الرئيسية / صفحات الثقافة / “فُــرَنْــزِك”/ سحر مندور

“فُــرَنْــزِك”/ سحر مندور

«فُرَنْزِك ساينس» (Forensic Science) هو تعبيرٌ بالإنكليزية لا يدلّ القاموس على ترجمته بدقّة، إذ لا تختصره مفاهيم الطب الشرعي أو العمل القضائي. وهو في وجهه الأساسي يبدو أقرب إلى «علم الجنائيات»، مع العلم أن لهذا الاستقصاء وجوها أخرى في مجالات غير جرمية كالبحث الأثري والفضاء وعلم الأحياء. أما فريق العمل الجنائي فضخمٌ، مهذّب ومدرّب بوليسياً، ويضمّ خبراء في ما لا يقل عن 37 تخصّصاً، كالتشريح، الوراثيات، الطب، الهندسة، الخَطّ، علم النفس، الجيولوجيا، الفن، والكثير سواها والمتشعّب تفصيلاً منها. الوظيفة المطلوب من هذا الفريق أداؤها هي: «جمع وتفحّص معلومات حول الماضي». وأصل الكلمة لاتينيّ، «فُرنْسيس»، يعني «أمام ميدان عام»، ومردّه أن الناس في العصور الرومانية كانوا يجتمعون في ميدان عام للانصات إلى الحجج التي سيسوقها متّهِم ومتّهَم كلٌّ لإثبات وجهة نظره. ويستقيم الحُكم تبعاً لقدرة كل منهما على الإقناع. وهو أصلٌ يصيب معنيَيّ الكلمة في عالم اليوم: الدليل القضائي، والعرض العام. وهو يصيب المعنيين أيضاً في الآن وهنا.

الآن، وقد تسنّت لنا أيامٌ قليلة بلا انفجارٍ مفاجئ، تمكن ملاحظة عادات حسّية تنشأ في الحياة اليومية، تعلو وتخفت بتوجّس، والسيارة المفخخة تستبيح الذهن متى شاءت، كفكرةٍ سريعة أو تستوطنه لوهلة. وهناك عاداتٌ أخرى آتية من توتّر، أكثر «إنفلاشيّة»، تنتشر في مساحات الخوف والحداد والترقّب لتــملأ الصمت بضوضاءٍ يدّعي المعرفة. نحن نتغيّر لكي نتأقلم.

«مقبول جداً»

إن علم الجنائيات يؤمن الجسر الذي تعبره الجريمة من طبيعتها الهمجية «الإنفلاشية» إلى طبيعةٍ حضارية تعطيها معنى. وفي لبنان، يعرف المرء أن البلد لا يمتلك وحده إرادته، وبالتالي، فإن «الدولة» لا تفوز بالثقة الكافية لكي تحتكر وحدها مهمة بناء هذا الجسر. فتمتد الأيدي التي تشنّجت عند وقوع الإنفجار إلى المساهمة في بنائه، بموادٍ مشتعلة ومحترقة وحدها متوفّرة في السوق اليوم.

عند النظر بهدوء إلى الحالة التي تسود البلد وإعلامه عند وقوع انفجارٍ، يشعر المرء بأن كلا منا ينفجر رمزياً وعصبياً في أرضه، داخل حدود جسمه، وضمن الانفجار الجرمي الملموس. وعندما يلاحظ المرء أن الأداء الهستيري يستمر في الفاصل بين انفجارين، بانتظار الانفجار الجديد، يعرف أن البقاء على تواصل حميم مع الواقع في لبنان، بات فعلاً مكلفاً للغاية، وما عاد خياراً. وتأتي هنا العبارة التي قالتها المراسلة التلفزيونية في وصفها لانفجارٍ بأن حصيلته مقبولة جداً (5 قتلى)، لتتمايز في الأذن عن الكمّ من الغرابة الذي تأقلمنا مع سماعه، فتفضح انعدام السويّة هذا. وهي جملةٌ لم تأت من نفسيةٍ خاصة تطبع هذه المراسلة دون سواها، وإنما أيضاً من قناعةٍ بأن المسألة مستمرة، وبالتالي هي تدخل في طور «المعتاد». هذا أشهرته، وهذا بتنا ندركه.

