الرئيسية / صفحات مميزة / ” قرار مجلس الأمن الدولي 2254″ الخاص بسورية –تحليلات ومقالات-

” قرار مجلس الأمن الدولي 2254″ الخاص بسورية –تحليلات ومقالات-

أوباما يغادر… بشار يبقى/ عمر قدور

على عكس ما يشيعه المتفائلون بصدور قرار مجلس الأمن الرقم 2254 حول سورية، يُرجح أن تكون السنة المقبلة أقسى من سابقاتها في ما يخص فصائل المعارضة، والمدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

الأخبار التي نقلها أهالي المعضمية في غوطة دمشق الغربية عن استهدافها بالغازات السامة من قبل قوات النظام ليست سوى تفصيل صغير، وفي أقصى الحالات إذا تم إثبات عدم تقيد النظام باتفاق حظر الأسلحة الكيماوية فذلك لن يعرّضه لأية عقوبة. في الواقع، الأسلحة المحرّمة دولياً يستخدمها الطيران الروسي وطيران النظام على نحو معتاد، وأهمها القنابل العنقودية والبراميل المتفجرة.

الهدف الذي لا يخفى على أحد هو تصفية كل الفصائل العسكرية، المعتدلة منها قبل المتطرفة، مع «تأديب» مَنْ تبقى من أهالي المناطق الثائرة، ومن ثم إعلان انتصار النظام نهائياً وطي صفحة التغيير. الخلاف بين موسكو والعواصم التي تدّعي صداقة سورية حول تصنيف الجماعات الإرهابية ليس ذا أهمية، طالما تستهدف الأولى الفصائل وفق أولوياتها وأولويات النظام، وطالما لم يبادر الأصدقاء إلى دعم مَنْ يصنفونه معتدلاً.

الأسوأ أن تُدرج الأعمال الحربية للنظام وحلفائه الآن في سياق سياسي، وأن يُنظر إليها كسلوك «مشروع» لتحسين الموقع التفاوضي، وتُنزع بذلك من سياقها الأصلي كجرائم إبادة تعبّر عن طبيعة النظام الذي يُراد إبقاؤه.

النصر الأول الذي تحقق للنظام في قرار مجلس الأمن جعل حربه على السوريين حرباً سياسية، ما يخرجها من مطرح الأسئلة الأخلاقية ومساءلات القانون الدولي. لكن الأهم هو اتفاق الأجندة بين موسكو وواشنطن على إتاحة الفرصة لروسيا وللنظام للقضاء على المعارضة بالمعنى الجذري، مع تطويع جزء منها يقبل بالشراكة مع النظام.

ما يُسمى عقدة الأسد، التي كان يُشاع دائماً أنها تعرقل التفاهم الدولي والإقليمي، رُحِّلت عملياً إلى أمد يطابق مهلة المفاوضات والمرحلة الانتقالية ويمتد إلى سنتين. وأهم ما أنجزته الإدارة الأميركية في هذه الصفقة مغادرة أوباما البيت الأبيض بينما يبقى بشار في سدة الرئاسة، تحت اتفاق غامض لا يضمن بقاءه ولا رحيله. غموض مصير بشار أفضل اتفاق تستطيع إدارة أوباما الحصول عليه، فهي غير قادرة على التورط أخلاقياً بتثبيته رئيساً، ولا ترغب في أدنى تورط يترتب على رحيله.

في العديد من التجارب الدولية السابقة، كان وجود عملية سياسية ضعيفة غطاء لتصاعد النزاع وعدم وجود رغبة دولية جادة في وقفه. في سورية، ثمة عنوان واضح للتنصل من العملية السياسية مع إبقائها شكلياً: الحرب على الإرهاب. الأمر هنا لا يتعلق باختلاف على تصنيف الفصائل المتطرفة، بل إن ما يظهر مُتفقاً عليه منذ البداية يعني عدم توقف إطلاق النار، وإتاحة الفرصة كاملة لقتل المعتدلين أسوة بالمتطرفين.

«جبهة النصرة» ستكون الذريعة التي لا اختلاف حولها لضرب الجميع، فلا أحد يجادل في انتماء «النصرة» إلى تنظيم «القاعدة»، ولا أحد يستطيع التفاوض على استثنائها من الحرب على الإرهاب.

أخيراً، في واقع ميداني شديد التشابك والتعقيد، لا أحد يستطيع رسم حدود ثابتة لتواجد «النصرة»، بخلاف الحدود التي ترسمها «دولة» «داعش» لوجودها.

من السطحية بمكان القول المتكرر حول كذب موسكو في ما يخص الإرهاب، ولننسَ موقتاً تصنيفها الجميع كإرهابيين. ما يُعيب هذا القول أن من يكرره من المسؤولين لا يطالب بتمكين من يصنّفهم معتدلين من الدفاع عن أنفسهم، أي أن غاية القول تتوقّف على تسجيل نقطة في المرمى الروسي. الأسوأ من ذلك، أن استمرار الحرب المعممة، بذريعة الحرب على الإرهاب، وصفة داعشية بامتياز وفق ميزان القوى الحالي، لأن أخطر نتائجها يتجلى في وضع المعتدلين بين قطبي رحى النظام والتطرف. التطرف لا يكسب المعركة فقط بسبب النقمة الناجمة عن اللامبالاة الدولية كما يُشاع. هو يكسبها أولاً على الأرض لأن التنظيمات المتطرفة أكثر تمويلاً وأوفر تسليحاً وعتاداً. في حالتنا، معلوم حيازة «جبهة النصرة» الأرجحية التمويلية والتسليحية مقارنة بغالبية الفصائل التي تُصنف معتدلة، ولا يفوت على أدنى ذكاء أن «النصرة» في حال تخصيصها حقاً بالحرب على الإرهاب ستهاجم الفصائل المعتدلة في أماكن السيطرة المشتركة بوصف الأخيرة من معسكر الأعداء، وستكسب المعركة مثلما تكسبها في حال استهداف الجميع واضطرارهم إلى التنسيق معها في مواجهة الاعتداء.

