قبض ريح

 


عباس بيضون

ليست الجيرة وحدها هي التي تحسب. هناك روابط اللغة والثقافة والموقع والتاريخ والامتداد وجميعها فاعلة نتشاطرها بالسوية والعدل، ثمة ما يذهب أكثر إلى الداخل وما يطل أكثر على الخارج لكن في هذا تكاملاً ملحوظاً، وكان بيننا عهد من الوحدة لم ينفصم بالطلاق وإنما قادت إليه مسيرة الأشياء وتطورها. وإذا كان الانفصام ترك ظلاً من ضغينة فقد آن أن ينقشع وأن يتبدد، وآن لظلال اخرى ان تنقشع معه فقد خلفت وراءها مناطق من العتم وسوء الفهم والذاكرة المريضة. والحق اننا مرضى ذاكرة صنعنا بعضها بإرادتنا واختلقنا له جروحاً غير موصوفة. والحق ان وجهاً إلى الداخل ووجها إلى الخارج محكومان بالتشارك والتواصل. هذا ما فعلته الأيام حين أعيا الإرادة ان تفعله، وضعه الزمن حتى حين خالفته السياسات المنظورة وغير المنظورة. الحق أن طوبى الأخ الكبير والأخ الصغير الذي يتعهده بالرعاية والوصاية هي التي تحكمت زمناً ولا تزال لها في النفس بقيّة، طوبى الأصيل والأقل أصالة الذي يستمد من الأول ظل أصالة ولا يزال يشتريها منه بقدر من التواكل والانصياع والإتباع. طوبى كهذه سادت في يوم عقلنا السياسي ولا تزال لها فيه بقية وأرث مقسوم. إلا ان وصاية الكبير على الصغير وتشامخ الأصيل على الأقل أصالة لا يستويان إلا في زمن باد أغلبه ولم يعد منه سوى ذكريات ليست بالذكريات وانما هي أقرب إلى هذيان الذكرى. أما ما يبقى فهو ما تقوم به روابط لا تنقضي، فيها نصيب للتاريخ ونصيب للثقافة والتكامل والامتداد ونصيب للمصلحة والمستقبل، وهذه جميعها حية فاعلة. ماضينا الدموي غير بعيد وهو ماض أثخنت فيه القوى جميعها، لكن أخشى ما نخشاه ان يفلت الزمام في المقلب الآخر وان تدور طاحونة الدم وهي إذا دارت لا يشبع حجرها ولا يرتوي ولا يتوقف إلا بعد ان يحيل الأرض بحره دم، دم كثير تنبت فيه العداوات وتنتصب الضغائن وتستقوي النعرات فلا نعلم له أولاً من آخر. انها حقول القتل وربيع القتل وزمان القتل وهذه إذا افلت زمامها لم نعرف لها نهاية، ولسنا نعرف لها طبّاً ومن الممكن ان نداويها فتستفحل وتكون مداواتنا، من غير ان نعلمـ استثارة للداء وتهييجا له. ومن الممكن ان تخلص نوايانا لكن المسألة لا تسلم بالنوايا فقد تفعل البراءة فيها أكثر من الجناية، وقد يؤدي التسليم فيها دوراً ليس للنكوص، وقد تكون النوايا السليمة أكثر خطراً، فهذه أشياء لا نتعقلها بالهين ولا نسوسها بالهين فمركبها صعب ومهما فعلنا فإننا نشاء شيئا ويشاء التاريخ غيره. ونطلب شيئا ويجود الواقع بغيره، ونقصد إلى شيء ويشاء القدر شيئاً آخر. لا يسمع احد فحيح الدم ولا ينتبه إلى سريانه في الأرواح وفي الأشياء، وانما يقع ما يقع ويحصل بإرادة لا نعلمها، وطب نجهله، وعلم لم يصل إلينا، وبعد ذلك يجر الدم الدم ويستسقي النجيع النجيع ويسقط في أيدينا. غير ان حقول القتل إذا أينعت وأزهرت لا يكفينا ان نتهم القتل وندعي عليه، فالقتل لو شخص وكان إنسانا لكنا قتلناه. لكن القتل لا تقتله الكلمة، وإنما علينا ان نتهم القاتل ونتحراه. إن جيرتنا هي مع بلد وشعب وما رسمه الله لهذه الجيرة كان على هذا النحو. بلد وشعب تشهد