفضي بالكتب إلى أن تدخل في حوار مع السياقات التي تظهر فيها. غير أن ذلك كلّه لا يحول، في اعتقادنا، دون “حديث” أصحاب الكتب عن كتبهم إذا ما دعت إلى ذلك “ضرورة اللحظة الفكرية”… شريطة تجاوز لوثة التسويق الذاتي أو سوء طويّة ترويج الكتّاب لـ”بضاعتهم” في حالات السباق نحو الشهرة أو بالأحرى “خواء الشهرة” كما وصفها الكاتب العالمي خوسي ساراماغو.

ولقد حظي كتابنا بثلاثة حوارات متفاوتة: أوّلها في الموقع الأكثر انتشارا وتداولا بالمغرب وهو موقع “هسبريس” (السبت: 16/12/2017)، والثاني في إذاعة مونت كارلو الدولية (MCD) (الأحد: 07/01/2018)، والثالث في جانب من حوار مطوّل بجريدة “القدس” العربي (اللندنية) (الخميس: 18/01/2018). والغاية من سرد الحوارات هي إشارتها المتفاوتة لمدى الانغلاق في تصوّر أحادي بموجبه يتمّ تلخيص المثقفين العرب في لغة التشظي والتجريف والمحو… ومن ثمّ تفويت فرصة التعاطي لهؤلاء في سياق آخر قرين نوع من الإقرار بأدوارهم في مجتمعاتهم، رغم الاختلاف على مستوى تقدير هذه الأدوار.

ولا بد ــ ابتداءً ــ من التشديد على إمكان التعاطي لملف المثقفين من منظورات متعدّدة ومن وجهات نظر مختلفة تبدأ من تَعْداد هؤلاء وفرز مشاريعهم وإسهاماتهم وجرد أنماطهم في أفق تحليل أنساقهم ونقد خطاباتهم وتشخيص أدوارهم وتقويم أدائهم. وهو ما يجعلنا، من منظور إجمالي، بصدد محاور في سياق مقاربات تبلغ حدّ التنوّع والتغاير والتضاد.

و”تشظي المثقفين” (في حال العالم العربي؛ تعيينا) محور ضمن هذه المحاور الكثيرة والمتناسلة. وقد أملته ــ علينا ــ وجهة نظر محدّدة ومنتظمة ضمن مقاربة منهجية ثقافية مرنة. ولا أخفي أن الكتاب كان سيكون تحت عنوان مغاير هو “تمزّقات المثقفين العرب”، غير أن سياقات مراجعة المخطوط ومناقشته (وغاية شكري، هنا، للشاعر والكاتب عمر شبانة ودار “الأهلية”) أفضت إلى العنوان المشار إليه. ولذلك فالتركيز على محور التشظي لا يعني ــ بالضرورة ــ تلخيص المثقفين في نفق مرغوب فيه ولو من وجهة نظر تزعم لنفسها قدرا من التماسك، ما يوحي بحرب المحاور وتسارع هذا الناقد أو ذاك إلى هذا المحور بدلا من ذاك أو على حساب ذاك.