أثبتت تجربة السنوات الثلاث الأخيرة أن لا معنى للحديث عن خطر التطرف في وقت لا يبادر فيه أصحاب الحديث إلى دعم ما يرونه اعتدالاً، في الحرب السورية الطاحنة لا وجود للترف النظري الذي يمارسه سياسيون ومحللون من دون فعالية ملموسة. ميزان القوى على الأرض هو الذي يتحكم بالتحالفات والعداوات، فضلاً عن عدم وجود ناظم مشترك لتلك التحالفات أو العداوات على مجمل مساحة الحرب.

ما أضافه العدوان الروسي على سورية لا يُختزل فقط بالدعم العسكري، فتولي إدارة بوتين الجانب السياسي أمر لا يقل أهمية وخطورة لتمرير أهداف العملية العسكرية بيسر أكبر. في البداية أعلنت موسكو عملية لا تتعدى الثلاثة أشهر، ورُوّج وهم التعاون معها في عملية سياسية تنقذها من التورط المقبل في سورية. لكن العملية السياسية التي فرضت موسكو بنودها ستكون بمثابة التزام من طرف واحد لأنها لن تكون طرفاً في وقف النار المزعوم، ولأنها ستصرّ في المقابل على وقف الدعم الشحيح المقدم للفصائل المعتدلة، ومن المرجح أن تحظى مطالبها بدعم إدارة أوباما غير المتحمسة أصلاً لمجمل الفصائل المقاتلة، ولا تتفق مع أولوياتها المتعلقة بإسقاط النظام.

أسوأ ما في السيناريو السوري المقبل تسويقه كخطة تتجاوز النتائج الكارثية للتغيير في العراق وليبيا، إذ لا مبرر للقول إن التدخل العسكري الروسي في سورية سيؤدي الى نتائج أفضل من التدخل الغربي في بلدان أخرى، إن لم يكن لنا الجزم بالعكس تماماً. الفرضية الأخرى الأسوأ تنص على القضاء على «الإرهاب» الذي أتيحت له كل الفرص للتمركز في سورية، وعلى حساب السوريين أولاً وآخراً. «العدالة» الوحيدة التي قد تتحقق في هذه الفرضية أن ينجح كل إرهاب بالهروب والعودة إلى أهله.

الحياة

 

 

 

بنك الأهداف في سورية/ باسل العودات

بعد أن اجتمعت مجموعة العمل الدولية من أجل سورية في جنيف منتصف عام 2012 وأصدرت (بيان جنيف)، قرر المجتمع الدولي أن نهاية الأزمة السورية لا بد وأن يكون سياسياً لا عسكرياً، وبدأ بوضع خطط ومبادرات لإيجاد حل سياسي لأزمة أوشكت أن تُنهي عامها الخامس وهي تزداد ضراوة ودموية.

منذ ذلك الوقت بدأ (أو تظاهر) المجتمع الدولي بأنه بدأ يبحث عن طرق ووسائل لفرض حل سياسي على أطراف الأزمة السورية الداخلية والخارجية، وتبنّى مبادرات عدة، واستضاف اجتماعات يصعب حصرها، ولم تبق دولة معنية بالشأن السوري إلا وتحركت على أكثر من صعيد للتأكيد على اهتمامها بذلك، أو لجعل الحل يتقدّم خطوة ملموسة واحدة، لكن دون جدوى.

عُقدت مؤتمرات كثيرة واجتماعات ثنائية وجماعية، وطولبت المعارضة السورية بتقديم برامجها الواضحة للحل السياسي وللمرحلة الانتقالية ومرحلة ما بعد تغيير النظام، وبالفعل قدّمت ما طُلب منها في اسطنبول والقاهرة وباريس، ثم طولبت بتوحّد رؤاها فتوحدت في الرياض، ثم طولبت قوى المعارضة المسلحة أن تُعلن رفضها للإرهاب وتبدأ محاربته ففعلت وخسرت كثيراً في حرب شرسة ضد النظام من جهة وقوى الإرهاب من جهة ثانية، وكل ذلك لم يدفع بالحل السياسي نحو الأمام قيد أنملة.

ما حصل بعد مؤتمر جنيف قبل ثلاث سنوات ونصف، وهو المؤتمر الذي أقرّ وحدانية الحل السياسي، هو أن زاد النظام السوري من مستوى حربه على الشعب، فاستخدم سلاح الطيران والكيميائي وصنع ميليشيات طائفية منفلتة قتلت دون حساب أو محاسبة، وسيطرت إيران على قرار النظام السوري السياسي والعسكري، وعاثت فساداً في سورية ودمّرت بنية المجتمع وفككته وخرّبت العيش المشترك، وتدخلت روسيا عسكرياً لتشارك النظام السوري في جرائم الحرب التي ارتكبها وما يزال، ولتدمر وتقتل أكثر فأكثر، أما تنظيم الدولة الإسلامية المشكوك بعلاقته العضوية مع النظام وإيران فقد سيطر على قسم كبير من سورية بعد أن كان يسيطر على بعض المناطق في ذلك الوقت، كما أقام أكراد متعاونون مع النظام كانتونات كردية بإدارة ذاتية بما يشبه الانفصال، واستكمل النظام حربه ليرفع عدد القتلى من سبعين ألفاً قبل مؤتمر جنيف إلى نحو نصف مليون الآن، كما تم تدمير أهم المواقع الأثرية في سورية، وما تبقى من مستوصفات ومشافٍ ومراكز إغاثة في مناطق سيطرة المعارضة.

هذه بعض النتائج العملية لبحث المجتمع الدولي عن حل سياسي للأزمة السورية منذ مؤتمر جنيف وحتى اليوم، أما النتائج السياسية فقد تجلت أساساً في زيادة حدة الخلافات بين الدول المعنية بالأزمة وتوتر العلاقات بينها إلى درجات تلامس الخطر.