ولذلك، فإن العبارة تعني المزيد أيضاً، تعني الاقتراب من الجريمة أكثر، من موقعها، مدّ الأيدي داخلها، «تفحّص» أجزائها، المبادرة نحو استقصاء معلومات جنائية حولها، وصولاً إلى «تقييمها». في الماضي القريب جداً جداً، كانت التلفزيونات تُلام على إظهارها الأجساد الممزقة، الدم. وكانت كقطاعٍ تردّ بمضمونين: الأول تقنيّ يقول بمباشرة البث التلفزيوني، التي لا تتيح «رفاهية» النوم على الخبر كحال الصحافة المكتوبة، فتتسرّب الصور المؤذية على الهواء وسط هلع المصوّر الواصل للتوّ إلى مواجهةٍ مع فوضى الموت العنيف. مضمون الردّ الثاني فكريّ، يحكي عن حق الجريمة بالنظر إليها كما هي، حق الضحية على العين الحيّة، وواقعية الفعل وضرورة مواجهته. وهما مضمونان وجدا ردّهما السريع البادي في عنفهما، فأدينت الصور الدامية حتى مُنعت في أنحاءٍ كثيرة. هنا في لبنان النقاش مستمر، لكن انفجار الضاحية الذي لم يحوِ صوراً دامية (ربما نتيجة إدارة «حزب الله» للموقع) فضح أن العطب بنيويّ. في غياب الأشلاء، سارعت شاشاتٌ كما يسرع القلق في الجسم، إلى البحث عن مدخلٍ آخر إليها، يستبدل الأحشاء بمتاحٍ يشبهها: رقم السيارة، رقم «شاسي» السيارة، مالكتها، اسمها الثلاثي، منطقتها الحامية على الخريطة السياسية الأمنية الطائفية، فاتصالٌ بها، باعت سيارتها منذ سنين، فاسم المشتري الثلاثي، منطقته، مسروقة، منطقةٌ أخرى وهي أيضاً حامية، … حلقة «زار» حول الانفجار، تستدعي من المعلومات ما ليست مؤهلة له، لا حقّ لها به، ولا حق لها في فضحه، لتخرج باستنتاجٍ يفيد بأن الجريمة مقبولة جداً، والصوت الضمني يهمس: لقد خيّبت التوقّعات.

ولربما هي فعلت، إذ أن جلّ ما أنتجته هو 5 قتلى والمزيد من التأجيج، شبيهةً بسابقتها، مراوحة وتضعنا في مراوحة، بينما المتوقّع منها هو تغييرٌ في السياق، كمجزرةٍ تليها حربٌ. كأن المراسِلة، بجملتها هذه، قد ظهّرت شهوانية تبقى مستترةً في نفوسٍ كثيرة، تستجدي الانفجار الكبير. ساحات التواصل الاجتماعي والبث التلفزيوني تفضح هذه الشهوة، رعب لحظة الانفجار يلجمها قليلاً قبل أن تتمرّد عليه. التصريحات الحادّة تصبح كالأشلاء في الصور. تستبدلها. ولوهلة، يستحيل تفحّص الماضي تفحّصاً للمستقبل يقدم عليه العامة المعبئَين الخائفين الهائجين، وليس الخبراء. وقد مورس تفحّص انفجار الأمس، كأنه تفحّص في قدرته على استدراج حرب الغد.

تداخل الأزمنة الجنائيّة

يوم الانفجار هو يوم بدء تسليم التعويضات لمتضرّري الانفجار الذي سبقه. والانفجار هو ردٌّ على انفجارٍ أتى ردّاً على انفجار، في مفاوضات تجري ولا تجري، في غرفٍ مغلقة وغير مُقفلة، فنعرف ولا نعرف، لا نستقر في نصف جهلٍ ولا نمتلئ معرفةً. لقد تداخلت في أيامنا الأزمنة والأطوار الجنائية، الغد يُشدّ من عنقه إلى طاولة تشريح الأمس، وسائل التواصل تكرّس طوفان الخاص على العام. تداخلت الأزمنة الجنائية، وتداخلت الصفات في هذا المواطن: هو المحقّق والجثّة، الفاعل والضحية، المسؤول والمتلقّي.

الوضع ليس سويّاً، والناس ينصهرون في الرأي ويتحزّبون له، يتصرّفون كأنهم عاديون لكنهم ليسوا كذلك. منهم من يعترف، ومنهم من لا يعترف. صديقةٌ تراودها أحلام يومية يملأها الأموات، صديقٌ يسير متنقلاً بين الرصيفين في شارع، بين احتمال انفجار وآخر. مراهقون يسيرون ويتناقشون بصوتٍ مسموع كسنّهم، حول تسمية «شهيد»، هل يفوز بها ميتٌ في انفجارٍ إذا كان شخصاً مسيئاً لأهله وأصحابه؟ المشهد الصامت يبدو عادياً، مواطنون يمضون داخل ظروف حياتهم، ولكن الصوت يفضحه. لسنا عاديين، حتى ولو ادّعينا ذلك.

إن الانفجار هو لحظةٌ قائمة بحدّ ذاتها، لكنه أيضاً إشارةٌ إلى انعدام سويّةٍ مستدام. معانٍ كثيرة في السياسة والدين تربط حياتنا بموتنا، وما الميل الاستقصائي لمدّ اليد غير المعدّة بوليسياً غير المهذّبة استقصائياً، إلا محاولةٌ أخرى للتأقلم وربط الاستثناء بمعنى يروّضه. ولذلك، انتقل «الانفجار» من موقعه على الأرض، إلى موقعه في المعنى. الحدّة على وسائل التواصل، التفلّت الإعلامي من كل عقال، الابتكار في «التفحّص»، العصبية في الشارع، الأمل، علاقة الصباح بالمساء، اليوم بالمتتالي، كلها وسواها والمتشعّب منها تفصيلاً. نحن لسنا أبداً بخير، معلّقين بين السلامة والموت، بين الرأي والانفجار، فنتعصّب للأول ونستبيح الثاني.

اليوم، نحن نتغيّر كمجتمعٍ وكدولة. وعلامات هذا التغيّر لا تحتاج إلا القليل من الهدوء لرؤيتها. هي باديةٌ علينا.. فلنتواضع قليلاً أمامها وأمام قدرتنا على التأثير فيها، ولنراجع أدواتنا المنهكة والمحتدّة التي تعيننا على التواصل مع واقعٍ غير سويّ.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...