الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رشا عمران / في سيرة الحب/ رشا عمران

في سيرة الحب/ رشا عمران

 

 

 

كتبت، قبل أيام، على صفحتي على “فيسبوك” منشوراً عن نماذج من النساء القويات والمتحققات المستقلات، وتساءلت: لماذا تتعرّض هذه النماذج من النساء تحديداً إلى حالاتٍ متكرّرة من انعدام الثقة بالنفس. المدهش في التعليقات التي جاءت على المنشور، ومعظمها من النساء، أن الأغلبية ترى السبب في النشأة الأولى، في التربية، في العلاقة مع الأهل، والأم تحديداً، واتفقن جميعاً على أن فقدان المرأة ثقتها بنفسها يتضح جيداً في علاقاتها العاطفية.

قصدت في منشوري تماماً ما اتفقت عليه الآراء، انعدام الثقة بالنفس في العلاقة مع الرجل جسدياً وعاطفياً ونفسياً، وذلك الضعف الذي يصيب المرأة عندما تقع في الحب، وعندما تترك نفسها من دون مسافة أمان في علاقتها العاطفية. وغالباً، وهو ما أعرفه من تجارب صديقاتٍ كثيرات، ومن قراءاتي سير نساء متميزات في تاريخ البشرية، إن إزالة مسافة الأمان هذه لا تحصل إلا مع هذه النماذج من النساء، يتركن أنفسهن يخضن التجربة كما هي، بكل ما تحمله معها، بدون وضع معايير لما يجب أن يكون عليه شكل علاقتهن مع الرجل. ومن دون الدخول في ألعاب الغوايات النسوية التي تتقنها كثيرات، تلك الألعاب التي تدخل تحت بند الحسابات الرياضية في العلاقة العاطفية، وهو ما يلزم هنا حذف صفة (عاطفية)، إذ لا يمكن دمج الحسابات الرياضية والعاطفة معاً، لا يمكن الجمع بين النقيضَيْن، الحسابات الرياضية تنتج علاقةً محسوبة النتائج، وينتفي فيها خطر التعرّض للألم من فشلها. في علاقةٍ كهذه، تحافظ المرأة على قوتها وتوازنها، وتمسك بيدها خط سير العلاقة، تمارس تماماً ما يمارسه الرجل. في العلاقة العاطفية الخالية من الحسابات، لا تمسك المرأة بيدها أي شيءٍ غير قلبها، مخافة أن يتفتت، وهو ما يحدث في الغالب، وتدخل في دائرة الضعف والخوف والهشاشة وانعدام الثقة بالنفس.

أسوأ ما في الأمر هنا هو الدخول في دائرة كره الذات، ولومها على ما يحدث. ومن دون أن تعي ذلك، تسعى المرأة المغرمة نحو تحميل نفسها مسؤولية فشل العلاقة وتعرّضها للألم، فهي المخطئة حتماً، وسبب تخلي حبيبها عنها هو لمشكلةٍ ما فيها، فهي لم تعرف كيف تحافظ عليه. ولكي تكفّر عن خطئها عليها أن تضع نفسها في بوتقة الألم، ألم الفراق وألم التخلي وألم الوحدة وألم الفقد، وكأن الألم هو المطهّر الذي سينجيها من خطيئة فشلها في الحب.

وبالعودة إلى البداية، مؤكّدٌ أن ما نتلقاه في مراحل تفتحنا على الحياة هو ما يشكّل مخزون اللاوعي لدينا، نحن تربينا في مجتمعاتٍ تقدّم الحب بوصفه مرضاً، والمحب مازوشياً، لنعد إلى شعر الحب العربي، الحب لا الغزل، إلى الطرب العربي، نادراً ما تخلو أغنيةٌ عربيةٌ من الحديث عن عذاب الحب: الحبيب مخيّب للآمال دائماً، والمحب يمعن في حبه وعشقه له. تحمل كل قصص الحب العظيمة، في تفاصيلها، الاستمتاع بألم الحب، هل من مازوشية أكثر من هذا؟ تشكل هذا في لا وعي غالبيتنا. ارتبط وعينا عن الحب بالألم، كلما تعذّبنا في الحب كنا أكثر جذريةً في التعلق بالحبيب. كلما اهتزت ثقتنا بأنفسنا وأحسسنا بهشاشتنا وضعفنا تجاه من نحب.

لماذا أكثر النساء دخولاً في هذه الدائرة هن النساء القويات والمستقلات؟ مما اختبرته، في حياتي، أعتقد أن السبب هو رغبة الدخول في التجربة إلى حدّها الأقصى. التجارب الدائمة هي ما تمنح القوة، السقوط يعزّز رغبة التحدّي والاستمرار. الاستمرار يعني مزيداً من الاهتزازات النفسية، يعني التأرجح المستمر بين الصعود والهبوط، بين الثقة وانعدامها، بين التوازن وفقدانه. هذا التأرجح الدائم، بكل ما فيه من سعادة وألم، يوسع مساحة الحرية والاستقلالية داخل المرأة، ويوسّع أيضاً مساحة الرغبة في اختبار المزيد، وتقمص كل ما سمعته عن العاشقات العظيمات، الصادقات، المستلذات بألم الحب، المازوشيات، اللواتي لم تعلمهن أمهاتهن ألعاب الغواية النسائية، ولم تدربهن على حساب خطواتهن بالأرقام والنتائج. اللواتي يدركن جيداً أن الحياة هي اختبار هذا الصعود والهبوط المتواصل، والاستناد على قيمة الصدق والوضوح، كي لا يسقطن في السائد المعتاد.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سحر الكلمة/ ريبر يوسف

    فعل ترديد كلمة بعينها على الدوام ولمرّات عديدة خلال اليوم الواحد، ذلك الفعل ...