بذلك الأرض والتاريخ واللغة والموقع. ولم يكن ذلك برسم عهد من العهود ولا زعيم من الزعماء ولا سيد من السادات. تتشابك الحدود وتتشابك الصلات وشيئ كالغابة يحصل من هذا التشابك لكنها غابة غير موقوتة بزمن ولا بحكومة. انها غابة التاريخ وغابة اللغة وغابة القربى ويمكن لذلك ان يشتدّ ويضعف من عهد إلى عهد ومن دولة إلى دولة. لكن الذي نعرفه ان هذا حكم التاريخ الذي لا ينزل عند أحد ولا يخضع لأحد. انه حكم الأرض التي لا تنصاع إلا لحكمها. انه حكم الشعب الذي لا يبدأ مع فرد ينتهي مع فرد. انه ما رسمه الله ورسمه القدر ورسمه المصير والزمن، وربما قالته الأشجار والأنهار والسواحل أفضل مما تقوله المراسيم. ولربما فهمناه من ألسنة الشعراء والكتّاب أكثر مما نفهمه على ألسنة الحكام. ففي حين كان التنازع على حد من الحدود اختلط الكلام وتداخل وسرى في بعضه بعضاً، تداخل الشعر وتداخلت اللغة وبقي الأمر هكذا، لم نقسم ولم نتخاصص ولم نضع يدا فوق الأيدي ولم نرفع سلطانا على ما لا يخضع لسلطان، ولا يمكن تقييده ولا تجنيده. عهدنا هو للشعب والأرض، انه عهد أزلي، وما بين الشعب والشعب والأرض والأرض ميثاق قد لا يفهمه الحكام وقد لا تفهمه الحكومات، لكننا نعلم ان المذبحة تخصنا، وان الدم الذي يسيل يخصنا، وان جبل الجثث وجبل القتلى يخصنا، وان حقول الدم تخصنا ولا يمكننا ان نطيق بعد حقلاً آخر للقتل وبركة اخرى للدم. الدم في الشوارع كما كان يقول نيرودا ونحن ننهض ونمشي على مزيد من الدم. انه شعبنا الذي يقتل، انها أرضنا التي تحترق. عند ذلك وعند ذلك وحده لا وزن للحدود، ولا وزن لقسمة الحدود او قسمة الدول فنحن نعلم ان الدم الذي يسيل هناك هو دمنا، وأن الذين يسقطون هم شعبنا ففي لحظة كهذه يكون الألم شاملاً والقتلى جميعاً أخوتنا. في لحظة كهذه ما من كبير او صغير، ما من أصيل او أقل أصالة، ما من ذكريات سيئة وذكريات حسنة. إن شبابا كريعان الربيع يسفك، أن عيوناً واسعة كالفجر تغمض، ان فتياناً كالأزهار يسقطون. في لحظة كهذه تبكي اللغة ويبكي التاريخ ويبكي الموقع وتبكي الحدود الحقيقية والحدود وغير الحقيقية. تبكي الأنهار والسواحل. في لحظة كهذه يبقى ما رسمه الله والقدر: أخوة باكية. تقوم الدول كما نعلم بدون طوبى على الإلزام والقمع. لسنا نستكثر على عهد ان يضبط وان يلزم وان يثيب وان يعاقب. لسنا نستكثر على دولة ان تقاصص وان تعاقب وان تسجن. لكننا نستكثر على عهد أن يثخن في الدم. نستكثر على دولة ان تضع بينها وبين الناس حد القتل. نستكثر عليها ان تبني على المذبحة، يقولون انهم مئات اولئك الذين ينزلون إلى الشوارع، مئات أم عشرات أم آلاف أم مئات الألوف، ما الذي يعطي للألوف حقوقا ليس للمئات، من الذي يبيح دماء العشرات او المئات، ليس في ذلك إلا منطق القوة العارية والجرداء. ليس في ذلك إلا منطق القتل والعدوان. التاريخ طويل وحكيم للغاية، لينظر هؤلاء إلى مستقبلهم. لينظروا إلى حكم القوة وإلى النهايات المنتظرة لحكم القوة، لن يجدوا سوى السراب. لن يجدوا سوى القدر الضاحك والساخر، سوى باطل الأباطيل سوى قبض الريح.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...