الرئيسية / صفحات سورية / في شؤون الحوار بين النظام والمعارضة في سورية

في شؤون الحوار بين النظام والمعارضة في سورية


فراس قصاص

بعد تأخر بلغ أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع التظاهرات المطالبة بالحرية في سورية، وبعد ترحيل إلى لجان مختلفة وحديث بالعموميات من قبل الحكومة السورية، بـــــدأت تظهر في الآونة الأخـــيرة، إرهاصات مباشرة ولقاءات تشاورية ممهدة لمرحلة تقول عنها السلطة السورية، أنها مرحلة حوار وطني يمكن للمعارضة السورية التي تعرضت لتغييب طويل ومنع سياسي كامل، المشاركة فيها.

بالتأكيد الحكومة السورية التي اختبرت الحلول الأمنية، وضخت جرعات هائلة من العنف في المجتمع السوري، من اجل القضاء على حركة الاحتجاجات السلمية المطالبة بالديمقراطية من بدايتها، أدركت أن الحوار ربما يكون مدخلها الوحيد لتجاوز الأزمة الحاصلة في سورية هذه الأيام، أو ربما للالتفاف عليها واحتوائها، أيا تكن أهداف السلطة من عرضها الحوار، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن استمرار التظاهرات المطالبة بالتغيير في سورية، واتساع رقعتها ومن ثم رسوخها يوما بعد يوم، وفشل خيارات السلطة العسكرية والأمنية رغم فداحة آثارها، ووصول الضغط الدولي على النظام في سورية حدا حرجا، وبدء ظهور التداعيات السلبية على الاقتصاد السوري نتيجة لعوامل مختلفة جميعها مرتبط باستمرار حركة الاحتجاجات وما يحمله ذلك من مخاطر مستقبلية، هي الإكراهات التي أجبرت النظام على البدء في جس الحالة السورية التي يمكن أن يخلقها الحوار، خصوصا موضوع السلطة وموقعه منها، ومصيره في حال الدخول الفعلي في مرحلة التحول الديمقراطي الذي تستدعيه الانتفاضة السورية والذي تدل كل المؤشرات على أنه لم يعد ممكنا بقاء الوضع السوري بمعزل عنه.

أما موقف المعارضة السورية الرسمي فيبدو حتى الآن غير واثق من جدية دعوة الحوار التي يتحدث عنها النظام، ولا من جدوى هذا الحوار مع سلطة كتلك، لم تتوقف قط عن زج جميع أدواتها القمعية في مواجهة هذه الاحتجاجات، بل لعل موقف المعارضة الذي لا يزال يرفض الجلوس مع نظام يوجه السلاح ضد مواطنيه، ويقتل المئات منهم دون رادع يبدو منشدا وعاكسا لإرادة السوريين الرافضة للحوار مع من تورط في قتل شعبه وقمعه دون رحمة، إن الجلوس مع السلطة بالنسبة لهؤلاء، هو في الواقع خيانة لدم من سقطوا في حركة الاحتجاجات واعتراف بشرعية تلك السلطة التي فقدت شرعيتها في نظر المحتجين، وما الدلالة التي تحملها جمعة ‘لا للحوار’ مع النظام الأخيرة، سواء من الاسم الذي اختير لهذه الجمعة، أو من وصول زخم الاحتجاجات فيها حدا غير مسبوق، إلا ما يؤكد رفض المحتجين للحوار مع السلطة بشكل تام.

