صفحات المستقبل

في يوم الجلاء.. عن الوطن الذي أريد

 


في اليوم الوطني لسوريا, في ذكرى استقلالها الذي كتب يوسف العظمة سطوره الأولى عندما خرج ليقابل موتاً محتوماً في ميسلون ﻷن شرفه الوطني و المهني منعه من أن يرى اختياره السلامة الشخصية دون الوقوف في وجه العدو حتّى آخر قطرة دمٍ إلا خيانةً ﻻ يقبلها لنفسه. يتوجّب علينا قبل أن نحتفل, قبل أن نبارك, قبل أن نرفع رموز الوطن و الوطنية و أن نتغزّل بالوطن و نتغنّى بجماله و طبيعته و أناسه, و قبل أن نقول أننا نبحث عمّا يجمعنا و ننبذ ما يفرّقنا (و هنا نحن ﻻ ننبذه, فقط ﻻ ننظر إليه أو نتحدّث عنه) علينا أن نتوقف, أن نفكّر و أن نقرأ التاريخ, بحلوه و مرّه, بانتصاراته و هزائمه, بانجازاته و أخطائه (و جرائمه) ثم يجب أن نقرر جدياً أيّ سوريا نريد لمستقبلنا, أيّ وطن..

دعوني أكون “نكدياً” بعض الشيء و أقول أن رفع الأعلام و سماع الدمشقيات الفيروزية ﻻ يكفيان.. و أن الأوطان لم تبنى و لم تنتصر بكميّة الأشعار الوطنية.. نحن بحاجة للمزيد و المزيد.. نحتاج لوقفة و موقف صريحين و واضحين. أيّ وطنٍ نريد, أي بلد نطمح أن نبني.. إن أردنا بناء وطنٍ علينا أن نتحاور و نتناقش و نختلف و نتشاجر حتّى, علينا أن نمسك “ما يفرّقنا” من تلابيبه و ﻻ نهرب منه أو نتجاهله, علينا أن نعبّر عن آرائنا و آمالنا حتّى لو لم “يُعبّرنا” أحدٌ.

أيّ وطن أريد..

أريد وطناً ﻻ يُخيّر بين قوّته و مناعته و بين حرّية أبنائه و العدالة و المساواة في معاملتهم, بل أن تكون الثانية هي الأساس المتين و الصلب للأولى

أريد وطناً لجميع أبنائه, مساوياً بينهم بالحق و العدل, وطناً دون إقصاء. ﻻ أريد أيتاماً في وطني, ﻻ أريد منبوذين في وطني, ﻻ أريد “أبناء بطة سوداء” في وطني.. ﻻ أريد وطناً إيديولوجياً و ﻻ دينياً, بل أريد وطناً سقفه أعلى من أي انتماء آخر و ﻻ يمكن اختصاره أو التعبير عنه في أي فكرة أو انتماء أو شعار أو رمز سياسي عدا علمه و نشيده.

أريد وطناً حراً, بأبناءٍ أحرار.. كي ﻻ يجرؤ أحدٌ على التفكير بأن حريات الأمم, أو حريات أبناء الأمم, عارٌ علينا..

أريد وطناً ديمقراطياً, يعيش فيه أبناؤه وفق مبادئ المواطنة الديمقراطية التي تكفل المساواة التامة دون أي تمييز ديني أو طائفي أو عرقي أو جنسي.. وطناً يضمن و يدعم الشراكة و المشاركة و الممارسة و التعبير بكامل الحرّية, دون خوف.. الخوف و الوطن ضدّان ﻻ يمكن أن يلتقيا بعد اليوم.

أريد وطن العدالة الاجتماعية, وطناً يضع الحقوق و المتطلبات الأساسية للمواطنين من تعليم و صحّة وغيرها, بالإضافة إلى دعم من هم أكثر احتياجاً فوق أي اعتبار اقتصادي- اجتماعي آخر.

أريد وطناً لا وجود فيه للمعتقل إﻻ للمجرمين بناءً على القانون الحضاري و الحق الإنساني و الدستور, ﻻ أريد وطناً يكون فيه ما كتب عبد الرحمن منيف واقعياً.. أريدُ وطناً تتنوّع فيه الآراء و حتّى المعاني, ما عدا معنى كلمة “أمن” أريده واحداً فقط.

أريد وطناً دون تخوين و إلغاء و إقصاء, وطناً ﻻ يحتقر فيه أحدٌ الآخر, ﻻ يصادر فيه حقّه و ﻻ يخرس لسانه أو قلمه لأي سببٍ كان.. ﻻ أريد وطناً يجرؤ فيه أحدهم على أن يقول أن شعبه “ﻻيمشي إﻻ بالهراوة (أو بأدوات أخرى)” كي يبرر قتلاً أو قمعاً أو اعتقالاً أو تضييقاً.. ﻻ أريد وطناً يمكن أن يُعتبر الشتم و الإهانة فيه عملاً وطنياً.

أريدُ وطناً يحتضن إعلاماً نزيهاً و مهنياً و حرّا يكون صوتاً لكل الطيف الفكري و الثقافي و السياسي, ﻻ أريد أجهزة بروباغندا و ﻻ منابع تحريض و كراهية مهما تكن منطلقاتها و محرّكاتها.. ﻻ أريد أن أسمع من يقول أن عليّ أن أعبّر عن كراهيتي للآخرين كي يكون تعبيري عن حبّي للذات أكثر صدقاً.

أريدُ وطناً يحمي المواطن بكل عزم و يحاسب الفاسد بكل قوّة, وطناً يستمع للبكاء ﻻ فقط للبسمة, وطناً يعتبر فيه كلّ ظلمٍ على أيّ مواطن جريمة بحق الوطن.

أريدُ وطناً ﻻ يقال فيه عن آمالي في وطنٍ الحريّة و المواطنة الديمقراطية و العدالة اﻻجتماعية أنها طوباوية أو مثالية أو مستحيلة التحقيق أو أن شعبنا ﻻ يستحقها, بل أريد أن يُقال عنها أنها أهداف تحتاج لنيّة قويّة و لعمل نزيه للوصول إليها.

نحن بحاجة لعقد وطني جديد يجمعنا بعدالة و مساواة و حرّية كسوريين, دون أي تمييز أو إلغاء. عقدٌ يستقي حروفه الأولى من شرعية اﻻستقلال و رمزيّة صانعيه و يسطر في هذه الأيام, الصعبة و الدقيقة و الحرجة لكنها أيضاً فرصة تاريخية ﻻ تعوّض, عهداً جديداً لسوريا المستقبل, سوريا جميع أبنائها.

و كل عام و أنتم و الوطن بألف ألف خير..

 

http://networkedblogs.com/gKXCN

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى