الرئيسية / صفحات مميزة / في “نزوح الله” والشعب الوحيد: نبراس شحيذ

في “نزوح الله” والشعب الوحيد: نبراس شحيذ

 

    نبراس شحيّد

وحيدٌ وحيدٌ وحيد…

لافتةٌ ما، رفعها متظاهرٌ ما، في مكانٍ ما، ليقول كل شيء دفعةً واحدة: “وحيدٌ وحيدٌ وحيد، الشعب السوري وحيد”! جمالية هذه الصرخة الجارحة لا تكمن فقط في فهمها العميق لغربة شعبنا، بل أيضاً في براعة لعبها اللغوي على معنيي كلمة “الوحدة”: الاتحاد واليُتم. تعبّر اللافتة هذه عن يتم الثورة السورية، وفي الوقت ذاته، نراها توقظ فينا الشعارَ الأصليّ الذي منه اشتُقّت (“واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”)، فتحمي في ذاكرتها، على الرغم مما تعبّر عنه من تمزق، رغبة شعب وحيد يريد أن يكون واحداً في معركته الوجودية ضد العدم: عدمية النظام المستعدة لإفناء البلد من أجل البقاء (“الأسد أو لا أحد” كما تقول بصدق “غريزة النظام أو لا شعوره السياسي” المتمثلان في ظاهرة الشبيحة)؛ وعدمية التشكيلات المتطرفة التي تتبنى منطق النظام ذاته، “نحن أو العدم” (ياسين الحاج صالح). من المسافة إذاً بين “وحدة” الاتحاد و”وحدة” اليتم في مقارعة العدمية، تعبّر اللافتة هذه عن الإرهاق الوجودي المتسلّل من الشرخ الفاضح بين الحلم والواقع العبثي، وفيه سوريون يبيدون سوريين، والعالم يطيل التصفيق ليمتد أمد الموت.

في الغياب أو ما يشبهه

بين العدمية والعبثية، قد يتعمّق شعور الوحدة هذا عند الإنسان السوري ليأخذ أحياناً شكلاً وجودياً أكثر كثافةً حين تنقطع انسيابية العالم القديم الذي عليه اعتدنا، بمسلّماته ومعتقداته، فيظهر غريباً جامحاً لا يمكن حصره في مصطلحات ونظريات ورؤى، عارياً وقد مزّق ما ألبسناه من حلل وأفكار. أمام جثة محمد الملسي المعلّقة على السلك، وأمام جوع بناته اللواتي فارقهن منتحراً لأنه لم يجد لهن طعاماً، قد تتزلزل مجموعةٌ من ثوابت فهمنا لوجودنا وأشكال حياتنا الموروثة. أمام الجثة المعلّقة، قد تهتزّ نظرياتنا الماورائية كلها، ليصير حضور الله سؤالاً يطرح ذاته على بعضنا: “أين هو الإله مما يجري اليوم في سوريا؟”، يتساءل أحد الأصدقاء، لتجيب صديقةٌ أخرى بيأس: “لو كان الله موجوداً، لما مات أطفالنا!”. تأخذ الوحدة هنا شكلاً جذرياً، فالإنسان المتألم قد يجد ذاته وحيداً، حتى من الله الذي به آمن سابقاً، حين يقارب ألمه انطلاقاً من التناقض، أو ما يشبه التناقض، بين عدمية الواقع العبثي من جهةٍ أولى والمفهوم السائد عن إلهٍ يعتني بخليقته من جهةٍ ثانية: “إذا أراد الله ان يمنع الشر، لكنه لا يقدر، فهو ليس بقدير، وهذا لا يتناسب وطبيعته. وإذا كان يقدر لكنه لا يريد، حينئذ يكون شريراً، وهذا أمرٌ غريبٌ عن طبيعته… أما إذا أراد الله إلغاء الشر وكان يقدر على ذلك، وهذا ما يناسب طبيعته، فمن أين يأتي الشر؟” (أبيقور، بتصرّف).

أياً تكن الأجوبة الفلسفية واللاهوتية على المعضلة هذه، وأياً تكن تصوراتنا عن احترام الله لحرية الإنسان إلى حدٍّ يصير فيه هذا الأخير قادراً على الشر بأنواعه كافةً، ستبقى الأجوبة كلها، على الرغم من متانة بعضها، هزيلةً أمام صرخة طفل متألم أو دموع أمٍّ ثكلى أو نحيب أبٍ على أطفاله الذين قضوا في مجزرة حلفايا. أمام عمق المأساة، تبدو الأجوبة سخيفة على أنواعها، لأن الإجابة النظرية عن الألم، مهما قويت حبكتها، لا يمكن أن تلحم شفاه جراحنا! لذا سيبقى “غياب الإله”، أو ما يشبهه، هوةً لا يمكن ردمها، ولا يمكن الاستخفاف بها واللجوء إلى الأجوبة الجاهزة لتفاديها. الهوة سحيقة، ولا إجابة نظرية تشفي ألم الصرخة الوجودية وما تتجرعه من سكرات الغياب، بل ربما “شبه إجابة” حياتية تقاوم الغياب بحضورٍ جديد: الحضور لضحايا العدمية، لهؤلاء الذين مات أهلهم وشُرّدت عائلاتهم وسخر الزمان من وجودهم! لا إجابة تشفي الجرح بل التزام به حتى النهاية…