من الواضح أن المجتمع الدولي الذي يبحث عن حل سياسي للأزمة السورية لم يُدرك أن إيران وروسيا استثمرتا المليارات في سورية لتحقيق أهدافهما، وقامرتا بسمعتهما الدولية من أجل ذلك، وضربتا بعرض الحائط كل القيم الإنسانية والسياسية والبشرية والدينية من أجل الوصول لأهدافهما، وإن لم يحققا ذلك سيستمران بفعل كل شيء إلا التفكير بالحل السياسي.

من الواضح أنه ما لم تُحقق إيران وروسيا ما تريدانه في سورية فإن الحرب لن تنتهي ولن يمر أي حل سياسي كان أم غير سياسي، ففي روسيا ثمة من يريد توسيع امبراطوريته واستعادة مجد (عزيز قوم ذلّ)، ويريد السيطرة على الشرق الأوسط سياسياً وعسكرياً، وإقامة قواعد حربية تُخيف الأصدقاء قبل الأعداء وتُرعب الطامعين، والهيمنة على طرق التجارة العالمية ومخازن النفط المزعومة في عمق المتوسط وإعادة رسم خطوط توزيع الغاز، أما في إيران فهناك من يريد أن تصبح إيران قوة إقليمية عبر استعراض عضلاتها في سورية، ويعمل في نفس الوقت لإقامة هلال شيعي يصل أفغانستان بلبنان، ونصر إيديولوجيته على كل الإيديولوجيات الأخرى، ويسعى للقصاص للحسين الذي قُتل قبل أربعة عشر قرناً، ويحلم بعودة مُظفّرة لكسرى أنو شروان والرجوع بالزمن ومحو الهزائم المُذلّة التي مني بها الفرس والانتصار من جديد ـ افتراضياً ـ في معارك القادسية وذات السلاسل والولجة ونهاوند.

ما لم تُحقق إيران وروسيا بنك أهدافهما في سورية فإنهما لن تمدا اليد لأي حل سياسي، ولن تقوما بأي مبادرة حسن نيّة، وستستمران في تعطيل كل الحلول السياسية منها وغير السياسية، وستشجعان النظام على ممارسة كل عنفه وكذبه وتلونه لتعطيل أي شيء، وستضربان بعرض الحائط الإرادة الدولية الجمعية وقواعد حسن الجوار وتغامران بمستقبل المنطقة كلها دون أن يهز لهما جفن.

عملياً، هنا تبدأ المشكلة وهنا تنتهي، وكل ما عدا ذلك مضيعة للوقت، وأمام السوريين والمجتمع الدولي احتمالان، إما تقديم كل ما تريده إيران وروسيا على طبق من ذهب، دون مناكفة وخلافات وحروب، وليذهب الشعب السوري للجحيم وكفى المؤمنين شر القتال، أو أن يقف المجتمع الدولي، وأمريكا بالخصوص، موقفاً صلباً واضحاً حاسماً قوياً لتقول لهما كفى، عندها سيعرفان أن عبثهما وراء الحدود قد انتهى، لكن يبدو أن ذلك لن يتحقق الآن، وعلى السوريين العض على أصابعهم على أمل أن يتحقق ذلك عندما يأتي سيد جديد للبيت الأبيض.

المدن

 

 

 

 

اتفاق يفتح نافذة للحل/ ميشيل كيلو

لا شك في أهمية ما توصلت اليه الدولتان الكُبريان في اتفاقهما، أخيراً، حول الحل السياسي في سورية. هذه أول مرة تتفق فيها الدولتان على آليات الحل وتحقيبه، انطلاقا من وثيقة جنيف 1 مرجعية ملزمة، واستناداً إلى تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية التي يبدأ الحل بها. صحيح أنه سبق للدولتين أن أقرّتا شيئاً مشابهاً، هو وثيقة جنيف 1، إلا أن خلافاتهما حول قضايا غير سورية أساساً حالت دون تطبيقه في جنيف 2. أما اليوم ، فإن فرص الحل السوري تتعاظم، لأن واشنطن وموسكو في طريقهما إلى تسوية ما وقف من تناقضات وخلافات بينهما، ومنع اتفاقهما على الحل قرابة ثلاثة أعوام. بكلام آخر: ليس نص القرار الحالي هو الجديد، فهو موجود، بهذه الطريقة أو تلك، منذ يونيو/ حزيران من عام 2012. الجديد هو بيئته الدولية، أي تفاهم الروس والأميركيين على حل في سورية وأوكرانيا، يسوّي المشكلتين بالتقابل، فيوافق الأميركيون على ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، في حال وافق سكانها على الضم، في استفتاءٍ تشرف عليه الأمم المتحدة وقبلته أوكرانيا، وتتخلى روسيا، في الوقت نفسه، عن تعطيل الحل في سورية، وتوافق على مرجعية جنيف 1 وآليات تطبيقه، وخصوصاً منها تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، ووحدة سورية دولةً ومجتمعاً، ونظامها البديل: التعددي والمدني والبرلماني، وكبح خطر الإرهاب عليها في الحقبة المقبلة.

السؤال الآن: هل سيطبق الاتفاق الجديد؟ إذا نجح التفاهم على أوكرانيا، وتم رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية عن روسيا، فإن ذلك سيؤسس أرضية مشتركة توافقية وشرعية، لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 ، تقبل تشكيل “الهيئة الحاكمة الانتقالية” كاملة الصلاحيات، التي ستتولى وظائف الأسد. وإذا كانت هناك خلافات وصفها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بالحادة حول مصيره، فلأن روسيا تريد استخدامه ورقة ضغط في المسألة الأوكرانية، وأداة لـ “فركشة” الحل، في حال أخلّت أميركا بالتزاماتها الأوكرانية، وتعنتت في قضايا أخرى عالقة، تتعلق بالتفاهم على مكانة موسكو ودورها في عالمٍ يشهد تحولاتٍ كبرى، تنقل مركز ثقل مصالحه من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، قد تدفع روسيا إلى خارج دائرة التأثير والفعل في حاضر العلاقات الدولية ومستقبلها، وهي التي تمارس، منذ بعض الوقت، سياسات قوة غير مقبولة في مسائل إقليمية، تنتمي إلى دائرتها الجغرافية والسياسية المباشرة، في حين تمثل سورية، بالمقارنة معها، جزءاً من دائرة خارجية، دولية الطابع، تمسك بها وتستخدمها، للوصول إلى مواقع سبق أن كان للاتحاد السوفييتي مكانة خاصة فيها، وخصوصاً في الشرق العربي والأوسط، حيث لها اليوم قواعد عسكرية وعلاقات أمنية خاصة، وتحاول لعب دور قيادي في الحرب ضد الإرهاب، بالتوازي مع واشنطن اليوم، وبالتعاون معها غداً، في حال تم التفاهم على المشكلات القائمة بين الجانبين، وبالتبعية على حل سياسي للمعضلة السورية.