“لا شيء يعلو على النقد” كما يقول الفيلسوف إيمانويل كانط. والنظرة الهيراركية، أو التراتبية، في سياقات التعاطي لموضوع المثقفين، واردة ومقبولة بأكثر من معنى حتّى لا نتحوّل إلى مجرد واصفين للظواهر بشكل بارد وباهت. والنقد، من مواقع الجدل والسجّال أيضا، مفيد… بل يتجاوز الإفادة نحو الإسهام في بناء أنساق الفكر والثقافة والأكاديميا والإيديولوجيا. وفي هذا الصدد بدا لنا أن نعنى بموضوع “التشظي” من خلال كتاب في شكل مقالات محكومة بـ”نسق” يقع في صميم البنية الداخلية للكتاب على الرغم من التكرار الذي عادة ما يطبع المقالات المكتوبة على فترات متقاربة أو متباعدة. ومقالات الكتاب منشورة، من قبل، في جريدة “القدس العربي” (اللندنية)، ومن منظور الحالة المغربية رغم البعد العربي للعنوان. وكان الدافع الأساس لكتابة المقالات هو “هجمة الشعبوية” واستفحال ظاهرتها في أكثر من واجهة وفي مقدّمها واجهة الثقافة والمثقفين. ومقالات الكتاب تستحضر مجمل الفروق بين الكاتب والمفكر والمثقف، وتستحضر الأنماط الكبرى والمتداولة للمثقفين بدءا من “المثقف العضوي” عند أنطونيو غرامشي فـ”المثقف الملتزم” عند سارتر و”المثقف النوعي” عند ميشال فوكو و”المثقف المنشق والنقدي والمنفي” عند إدوارد سعيد و”المثقف الجذري” عند تيري إيغلتون و”المثقف المتجذّر” عند بيير بورديو… وصولا إلى “المثقف” أو “المثقفين الإعلاميين” تبعا لتسمية جاك دريدا التي لا تخلو من “اعتراض”. وكما تستحضر مقالات الكتاب عنوان “المثقفون” لبول جونسون الذي يمضي بعيدا في تقشير عيوب كبار الفلاسفة والكتّاب، دون تغافل عن مفكّرين عرب أسهموا بدورهم في نقد المثقف مثل عبد الله العروي وفيصل دراج ومحمد عابد الجابري وعلي حرب… شأن باحثات مثل رجاء بن سلامة وشيرين أبو النجا… حتى لا نجعل من خطاب المثقف حول المثقف “امتيازا ذكوريا” تبعا لتوصيف تزيفتان تودوروف في كتابه “الحياة المشتركة” (ترجمة: منذر عياشي، ص74).

ورأينا أن المثقف عجين أفكار وأنساق وإحالات وآراء ومواقف وتطلعات وأحلام وأذواق وانتظارات… ولا لشيء إلا لأن التاريخ نفسه “عجين” ولأنّ “العجين التاريخي ليس ليّنا جدّا” ولأنّ “التاريخ موجود لأن لا شيء متوقّع” بتعبير عبد الله العروي. ومن ثمّ ضرورة حضور المثقفين في هذا “العجين”، ومن ثمّ أيضا ضرورة مراجعة أداور هؤلاء المثقفين على مستوى “المواجهة الأعرض” وعلى مستوى الانخراط في مطمح “إبداع المستقبل”.

والمؤكّد أن العصر الذي نعيش فيه عصر مغاير، عصر “جامح” باصطلاح السوسيولوجي أنطوني جيدنز. وفي حال العالم العربي يتضاعف المشكل أكثر بالنظر للجدلية الخليطة والشائهة للمجتمع وبالنظر لمفترق ثقافات وجغرافيات ولغات… هذا العالم. ولذلك لا يمكن تحميل المثقفين بمفردهم كامل مسؤولية ما يجري في هذا العالم الذي يسير ــ علاوة على انفلاته وتشتته وتفكّكه ــ في أكثر من اتجاه وفي الوقت الواحد. إضافة إلى ما حصل من تغيّر وتبدّل وتحوّل (أيضا)  في “سياسة المفاهيم” وعلى نحو أفضى إلى أفول أو على الأقل تخلخل المفاهيم العضوية الكبرى وضمنها مفهوم المثقف إلى جانب مفاهيم ملابسة له مثل مفهوم الحزب والجامعة والصحافة والسلطة والطبقة والمدينة… إلخ.

صرنا نعيش في زمن من علاماته الكبرى أشكال من التمدين المنفلت وخلائط من الأصوليات العمياء والهويات القاتلة وحيتان النهب وديناصورات الفساد والزعامات الكارتونية في إصرارها على “سرقة المفاتيح” شأن “وحوش السياسة” في تشبثهم بنهج “السَبـُعية السياسية” (باصطلاح أرسطو) من أجل هضم البقية الباقية في المحيط المباشر لنا في السياقات الضاغطة والمتدافعة لأسنان التفتيت الخرائطي الأعم والأرعن للمجتمعات العربية.

حصل تغيّر في مفهوم “الشارع” وعلى نحو أربك المثقفين وخاصّة من الحالمين بتصدّر مظاهراته وصفوفه الأمامية، وحصل استسهال العمل الثقافي من خلال تصدّر “حشرات جديدة” لواجهة الثقافة والمثقفين… حشرات في الظاهر لكنهم في الباطن “أبطال” في تنفيذ قرارات كوميدية وحاسمة، وحصل استسهال العمل السياسي الذي كان يستند المثقفون إلى مراجعه وأخلاقه في مواقفهم وكتاباتهم. وكما أن السلطة التي كان يفكّر المثقفون في الوصول إليها صارت تمارس من “الأسفل إلى الأسفل” بدلا من “الأعلى إلى الأسفل”، وكما أن وسائل الإعلام المتاحة أسهمت في هيمنة لاعبين جدّد يتدخّلون وينظّرون وينتقدون ويسبّون ويدمرون… بأشكال من الانزلاق في الخطاب والخبث في “النقد العام” والأخطر بكميات هائلة من الوثوقية والاستعلاء والعنف اللفظي واليباب الثقافي.

