الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / في ما يخصّ كتاب «إسلام السوق» والثورة المحافظة/ موريس عايق

في ما يخصّ كتاب «إسلام السوق» والثورة المحافظة/ موريس عايق

 

 

ينطلق باتريك هايني في عمله «إسلام السوق» (الكتاب صدر بالفرنسية عام 2005 وبالعربية بترجمة عومرية سلطاني عام 2015) من فشل الصحوة الإسلامية التي عبرت عنها حركات الإسلام السياسي، وتجاوزها لمصلحة إسلام السوق الذي يشكل ثورة محافظة تستلهم نموذج الثورة المحافظة على الطريقة الأميركية، حيث تتصالح عودة الدين مع الحياة في العالم المعاصر وثقافته. تتم هذه المصالحة من خلال الربط بين المجال الديني والاقتصادي ونزع تسييس الإسلام.

يبدأ هايني من تجاوز الإسلاموية التي استندت إلى تسييس الإسلام والالتزام بتنظيمات الإسلام السياسي وتراتبيتها الهرمية، حيث زاد التشكيك في جدواها وفي الصورة التي حملتها للعالم، وصعد في مقابلها التأكيد على الفردية والحرية والمسؤولية الشخصية والتجربة الخاصة في تحديد خيارات الأفراد ومواقفهم، خصوصاً مع ظهور متعهدين دينيين جدد نجحوا بإفساح المجال لإمكانية تدين فردي غير مرتبط بالصورة السابقة السياسية والكلية للتدين، ما سمح بتحوير دلالة المفاهيم التقليدية التي اعتمدها الإسلام السياسي نازعاً عنها حمولتها السياسية. أصبح الجهاد جهاد النفس، وإسلامية الدولة لم تعد تمر عبر تحكيم الشريعة إنما تتجلى في أخلاقية الدولة، كما ظهر الاهتمام بقضايا تمكين المرأة والبيئة بما يحيل إلى الاندماج في العالم المعاصر وقيمه، ويمكن المسلمين أن يكونوا جزءاً من العالم وليس في مواجهة معه.

أكثر ما عبر عن هذا الاندماج في العالم كان الاندماج في السوق والخضوع لمنطقه في ما يخص المعروض الديني، والذي يتم إعادة التفكير فيه بمفاهيم المنتج. ففي حين يتزايد تغلغل المنتجات الدينية في الحياة الاجتماعية من خلال الثقافة الجماهيرية وأدواتها، والبرامج التلفزيونية والتوك شو المستعارة أصلاً من الوعظ الديني البروتستانتي الأميركي، فإن حدة الدرس الديني السلفي تتخفف، بما يسمح لهذه المنتجات بالوصول إلى جمهور أوسع. المعيار هو نجاح تجارة المنتجات الدينية، وهي تجارة فعلية اجتذبت حتى القنوات التلفزيونية غير الإسلامية لشراء حقوق بث البرامج الدعوية. لكن هذه التجارة لن تزدهر إلا إذا نجحت في موضعة المنتج الديني في فضاء السوق الواسع وغير المقيد بشريحة صغيرة ملبيةً في الوقت ذاته حاجات النفس ورغباتها.

لم يعد المنتج الديني قائماً على الترهيب من العذاب والآخرة، بل على الرغبة والمتعة وخلق حاجات جديدة مندرجة في نظام السوق، فالحجاب صار خاضعاً لآخر صيحات الموضة التي تصممها كبرى دور الأزياء العالمية، وله ماركات تحدد المرتبة الاجتماعية التي تنحدر منها صاحبة الحجاب تماماً مثل بقية الأزياء. النجاح في تحويل العرض الديني إلى منتج وإخضاعه لمعايير السوق غير الدينية والسعي، بهدف الربح، إلى الوصول إلى أكبر شريحة من المستهلكين، لم يكن ليتم من دون تحويل في «هوية» المعروض الإسلامية، من تركيزها على الطابع الهوياتي للإسلام إلى تقديم الصفة الأخلاقية باعتبارها ركيزة وعماد المنتج الإسلامي، وهي أخلاقية يمكن أن تخاطب حتى غير المسلمين الذين يحملون قيماً أخلاقية محافظة.