هناك فارق بين “جنيف” وقرار مجلس الأمن الحالي، هو التالي: بينما جعل جنيف البديل الديمقراطي مآلاً حتمياً لعمل الهيئة الحاكمة الانتقالية، وألزم الطرف الآخر المشارك في تكوينها بهذا الخيار، فرض القرار الحالي إصلاحاً دستورياً تعقبه انتخابات، يرجح أن تكون تنافسية بين شريكي الهيئة، إن فاز الطرف الحكومي فيها، قام نظام تعددي/ انتخابي ولا طائفي، لكن ديمقراطيته ستكون محدودة أو مقيدة، بل إنه قد لا يكون ديمقراطياً بالمرة.

باختصار: هذا اتفاق أولي ثان، أنتجته تفاهمات الدولتين الكبريين حول مشكلات عالقة بينهما، لا علاقة لسورية بها، يترك للسوريين مشكلاتٍ سيكون من الصعب عليهم حلها بمفردهم، تتصل بتطبيق مبدأ التراضي الذي لعب دوراً مهماً في تعطيل جنيف 1 وإفشال جنيف 2، وبالتالي، بفرص قيام “الهيئة الحاكمة الانتقالية” التي يتعارض وجودها ودورها مع وجود الأسد ودوره، وهو صديق موسكو الذي تعلن تمسكها به. هناك أيضاً مشكلات لم يتم التطرق إليها في القرار، أهمها الوجود الحربي الروسي في سورية، وتحديد هوية التنظيمات الإرهابية، وما إذا كان سيتم وفق معايير تأخذ بالاعتبار مصالح الشعب السوري ومطالبه.

إنها خطوة أولى على قدر كبير من الأهمية، تفتح أبواباً للحل، من غير الجائز أن يسمح العالم لأية جهة بإغلاقها.

العربي الجديد

 

 

 

سورية.. ثغرات وتراجعات في القرار 2254/ ميشيل كيلو

بغض النظر عن الجدل الدائر بشأن إمكانية تطبيق القرار الدولي بشأن سورية، رقم 2254، والذي أصدره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم 18/12/2015، فإن إصداره يعتبر، بحد ذاته، نتاج حدثين مهمين: التفاهم الأميركي/ الروسي حول المسألة الأوكرانية، والذي قام على رفع العقوبات الدولية عن روسيا، وقبول ضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، في حال قبل سكان شبه الجزيرة الأمر، في استفتاء يجري بإشراف الأمم المتحدة، ووافقت الحكومة الأوكرانية على الضم. والحدث الثاني هو قبول الطرفين المتحكمين بالصراع في سورية بتسويةٍ تقوم على تنازلات وتوافقات متبادلة بينهما، تبدّت في بنود رئيسة، تعتبر مفتاحيةً لاتفاق الطرفين السوريين المنخرطين في الحرب الدائرة في بلادهما منذ نيف وأربعة أعوام. لم تكن هذه التسوية بين الجبارين قائمة بعد في مفاوضات جنيف 2 ففشلت، فهل يعني توفرها، اليوم، أن المفاوضات المباشرة بين السوريين ستفضي حكماً إلى حل في المدد الزمنية التي حددها القرار الدولي، وتتراوح بين ستة واثني عشر شهراً؟ أعتقد أن في تحليل القرار، ومتابعة علاقات الدولتين الكبريين، ومسارات صراعاتهما وتوافقاتهما، الإجابة عن هذا السؤال الصعب الذي تحول دونه اليوم انزياحات مهمة في القرار الدولي عن بيان جنيف 1، وزئبقية علاقات الجبارين، وما يشوبها من غموض، وتخضع له من مفاجآت.

لنبدأ بالجانب الإنساني من القرار الذي يغطي معظم ما يحتاج إليه الشعب السوري، في حال أريد له الانتقال من حال التمزق والتشتت الراهنة إلى حال يمكن التعايش معها. يدعو القرار 2254 إلى “وصول الوكالات الإنسانية السريع والآمن غير المعرقل إلى جميع أنحاء سورية، وخصوصاً في المناطق المحاصرة، وإلى الإفراج عن المحتجزين بشكل تعسفي، لا سيما النساء والأطفال”، وإلى التنفيذ الفوري لقرارات دولية، سبق أن صدرت عن مجلس الأمن، بخصوص رفع حصار النظام عن المناطق التي يجوّعها ويقصفها بالبراميل … إلخ، كما يدعو إلى “وقف الهجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية بحد ذاتها. وضد المرافق الطبية والعاملين فيها، ووقف الاستخدام العشوائي للأسلحة، بما في ذلك القصف المدفعي والجوي”. ويقرر “عودة اللاجئين والنازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، وتأهيل المناطق المتضررة وفقاً للقانون الدولي”.