على أن موقف المعارضة السورية المتماهي مع مطالب حركة الاحتجاجات السورية، لم يمنع من وجود أصوات أخرى لا زالت تتفاعل في الأروقة الداخلية لتلك المعارضة وفي كواليسها، ترى أن دحر الاستبداد وإنهاء حالته في البلاد إنما يعني في واقع الأمر تغييرا للنظام، وأنه بتوافر مقدمات محددة وبيئة مناسبة بالتزامن مع الاستمرار والترسخ المتوقع لحركة الاحتجاجات سيفرج الحوار مع النظام عن نتائج تطيح ببنية النظام القمعية وتفككها تماما ونهائيا. ما يشجع هذه الأصوات، على تبني هذا الفهم يتمثل في أن المعطيات الحالية المتعلقة بالوضع السوري الناشئ عن حركة الاحتجاجات السورية، تؤشر إلى امتناع الحسم النهائي لمصلحة أي من الفريقين، السلطة السورية والمحتجين، على حساب الآخر، فالمتظاهرون السوريون الذين أثبتوا قدرة فائقة على استيعاب كم القمع الهائل الذي تعتمده السلطة في مواجهتهم، ونجحوا في توسيع قاعدة الاحتجاجات ومساحاتها الاجتماعية والجغرافية، الأمر الذي أدى إلى استمرار التظاهرات السورية واكتسابها زخما إضافيا كل يوم، هؤلاء لا يتوفر لديهم ما يضمن إسقاط النظام على الطريقتين التونسية والمصرية، في ظل غياب أي مؤشر على احتمال حصول تصدعات عسكرية أو سياسية أو أمنية مهمة في جهة السلطة السورية، فالحكومة السورية لا زالت متماسكة بشكل كبير ولم تشهد انشقاقات سياسية أو عسكرية ذات تأثير، وقد لا يقود خروج الملايين إلى الشارع في كل من دمشق وحلب المدينتين الرئيسيتين في حا ل حصوله إلى سقوط النظام، في ظل التركيبة العسكرية والأمنية الحالية الموالية طائفيا للنظام السوري، لقد أثبتت قوى الأمن وفرق الجيش السوري خصوصا الفرقة الرابعة وبعض المجموعات المسلحة الموالية للسلطة التي استخدمتها في قمع المحتجين، أنها تكن الولاء للنظام وتنفذ أوامره، حتى في إطلاق النار على المتظاهرين وإن كانوا عزلا وسلميين.

هذه الصورة التي يرسمها الوضع السوري الحالي ويكملها إصرار المعارضة على الطابع السلمي لحركتها وعدم رغبتها في تكرار السيناريو الليبي ورفض غالبيتها الساحقة للتدخل الخارجي العسكري، ستجعل من تبني خيار الحوار الجدي في الأمد القريب مع النظام، الأسلوب الوحيد المناسب لتحقيق التغيير الديمقراطي دون دخول البلاد في نفق مظلم يصعب الخروج منه.

يبقى الثابت من وجهة نظر كاتب هذه السطور ،أن الحوار الذي يمكن أن ينطلق لاحقا بين السلطة والمعارضة في سورية، في حال حدوثه، لن يغير كثيرا، بل ربما لن يغير شيئا في تفاصيل الأحداث اليومية التي تشهدها سورية منذ اندلاع انتفاضة الشعب السوري في الخامس عشر من آذار/مارس الماضي، ستستمر التظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام، وسيزداد زخمها وإن على نحو بطيء، لأنها في الواقع هي وحدها الضامنة لتحقيق تغيير حقيقي وجذري يتطلع إليه الشعب السوري. كذلك استخدام العنف والقمع والاعتقالات واستهداف المتظاهرين العزل واقتحام المدن من قبل فرق الجيش الموالية للنظام كل ذلك سيستمر هو أيضا، لان هذه الأساليب ،هي الوحيدة التي تكفل للنظام السوري تأخير خروج الملايين من السوريين والتحاقهم بالتظاهرات، فهي على ما يبدو خيار السلطة الوحيد لمنع تطور الاحتجاجات إلى النقطة التي يفقد النظام فيها سيطرته نهائيا على الوضع في البلاد، وما يحمله ذلك من ضغوط إضافية عليه، اقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية، تضعفه بشكل كبير وتضع حدا لمناوراته ومقايضاته الهادفة إن لم يكن احتلاله موقعا رئيسيا في المشهد السياسي الجديد، فبقاءه شريكا مهما وفاعلا فيه.

لكن الثابت من نفس وجهة النظر المشار إليها أعلاه، يتلخص في حقيقة أن سقوط النظام السياسي في سورية بالمعنى المفتوح للكلمة هو قدر الحال السوري في المستقبل القريب، ولا يبدو أن أحدا يمكنه إعاقة ذلك.

‘ كاتب وناشط سوري برلين

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...