الرئيسية / صفحات الرأي / في ما خصّ قصتنا مع الحداثة…/ ناصر الرباط

في ما خصّ قصتنا مع الحداثة…/ ناصر الرباط

 

 

ربما كانت الثقافة العربية الوحيدة بين الثقافات العالمية التي لم تنجح في تمثل الحداثة. فهذه الثورة المعرفية والسياسية والاجتماعية الشاملة التي جاءتنا طلائعها من أوروبا، كما جاءت لغيرنا من الثقافات غير الغربية في منتصف القرن التاسع عشر، لم تنجح بعد أكثر من قرن ونصف القرن في أن تضرب لنفسها جذوراً محلية مستقرة وفاعلة، على حين أن الأمم الأخرى، مثل اليابان أو الصين أو الهند، أو حتى تركيا وإيران، نجحت في اجتراح حداثتها المتأقلمة مع واقعها وتاريخها وثقافتها والبناء عليها لولوج العالم المعولم والتأثير فيه.

أما في العالم العربي، فما زالت المنظومة المعرفية قبل – الحداثية الأساس الناظم لغالبية القوى الفاعلة والمحرك المستتر لمعظم المنتَج الفكري اليوم. ولا يغنينا الكلام الكثير عن الثقافة والسياسة وحقوق المواطنة والحرية واحترام الرأي الآخر، فهو لا يعدو كونه محاولة للتماشي مع الاتجاه الحداثي العالمي من دون كبير سبر للتناقضات البنيوية التي تجعل تحقيق هذه الأهداف والإبقاء على الأنظمة السائدة سياسياً واجتماعياً ودينياً في آن واحد صعب البلوغ.

فالثقافة العربية، كغيرها من الثقافات غير الغربية، لم تعانِ الحداثة مباشرة ولم تمر بالهزات النفسية العميقة التي مرت بها المجتمعات الأوروبية خلال اكتشافها حداثتها. بل إن الحداثة، ومستحقاتها من هياكل معرفية وقانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، قد فرضت عليها فرضاً في ظل الهيمنة الأوروبية.

وكان رد فعل مجتمعاتنا عندما فوجئت بالغرب يأتيها مستعمراً ومحتلاً ومستغلاً إما تقليده لتلافي تهديده والأمل بالتكافؤ معه، أوالانكفاء على نفسها وتناسي التحدي والتفتيش عن حل ما في تاريخها وتراثها.

لكن التقليد كان أسير التراث نفسه، وهو لم يتجاوز تنزيل المظاهر الحداثية تنزيلاً على القواعد المعرفية الموجودة من دون محاولات جادة لتطويرها أو مراجعتها ونقدها إلا في ما ندر. وحتى هذه الحالات النادرة لم تتجاوز كونها لحظات وامضة في النصف الأول من القرن العشرين حين سطعت أصوات حرة وقوية تسبر غور مجتمعاتها وتنقد هياكلها المتهالكة وتقترح أسساً جديدة وجادة وموضوعية لحداثة أصيلة ومتعلقة ببيئتها ومنتمية إلى تاريخها، مع تلاقحها في الوقت ذاته مع تيارات الثقافة العالمية وتجاوبها معها. وقد دام هذا المشروع النهضوي فترة قصيرة، واستفاد من فراغ الحرية النسبي الذي حققته حركات مقاومة الاستعمار في مختلف البلدان العربية قبل تحررها وبعده. لكنه لم يتمكن من تجاوز إطاره النخبوي تعليمياً وطبقياً والتغلغل إلى لب المجتمعات الشعبية التي بقيت غريبة عنه، أو من إيقاف مد الأنظمة الشمولية التي جاءت بعد مرحلة الاستقلال وبعد خسارة فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ كرد فعل منطقية للتناقضات الاجتماعية التي تجاهلتها حركات الاستقلال البرجوازية، أو حاولت حلها تجميلياً أو قمعها وإن كانت بحكم خلفيتها التي تفتقر إلى المهارة في القمع البتار التي أتقنتها الأنظمة العسكرية الشمولية التي حلت محلها.

سادت هذه الأنظمة الشمولية المشهد العربي في نصف القرن الماضي. لكن على رغم حداثتها الظاهرية أحياناً، على الأقل من خلال اعتمادها على مبدأ الدولة – الأمة وهيكل السلطة المركزية بكل أدوات استعراضها وقمعها، لم تتمكن إطلاقاً من الإيفاء بمتطلبات الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية. وليس ذلك لأنها تتحدى أسس شرعيتها فقط، بل لأنها تتطلب التزاماً لا يمكنها تقديمه من ضمن الأطر التي تعتمدها في تبرير تسلطها وسياساتها. ولم يقتصر الفهم المجتزأ للحداثة على الأنظمة الحاكمة التي تعودنا على توجيه اللوم إليها في ما تعانيه الأمة العربية عموماً من إحباط وتخلف وتفكك (وهي تستحق هذا اللوم وأكثر منه)، بل تجاوزها إلى الثقافة والاجتماع السائدين اللذين لم يتمكنا من الانعتاق، لا فكرياً ولاعقائدياً ولا سلوكاً، من الأرضية المعرفية ما قبل الحداثية التي بقيت قائمة حتى جاءها الخطاب التكفيري الكاسح اليوم، الذي لايرضى إلا بالعودة إلى مفهوم مطلق للحظة البداية قبل أن تشوب المنظومة الإسلامية أي شائبة. وهو في اندفاعه هذا لايفعل أكثر من أخذ التناقض الذي عاشته مجتمعاتنا في القرن الماضي إلى واحدة من نهايتيه المنطقيتين: إما التماهي مع الحداثة بحكم كونها كلاً معرفياً متكاملاً، وهو ما لم تتمكن منه خلال أكثر من قرن، أو رفضها تماماً والعودة إلى منظومة معرفية سابقة عليها، وهو طبعاً ما اختاره التيار الديني المتشدد.

هكذا نجد أنفسنا اليوم بعد عقود من التسلط السياسي والاجتماعي والاقتصادي ووأد كل مشروع حداثي يمكن أن يهدد شمولية الأنظمة وتسلطها، قد انكفأنا كثقافة، وكحركات سياسية، وكمجتمعات، بل ربما كأفراد، على ماضينا. وبدأنا ننسى أن العصر غير العصر، وأن المشاكل التي نعاني منها كمجتمعات وكشعوب، هي مشاكل معاصرة لها جذورها ومسبباتها الحقيقية في تاريخنا الحديث وهياكلنا الطبقية والإنتاجية والاجتماعية والفكرية وتخلفنا المعرفي والتكنولوجي، وفي العلاقات الدولية المعاصرة التي تسحقنا في كل مواجهة نجد أنفسنا فيها، وأن علينا التعامل معها وجهاً لوجه من منطلقات العصر ومكاسبه وإطاراته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية بل حتى الفلسفية. بدلاً من ذلك، انكب معظمنا على استعادة التراث ومحاولة إعادة تعليبه للاستهلاك المعاصر، ما أفقده في الحقيقة صدقيته التاريخية وحوّله إلى مسخ تراثي، ليحل محل واقعنا المزري والمقموع من قبل الأنظمة المتسلطة والعقليات التكفيرية الجامدة في آن واحد.

من هذا المنظور، يبدو الطريق إلى تحقيق حداثة عربية شاقاً وطويلاً وأعقد بكثير مما يحلو لبعضهم أن يتصوروا.

* كاتب سوريّ وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، M.I.T.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...