“ثغرات كثيرة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهناك تراجعات خطيرة عن بيان جنيف، وهناك تناقضات بين فقراته ومسوغاته، وهناك، أخيراً، ضرورة لتكليف هيئة خبراء بدراسته بالتفصيل، وإصدار موقف رسمي ومعلن منه”

يجب أن يكون هذا الجانب جوهر إجراءات بناء الثقة، ولا بد أن يحظى بدعمٍ مطلق من المعارضة والجيش السوري الحر، وأن يكون نقطة جوهرية وأولوية في المفاوضات والحل يعتبر الالتزام بها وتحقيقها معيار أي انخراط جدّي في التفاوض، على أن يشمل وقف قصف المدنيين القصف الروسي/ الإيراني، ويلتزم الطرف الآخر بموعد الشهرين الزمني الذي حدّده القرار الدولي لتنفيذه. ويقدم أمين عام الأمم المتحدة بعده تقريراً تفصيلياً عن التنفيذ، يحدد فيه الجهات التي التزمت به، وتلك التي خالفته. ومن الضروري أن يعلن وفد المعارضة إلى المفاوضات منذ اليوم أن تلاعب النظام والجانب الروسي/ الإيراني بتطبيق الجوانب الإنسانية من القرار 2254 سيوقف مشاركته في المفاوضات، وأنه لن يعود إليها قبل تنفيذ جميع ما نص عليه حول هذا الجانب.

ثمة نقطة أخرى تتعلق بالاجتماعات التي عقدت في القاهرة وموسكو، وحضرها سوريون بدعوة من العاصمتين، ويساوي القرار بينها وبين ما يسميه “جدوى اجتماع الرياض، الذي تسهم نتائجه في التمهيد لعقد مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بشأن التوصل إلي حل للنزاع، وفقاً لبيان جنيف وبياني فيينا، في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف أساساً لانتقال سياسي”. لأي سوري الحق في حضور ما يريده من اجتماعات، والقيام بما يطيب له من زيارات، وقد ذكر القرار القاهرة وموسكو في سحبة واحدة، لكن هذا لا يجوز أن يجعلنا نتعامى عن الفارق بين من اجتمعوا تعبيراً عن موقف سوري، وأولئك الذين عبرت اجتماعاتهم عن قبولهم بمواقف الدول التي دعتهم، ولم تكن في أي وقت متفقة مع مصالح الشعب، أو معبرة عنها، بل لعبت الدور الرئيس في انزياح القرار رقم 2254 عن بيان جنيف، وأن مساواة جميع الاجتماعات لا بد أن يكون مرفوضاً، وأن من يمكن أن يدعى للانضمام إلى الوفد المفاوض يجب أن يكون موافقاً على برنامج العمل الوطني الذي بلوره الائتلاف شرطاً لقبوله في الصف الوطني المعارض.

أعتقد أن تحقيق متطلبات الجانب الإنساني يجب أن يكون الهدف الرئيس الذي يمكن (ويجب) تحقيقه في المفاوضات، بالنظر إلى صعوبة تحقيق الأهداف الأخرى المتصلة بالتسوية والحل السياسي، والتي أجمل ملاحظاتي عليها على النحو التالي:

ـ فيما يتعلق بوقف إطلاق النار: نص القرار على قبول وقف إطلاق النار مبدأ عاماً، لكنه “جعل دخوله حيز التنفيذ ممكناً بمجرد أن يخطو ممثلو الحكومة والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقالٍ سياسيٍّ، برعاية الأمم المتحدة، استناداً إلى بيان جنيف”. بكلام واضح: لن يطبق وقف إطلاق النار قبل المفاوضات، بل بعد تحقيق نجاحٍ فيها، وسيكون تنفيذه مرهوناً بالخطوات المطلوبة نحو الانتقال السياسي، فإذا لم تتوفر هذه الخطوات لأي سبب استمر إطلاق النار، الأمر الذي يتعارض مع الموافقة على مبدأ وقفه من جهة، ويضع مصيره في يد من لا يريد حلاً سياسياً من جهة أخرى، مع التذكير بأن النظام أعلن رفضه الالتزام به في أكثر من مناسبة. هذه مشكلة يجب أن يجد الوفد المفاوض حلاً لها مع ممثلي الأمم المتحدة أو عبر مذكرة خاصة، ترسل إلى أمينها العام، تلفت نظره إلى أن فصل تنفيذ وقف إطلاق النار عن قبول الأطراف المتصارعة به مبدأً يقوّض إجراءات بناء الثقة، ويحول دون تطبيق الجانب الإنساني من القرار الدولي، قبل أن تطالبه بجعل التنفيذ سابقاً للتفاوض، باعتباره جزءاً من حماية المدنيين السوريين. مثلما يجب لفت نظره إلى أن “تحديد طرائق وشروط وقف إطلاق النار من الأمم المتحدة، ووضع آلية لرصد الوقف يوافق عليها مجلس الأمن في موعد لا يتجاوز شهراً من تاريخ اتخاذ القرار” لا يجوز أن يخضع لقرار طرفٍ مفاوضٍ، بالامتناع عن تحقيق خطوات أولى نحو الانتقال السياسي الذي يقول القرار “إنه يجب أن يكون جامعاً، وبقيادة سورية، تتبني التطلعات المشروعة للشعب السوري”.

ـ فيما يتصل بالهيئة الحاكمة الانتقالية: يقول القرار إن الحل الدائم “للأزمة” من خلال عملية سياسية جامعة، يستهدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف1 والقرار 2118، بسبل منها إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة، تخول سلطات تنفيذية كاملة، تعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية”.

يجعل نص القرار 2118 الذي يقول القرار 2254 “إن تطبيقه يتيح الحل الدائم للأزمة”، تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية “بداية الحل السياسي”، ويعينها أداة وحيدة لإنجاز الانتقال إلى النظام الديمقراطي. أما في القرار 2254، فهي تصير “أحد سبل الحل”، ويصير هناك من “يخولها” سلطاتها التنفيذية الكاملة، بعد أن كانت في وثيقة جنيف 1 مرجعية نفسها، وليس هناك أية مرجعية خارجها أو مخولة بتشكيلها. في الوقت نفسه، انقلبت المحافظة على مؤسسات الدولة في جنيف إلى “كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية” في القرار 2254، كيف يكون بيان جنيف مرجعية الحل، إذا كان يتم التخلي عن الهيئة الحاكمة الانتقالية، ويتم تحويل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات الحكومة؟