التحول في فهم المعروض الديني رافقه تحول آخر في فهم الذات الدينية، الفرد. أصبح البورجوازي الغني الناجح النموذج المثالي لإسلام السوق، فالمسلم الغني أحب لله لأنه ينفق ثروته في سبيل الخير، وهي ثروة ستكون سبباً في دفع الآخرين إلى حب الله، ويصبح التعبير عن النجاح والثروة موضوعاً خيراً وجيداً في ذاته. ليكون المرء ناجحاً، عليه أن يتحلى بالفضائل الضرورية لتحقيق النجاح. فعليه أن يقطع مع الاستسلام والخمول وإضاعة الوقت في ما لا يفيد، والتركيز عوضاً عن ذلك على العمل والنجاح فيه. عندها لا يعود الفقر نتيجة للنظام الاجتماعي السيء بما يقتضي الثورة عليه مثلما رأت أيديولوجيات الإسلام السياسي، بل يتحمل المرء مسؤوليته لعدم جديته وتحليه بالفضائل الضرورية للنجاح. الفرد الجديد الذي يدعو إليه إسلام السوق هو الفرد الناجح الغني والمتصالح مع عالمه وسوقه الكوني، والذي يُقيّم النجاح والفشل من زاوية محض فردية. وتكمن الجذور الاجتماعية لهذا التحول في صعود بورجوازيات متدينة مثل بورجوازيات مدن الأناضول الداخلية، والتي تسعى إلى المواءمة بين قيمها البرجوازية وتدينها.

إسلام السوق هو إسلام المشاريع، إسلام يحتفي بالمؤسسة الصغيرة الفعالة والكفوءة في بيئة تنافسية، التي تحل وفي شكل متزايد مكان الدولة في العديد من المهام وبخاصة في حقل الرعاية الاجتماعية. وهو ما يتوافق مع الرؤية المحافظة الأميركية التي تدعو للاستعاضة عن دور الدولة الرعائي بالمبادرات الاجتماعية الخاصة للسوق والمستندة إلى رؤية أخلاقية. يدعم إسلام السوق «تنحيف» الدولة في المجال الاقتصادي لمصلحة رؤية ليبرالية اقتصادية.

يتوجه إسلام السوق إلى أبناء البورجوازية الراغبين بالنجاح، مقدماً لهم المعروض الديني عبر منتجات تنافسية يحكمها منطق السوق بما يفرض عليها أن تتلاءم مع القيم السائدة فيه، متخليةً في شكل متزايد عن الحمولة الكثيفة للهوية الإسلامية لمصلحة تصور أخلاقي عام يُمكن تداوله في بيئة كونية. يترافق هذا مع نزع التسييس لمصلحة رؤية تركز على النجاح والكفاءة الاقتصاديين وتكون متصالحة مع القيم الأميركية وليست في حالة حرب معها. إسلام متوائم تماماً مع الثورة المحافظة بنموذجها الأميركي، بل هو النسخة الإسلامية منها.

يسير هايني على خطى ماكس فيبر وأطروحته عن الأصول البروتستانتية للإسلام، فإسلام السوق متماه مع «التحديث» و «العولمة» اللذين يعيشهما العالم الإسلامي ويسهم بتكريس القيم الضرورية لهما: الرغبة بالنجاح والتأكيد على العمل ورفض الكسل والمسؤولية الفردية والخيار الفردي والجمع بين الخصوصية والكونية من دون تحويلهما لمشاريع متنازعة.

يبقى عدد من الإشكاليات في رواية هايني.