نحن بصدد أورام ممعنة في الانتفاخ والاحتقان، في الثقافة والسياسة والأخلاق والإعلام، وعلى أرض الواقع ومستوى الخطاب في آن واحد. ولذلك لا يمكن أن نلزم المثقف بدور الطبيب الجرّاح أو بدور الملاكم الأشرس في معارك كسر العظام. ومن ثمّ ضرورة “إنصاف المثقفين” من خلال تقدير البنيات المهترئة والسياقات الخانقة والجارفة… التي تستوعبهم والتي نطالبهم بإنتاج خطابات وأداء أدوار داخلها. من المفيد ألا نسقط في مقاربات متسرّعة من هذا النوع خاصة وأنّها الغالبة والمألوفة والمكرورة في التعاطي لموضوع المثقفين بعامة وفي واقعنا الثقافي والسياسي والإعلامي. والأخطر أن نصدر عن “وقاحة قصد” في توسيع  دوائر “النظرة المعيارية اللاهبة” التي تزيد من التشكيك في أدوار المثقفين وفي كراهيتهم في آن واحد. وتلك هي حال العلوم الاجتماعية ككل في العالم العربي كما يلفتنا إلى ذلك السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب إذ لا نتحدث عن الشباب إلا في ضوء البطالة والإجرام ولا نقرن المرأة إلا بمعدلات العنف وحالات الطلاق ولا نتعامل مع الإسلام إلا من داخل ماكينات الإرهاب والعالم الثالث ككل من داخل  رمال التخلّف… إلخ.

غير أن ما سلف من “أورام” أو سياق معاكس، ومن خارج ثنائية “السيف والقلم”، لا يعفي من “تسمية” المثقفين ومن محاسبتهم على مستوى قياس مدى انتظامهم ضمن مرجعيات توفّر لهم إنتاج الأفكار ومزاولة النقد والجدال والمراجعة… وعلى مستوى تقدير مدى تخليقهم للبقية الباقية في العمل الثقافي والواجهة السياسية؛ وذلك كلّه في سياق تأكيد حضورهم وأداء أدوار مطلوب منهم أداؤها خاصة وأنهم تخلوا ــ في أحيان وأحيان كثيرة ــ حتى عن خيار قول “لا” (كبيرة وعامة) وخيار “أخذ العصا من وسطها” لتقديم “استقالتهم الجماعية المريحة والمعاصرة”. وهذا في حدّ ذاته عيب ضمن عيوب أخرى كامنة في “بنية الذات المثقفة” أو “الأقلية المثقفة والمبدعة”، وخطورة هذه العيوب أنها تتحوّل إلى “جدار” يعوق أداء المثقفين.

فتمزّقات المثقفين العرب وخياناتهم المدروسة وانتهازويتهم الفائضة وكراهيتهم المتبادلة واستغلالهم للفضاء العام وادعاءاتهم المتزايدة وتدميرهم المقصود لـ”المرْكب” ذاته الذي يستوعبهم وإفراغهم للأكاديميا من دلالات النضال بل غطسهم في الشعبوية… وغير ذلك من العيوب هو ما كان يشغلنا في كتابنا وفي إطار من محور “نقد المثقف” بدلا من محور “الهجوم على المثقفين” أو معاكسه محور “دفاعا عن المثقفين”. كان هدفنا، على نحو ما قلنا في نص التقديم، هو أن نطرح موضوعنا بـ”شكل مختلف”… وقبل ذلك بدا لنا أن نستبدل بـ”خريطة المفكر فيه” “خرائط اللامفكر فيه” داخل الفكر العربي المعاصر. وفي هذا السياق اهتدينا إلى موضوع نقد المثقف أو موضوع “المثقف… معكوسا” في إطار نوع من التحليل الثقافي السجالي والمدعم ببعض مفاهيم الفكر الإنساني ذاته: الفكر المركـّب الحرّ والمفتوح.

ضفة ثالثة

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...