لا يجوز القبول بهذين التراجعين الخطيرين تحت أي ظرف، لأنهما يجعلان الحل أسدياً بكل معنى الكلمة، ولا مفر من أن تبقى الهيئة أداة وحيدة لإنجاز حل سياسي، هي مرجعيته التي لا مرجعية لها من خارجها، وتشكل نفسها بنفسها من دون أن يشكلها أحد. عندما يقال إنها أحد سبل الحل، وإن هناك من يخولها سلطاتها، فهذا يعني، عملياً، الإبقاء على بشار الأسد أو من يماثله في السلطة. كما أن استمرارية مؤسسات الدولة شيء واستمرارية المؤسسات الحكومية شيء آخر، هو نقيضه في حالتنا السورية. المحافظة على الجيش مؤسسة دولة تختلف جذرياً عن المحافظة عليه مؤسسة حكومية. إنه في الحالة الأولى مؤسسة توجد الدولة بها، وفي الثانية مؤسسة حزبية تلغي الدولة، وترتبط بسلطة حكومية استبدادية مجرمة، فتكت بالشعب، بأمر من رئيسها، يعني استمرارها استمرار نظامه ورئاسته، علماً أن جيش الدولة لن يقوم، إن بقي في بلادنا الجيش الحكومي الحالي، الذي أباد شعبنا بأكثر الصور وحشية، وحاكت همجيته ما فعلته جيوش الاستعمار في مستعمراتها.

“نعم لاستمرار مؤسسات الدولة، ولا صارخة للمؤسسات الحكومية الحالية التي يعني استمرارها بقاء النظام وفشل الثورة ورفض مطالب الشعب، ويناقض استمرارها مع ما يطالب به القرار، في إحدى فقراته”

نعم لاستمرار مؤسسات الدولة، ولا صارخة للمؤسسات الحكومية الحالية التي يعني استمرارها بقاء النظام وفشل الثورة ورفض مطالب الشعب، ويناقض استمرارها مع ما يطالب به القرار، في إحدى فقراته، تجعل بحرفية نصها “تبني هذه المطالب هدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف”. هنا أيضاً، لا بد من موقف واضح لصالح الهيئة أداة وحيدة، يعني الحل السياسي تشكيلها وإنجازها الانتقال الديمقراطي، فان استبدلت بغيرها غاب الحل واستحال بلوغه. ولا بد أيضاً من موقف صريح لصالح مؤسسات الدولة، باعتبارها نقيض المؤسسات الحكومية الحالية التي لا يجوز أن تستمر، بل ولا بد من القضاء التام والناجز عليها في أي حل سياسي.

ـ وصف القرار 2254 “الحكم” السوري المنشود بأنه “ذو مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية”، وكان “جنيف” قد جعل للمفاوضات هدفاً وحيداً، هو نقل سورية إلى الديمقراطية. هل “الحكم” الذي يذكره القرار 2254 يساوي، في طبيعته ووظائفه، النظام الديمقراطي؟ ألا يمكن أن يقوم في سورية حكم (لماذا تخلوا عن النظام لصالح الحكم؟) له مصداقية وشامل، ولا يقوم على الطائفية، من دون أن يكون ديمقراطياً؟. أعتقد أن هذا ممكن، ومرفوض، وأنه لا بد المطالبة بتصحيح هذه النقطة في رسالة المعارضة إلى أمين عام الأمم المتحدة.

ـ ليس بشار الأسد موجوداً باسمه في القرار 2254، على الرغم من أنه موجود بصلاحياته ومؤسساته. هذا مرفوض، ويعد انتهاكاً خطيراً لبيان جنيف الذي يتكرّر ذكره مرات كثيرة، مع أنه يفرغ من مضمونه في كل مرة. لا بد أن يصحح هذا الوضع أيضاً، وأن نلح على تعريف معنى الصلاحيات التنفيذية الكاملة للهيئة الحاكمة الانتقالية التي أعطاها لها بيان جنيف، وفسّرها مجلس الأمن بقرار خاص، ويقتل الخروج عليه فرص الحل والسلام، ويخرج الأمور عن نصابها الصحيح، ويبقي النظام حيث هو، ويضع المعارضة في جيبه، حسب ما يقترحه الروس في حلهم الذي يمكّن الأسد من احتوائها وإخضاعها، بعد تحويل بعضها إلى موظفين في مؤسساته الحكومية التي يريد القرار 2254 استمرارها. لا داعي للقول إن هذا يجب أن يكون مرفوضا، جملة وتفصيلاً.

ـ لا أثر لكلمة واحدة في القرار 2254 حول الاحتلالين الروسي والإيراني لبلادنا، فكأنهما ليسا عامل إفشال للحل السياسي، لمجرد أن أولهما وافق على القرار، وثانيهما احتمى به. لا بد من معرفة مصير الاحتلالين، قبل الذهاب إلى التفاوض، ولا مفرّ من وجود ضماناتٍ بأنهما ستوقفان قصف المدنيين، وستجمدان أنشطتهما العسكرية ضد الجيش الحر، وتلتزمان بوقف إطلاق النار، وانهما ستنسحبان من بلادنا قبل إنجاز الحل، وإن هذا كله يجب أن يسجل في قرارٍ يصدر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع.

ـ ما هي منظمات الإرهاب، وأين توجد، وهل سيكون للمعارضة دور في تحديد تنظيماتها، أم أننا سنقبل ما يصنفونه في البلدان الأخرى، وفق معايير لا نقرّ معظمها، لكونها تراعي أمنها، ولا تراعي أوضاعنا؟

هناك ثغرات كثيرة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهناك تراجعات خطيرة عن بيان جنيف، وهناك تناقضات بين فقراته ومسوغاته، وهناك، أخيراً، ضرورة لتكليف هيئة خبراء بدراسته بالتفصيل، وإصدار موقف رسمي ومعلن منه، يكون مرجعية الوفد المفاوض والحركة الوطنية السورية، ودليلاً نلتزم به أمام شعبنا.