في “نزوح الله”

مع تنامي السؤال الإشكالي عن علاقة الإله مع العالم وما يترتب عليه من نتائج نقدية على المعتقدات الدينية السائدة، نشهد في المقابل تنامياً عميقاً للشعور الديني عند غالبية السوريين. أمام الوحدة السحيقة التي نعيشها اليوم، أمام العبثية والعدمية، وأمام انهيار التوازنات القديمة، ينقلب الدين، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ملجأً يقصده الكثير من المتعبين أو الباحثين عن المعنى أو الراجين خلاصاً يتجاوز قتامة حاضرنا ولا عدالته. لذا، لا يمكننا فصل تعاظم الظاهرة الدينية اليوم، أو تعاظم الشك فيها، عن ظاهرة القلق أمام كثافة حضور الموت حولنا، على نحوٍ تصير فيه الصرخة التي يطلقها بعض الشباب عن حضور الله تساؤلاً عميقاً قد يدفع بعضنا، خارجاً عن آليات الدفاع عن النفس، إلى مزيدٍ من البحث الوجودي الصادق: هل “الإله” الذي نؤمن به هو الوجه الآخر لحاجاتنا أم هو الآخر؟ بكلماتٍ ثانية: هل نعيش التجربة الدينية كتعويضٍ ينكر الوحدة التي تخترق وجودنا، أم يُعاش “الإلهي” من ألم الشوق الذي يقبل الوجود بما يحمله من غيابٍ، ليجد ربما نوراً “إلهياً” جديداً في أعماق الهاوية؟ بمعنى آخر، هل تتحدّد علاقتنا مع “الإلهي” كخبرة انفتاح على المجهول الذي قد يسكن صمت السماء، أم كتقوقعٍ على الذات تنقلب معه التجربة الدينية تجربةً مرآتية لا يجد فيها الآخر مكاناً، فيصير “الإلهي” مجرد امتداد لذواتنا؟

يتنامى خطر الانغلاق الديني في لحظات الوحدة مع تعاظم فشل المؤسسات الدينية، غالبيتها، في مواكبة حلم الثورة، أولاً بسبب ارتباطاتها التاريخية لا بل حتى البنيوية بأنظمةٍ ديكتاتورية سلطوية؛ ثانياً بسبب اختزالها الثورةَ، في غالبية الأحيان، إلى حالٍ طائفية، أقلّوية أو أكثرية؛ ثالثاً، لأنها ظلت غير قادرة بشكلٍ عام، حتى لو نجحت في فكّ ارتباطاتها القديمة مع النظام، على الخروج من أطرها التقليدية الموروثة لتتجاوب مع ديناميكية اللحظة السورية وما تصوغه من إشكاليات عن الوجود والعدم. لذا يكرّر شيخٌ جليلٌ معتدلٌ على مسامعنا: “ينبغي أن نعلم أن ما يصيب العالم الإسلامي اليوم إنما هو من معصيته لله، ولو أنه أطاع الله لكان هو قائد الدنيا”، ومثله يقول كاهن نبيل ليختزل مأساتنا السورية في مفهوم “الخطيئة”. يعبّر هذا النوع من الحجج الجاهزة عن المسافة التي تفصل الخطاب الديني السائد عن عمق الصرخة الوجودية الثائرة فينا، وما تحمله من ألم الغياب، ليبقى هذا الخطاب هزيلاً أمام أجساد الأبرياء المكوّمة، وأمام جثة محمد معلّقةً في مخيم عين الحلوة وفي ضمائرنا حتى النفس الأخير. “أين هو الله؟” تتكرر الصرخة اليوم، ولا إجابة تشفي، لأن إلهاً لا يقدر على الغياب لا يمكن إلا أن يكون وهماً يناقض واقعنا المحكوم بالوحدة، أو صنماً ميتاً يختزل “الإلهي” في صورتنا عنه، ومعه يُختَزَلُ توقنا اللامتناهي إلى الحرية. لذا، يتابع “الإلهي” انفلاته من سجن المفاهيم والمنظومات المغلقة التي اعتدنا مقاربته من خلالها، فيكمل نزوحه من معابدنا، من تعاليم الكثير من كهّاننا وشيوخنا، من جبب المتطرفين منا، ليسكن ربما خيمةً ما، في مخيمٍ ما، حيث يرتجف أطفالٌ صغارٌ من البرد القارس.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...