يقتصر إسلام السوق على البورجوازيات المتدينة الصاعدة، فلا يمكن له أن يخاطب الطبقات الدنيا، بهذا الصدد لا يقول هايني شيئاً. ربما كنا نطلب منه ما يتجاوز موضوعه، لكن علينا أن نتذكر أن مثل هذا الخطاب المرتكز على الفضائل الفردية سريعاً ما يصل إلى حدوده الممكنة في بيئتنا المحلية، فهي ليست وحسب بيئة متعسفة وظالمة في شكل كبير، بل تواجه تحديات اقتصادية وبيئية تجعل من خطاب الفضائل الفردية مجرد مزحة.

أيضاً، إسلام السوق ليس مجرد تواؤم ناجح مع النظام العالمي، بل هو أيديولوجيا، بمعنى أنه يسعى لإخفاء أشياء وتكريس أخرى. يذكر هايني المشروب الإسلامي «مكة كولا» الذي يحاكي «كوكا كولا». يرفع المشروب الإسلامي شعار «لا تشرب كالأحمق…. اشرب ملتزماً»، وهذا الالتزام يُعبر عنه بشرب «مكة كولا» التي تقدم 10 في المئة من ريعها للأعمال الخيرية في اليمن و10 أخرى لفلسطين. يُحيلنا هذا المثل مباشرة إلى نقد سلافوي جيجك لمنتجات البيو والتجارة العادلة التي تجعل الالتزام ميزة تنافسية لها، كما أنها تداعب حس الالتزام لدى المستهلك، فهو قام بما عليه باستهلاكه لهذا المنتج ولا داعي لما هو أكثر. هكذا يصبح سؤال العدالة والحاجة إلى التغيير خارج النقاش تماماً، فالسوق والنظام الاجتماعي يبقيان بمنأى عن أية أسئلة، وهذا يصدق تماماً على نوع الالتزام الذي تقدمه منتجات إسلام السوق.

مناقشة هايني أغفلت تماماً تحديات هذا الإسلام في البيئة التي يتحرك فيها، الاجتماعية والأيديولوجية. فهايني لم يقدم في مواجهة إسلام السوق سوى إسلام تقليدي، مرة يعبر عنه الإسلام السياسي ومرة إسلام المؤسسات الدينية التقليدية، مغفلاً التنوع على الضفة الأخرى. فهو لم يورد سوى مرة واحدة وسريعة قضية اشتراكية الإسلام، والتي كانت مسألة مركزية في فهم الإسلام في منتصف القرن العشرين.

تبقى مسألة الدولة والسياسة الأكثر إشكالية في معالجة هايني لإسلام السوق، خصوصاً أنها التحدي الأساسي لهذه المقاربة وتحديداً على ضوء ما طرأ من تطورات بعد الربيع العربي. أصدر هايني كتابه في 2005 واستندت مقاربته لإسلام السوق على دوره في نزع التسييس مقدماً العديد من الأمثلة، لكن بعد الربيع العربي نرى أن الأمثلة التي أوردها سارت في خيارات متباينة، بعضها انتصر للثورة المضادة وبعضها كان مشاركاً فعالاً في التجربة السياسية الموؤودة، عمرو خالد وحزب الوسط مثلان لهذا التباين. تكمن الإشكالية في قدرة التصور الليبرالي الاقتصادي على التعايش مع نظام سلطوي محافظ أو أن يكون داعماً للتحول الديموقراطي. لم يكن ممكناً لهايني التمييز بين هاتين الإمكانيتين بسبب غياب السياق الذي يسمح بفصلهما، لكنه لم يرهما حتى كإمكانيتين، وهذا بدوره يصب في أن مقاربة هايني كانت احتفائية أكثر منها نقدية.

* كاتب سوري

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حيوات عربية بعيون استشراقية: السير الذاتية في فترة ما قبل الحداثة/ محمد تركي الربيعو

      حتى وقت قريب، لم تكن توجد سوى معالجتين حديثتين للسير الذاتية العربية ...