العربي الجديد

 

 

 

 

حل سياسي وسط في سورية/ حسين عبدالعزيز

منذ بدء الأزمة السورية أجهضت روسيا أربعة مشاريع قرار في مجلس الأمن، ثلاثة منها بين عامي 2011 – 2012 والرابع عام 2014، فيما أصدر مجلس الأمن الدولي سبعة بيانات رئاسية غير ملزمة، وثلاثة عشر قراراً حول سورية، وجميع هذه القرارات يمكن وصفها بالإجرائية، أي لم تكن تصيب جوهر الأزمة السورية وآلية الحل السياسي، باستثناء القرار الدولي الأخير 2254.

لأول مرة يصدر قرار دولي يحدد تفاصيل آلية الحل السياسي مع سقف زمني، وإن كان السقف السياسي ما زال مفتوحاً (مصير الأسد)، ولم يكن في الإمكان صدور هذا القرار لولا التفاهم الروسي – الأميركي الذي تطلب تنازلات من كلا الطرفين، فروسيا ليست معنية بإطالة أمد الحرب والغرق في المستنقع السوري ذي التكلفة المادية الباهظة، والولايات المتحدة معنية بوضع خريطة طريق سياسية للحد من انتشار الإرهاب على مستوى العالم، ومعنية بإنجاز سياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ليس القرار كما يذهب البعض مجرد تنازل أميركي لروسيا، فمن يمعن النظر فيه يجد أن التنازلات متبادلة: قبلت واشنطن بالرأي الروسي في ترحيل عقدة الأسد إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، ويترك أمره للسوريين في صناديق الاقتراع، وهذا تنازل أميركي معقول بلغة السياسة وليس بلغة الوجدان، شرط أن يكون المناخ السوري الداخلي مهيئاً لانتخابات ديموقراطية خارج سلطة الأمن.

تنازلت روسيا لأميركا في ما يتعلق بالصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملاً ببيان جنيف عام 2012، ومؤتمر فيينا الأخير، «يعرب مجلس الأمن في هذا الصدد عن تأييده لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية، على أن يدخل حيز النفاذ بمجرد أن يخطو ممثلو الحكومة السورية والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقال سياسي برعاية الأمم المتحدة»، والمعلوم أن النظام ظل على مدار السنوات السابقة يطالب بأولوية محاربة الإرهاب قبل الشروع في المسار السياسي، وهو الموقف الذي تبنته موسكو وطهران، والأخيرة قدمت في هذا الخصوص مبادرة من أربع نقاط في آب (أغسطس) الماضي.

تنازلت روسيا للولايات المتحدة عبر استبعاد عبارة «التسوية السياسية» فيما تنازلت الولايات المتحدة باستبعاد عبارة «التغيير السياسي» التي طالبت بها دول إقليمية وأوروبية، وتم اعتماد عبارة وسط «الانتقال السياسي»، وفي حين تحيل العبارة الروسية طرفي الأزمة إلى متساويين وفق منطق القوة لا منطق الحق، تؤكد العبارة التي طالبت بها دول إقليمية وأوروبية على ضرورة التغيير السياسي الكامل، ولما كانت موازين القوى الإقليمية والدولية في سورية لا تسمح باعتماد إحدى الصيغتين، تم اختيار عبارة «الانتقال السياسي» كحل وسط.

كما تنازلت موسكو للولايات المتحدة حول شكل المرحلة الانتقالية، حيث نصّ القرار على إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوّل سلطات تنفيذية كاملة، بناء على بيان جنيف والقرار الدولي 2018، وهذا انتصار للائتلاف ولمؤتمر الرياض، خلافاً لمقولة النظام وداعميه بتشكيل حكومة وحدة وطنية تخضع لسلطة الرئيس.

رفض المجتمع الدولي مطالبة موسكو بتخطي مخرجات مؤتمر الرياض، حيث أكد القرار على «… وإذ يلاحظ مجلس الأمن على وجه الخصوص جدوى اجتماع الرياض الذي تسهم نتائجه في التمهيد لعقد مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بشأن التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع».

تنازلت موسكو لواشنطن حول تسلسل العملية السياسية الانتقالية، فقد حدد القرار الدولي مسار العملية السياسية بهيئة حكم انتقالية، ثم التعديلات الدستورية، فالانتخابات الحرة خلال ١٨ شهراً، وهو ترتيب مخالف لما يطالب به النظام، الذي أصر على أن تكون بداية العملية السياسية بكتابة الدستور.

في كل الأحوال، ليس هذا القرار هو ما يرجوه الشعب السوري، أو بالخصوص أولئك الذين يطالبون بحكم ديموقراطي ينهي عهد الاستبداد والدولة الشمولية، لكن هذا القرار يضع نهاية لمرحلة وبداية لأخرى، وليس صدفة أن يتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن القرار الدولي بأنه لن يعجب الأسد، وليس صدفة أيضاً أن تعلن طهران في هذا التوقيت توحيد موقفها السياسي مع الموقف الروسي حيال سورية.

هذا القرار يشكل اللبنة الأولى في بناء العملية السياسية وإنهاء الأزمة الأكثر تعقيداً في العالم، اللهم إلا إذا حدثت متغيرات جديدة، وقد علمتنا الأزمة السورية تحديداً أن هذه المتغيرات كثيرة.

* إعلامي وكاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

قرار مجلس الأمن والأزمة السورية/ حسن نافعة

لمجلس الأمن الدولي صلاحيات تمكنه من التعامل بفاعلية مع الأزمات التي تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، شرط توافق إرادة الدول الدائمة العضوية فيه. فإذا تحقق هذا التوافق، يمكن لمجلس الأمن أن يتعامل مع الأزمات الدولية بإحدى طريقتين أو بكليهما:

الأولى: طرح تصور عام لتسوية سياسية، قد تتضمن خريطة طريق تفصيلية مصحوبة بجدول زمني محدد، وهو ما أقدم عليه مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي، 18 كانون الأول (ديسمبر)، بإصداره القرار 2254 حول الأزمة السورية.

الثانية: فرض التسوية التي يراها ضرورية، حتى وإن تطلب الأمر استخدام القوة المسلحة.

إقدام مجلس الأمن على طرح تصور لتسوية أزمة ما لا يعني بالضرورة أنه يمهد لفرض التسوية بالقوة المسلحة، إذا تطلب الأمر ذلك، لأن تصرفه على هذا النحو قد يكون جزءاً من عملية دولية مقصودة بذاتها، لإدارة الأزمة وفق مصالح الدول الكبرى وليس بالضرورة لحلها وفق متطلبات العدالة أو القانون الدولي. فهل يشكل صدور القرار 2254 هدفاً في حد ذاته لإدارة الأزمة السورية دولياً بما يتفق مع مصالح الدول الكبرى، أم أنه يمهد لفرض التسوية التي يراها بالقوة المسلحة؟

لتقديم إجابة واضحة عن هذا السؤال، يتعين أن نبدأ أولاً بتحليل دقيق قدر الإمكان لمضمون ودلالة صدور هذا القرار في هذا التوقيت بالذات.

فهناك فريق يرى أن من أشعل الأزمة السورية نظام مستبد لا يتورع عن قتل شعبه كي يظل ممسكاً بكل مقاليد السلطة، ومن ثم يستحيل حلها إلا بإسقاط النظام الذي أشعلها، كشرط أولي لتمكين شعب يناضل من أجل حريته من تقرير مستقبله عبر انتخابات حرة ونزيهة. وهناك فريق آخر يرى أن هذه الأزمة هي نتاج جماعات إرهابية تتمدد في منطقة لم تعرف الديموقراطية من قبل، ولا تزال غير مهيأة لاستقبالها، ومن ثم فلا حل لها إلا بالتخلص أولاً من كل هذه الجماعات كشرط ضروري لتمكين الشعب السوري بعد ذلك من تقرير مستقبله عبر انتخابات حرة ونزيهة. فإلى أي من وجهتي النظر هذه انحاز القرار 2254؟

الواقع أن الفحص المدقق لنص وروح هذا القرار يشير إلى أن مجلس الأمن حاول من خلاله تجاوز هذا النوع من الجدل العقيم، لذا فقد انحاز في شكل واضح إلى وجهة النظر التي ترى في الإرهاب الدولي، والذي تمثل الأزمة السورية الآن أحد أهم معامل تفريخه، الخطر الأولى بالرعاية في الوقت الحاضر، من منطلق أنه يهدد شعوب العالم قاطبة وليس الشعب السوري وحده، لكن من دون التضحية بتطلعات الشعب السوري الذي اعترف القرار بحقه في النضال من أجل إقامة نظام يعبر عن كل السوريين. دليلنا على ذلك ما يلي:

1- خلو القرار من أي إشارة بالاسم إلى النظام السوري الذي تعامل معه كطرف في أزمة يقف فيها على قدم المساواة مع أطراف المعارضة «المعتدلة»، وطالب الجميع بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة للتوصل إلى ترتيبات لإدارة مرحلة انتقالية تمكن الشعب السوري من وضع دستور جديد ينتخب على أساسه رئيس جديد وبرلمان جديد.

2- إشارته بالاسم إلى كل من تنظيم «داعش» و»جبهة النصرة»، بوصفهما تنظيمين إرهابيين يتعين القضاء عليهما، على رغم إقراره بوجود تنظيمات إرهابية أخرى ما زال الحوار جارياً للاتفاق على قائمة موحدة تضمها جميعاً.

3- إقراره ضمناً بأن قضية إسقاط النظام الحاكم في سورية ليست، ولا ينبغي أن تكون هدفاً لأي طرف آخر سوى الشعب السوري وحده، والذي يحق له اختيار رئيسه بنفسه في نهاية مرحلة انتقالية تتفق المعارضة معه على تفاصيلها وإدارتها، تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة.

وانطلاقاً من هذا التصور العام لتسوية حظيت بقبول جميع أعضاء مجلس الأمن، تضمن القرار 2254 إجراءات وجداول زمنية محددة، وذلك على النحو التالي:

1- مفاوضات رسمية بين ممثلي النظام والمعارضة، تبدأ في أوائل كانون الثاني (يناير) 2016 بدعوة من السكرتير العام للأمم المتحدة، مرجعيتها بيانا جنيف وفيينا، تستغرق ستة أشهر، وتنتهي باتفاق على آليات لصياغة دستور تجري على أساسه انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.

2- وقف لإطلاق النار، يبدأ سريانه فور الانتهاء من الاتفاق على تفاصيل مرحلة انتقالية يتعين الشروع في وضعها موضع التطبيق والانتهاء من تنفيذ بنودها ومراحلها كافة خلال ثمانية عشر شهراً.

3- حرب على كل المنظمات الإرهابية المدرجة على قائمة سيتم الاتفاق عليها لاحقاً، إلى أن يتم القضاء عليها نهائياً، ويفترض ضمناً تعاون فصائل المعارضة والنظام السوري في الجهود الدولية والإقليمية الرامية لاستئصالها.

4- يفترض القرار، ضمناً، أن تبدأ عملية الإعمار في المناطق التي يتوقف فيها إطلاق النار وفي المناطق المحررة من سيطرة المنظمات الإرهابية، لتمكين النازحين والمهاجرين من العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية لتمكين جميع أفراد الشعب السوري من المشاركة الحرة في كل الاستحقاقات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، وتحت إشراف الأمم المتحدة، حين يحين موعد الاستفتاء على مشروع الدستور أو لاختيار رئيس جديد للبلاد أو لانتخاب ممثليه في السلطة التشريعية.

لا شك أن وضع تسوية كهذه موضع التنفيذ ليس بالأمر السهل. فالفريق الذي يشترط رحيل بشار الأسد سيميل للتعامل مع التسوية المقترحة باعتبارها منحازة للفريق الآخر، لاعتقاده بأن السماح لهذا النظام بالمشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية سيمنحه فرصة لتوظيف الحرب على الإرهاب لإعادة تأهيل نفسه ولاستعادة مواقع نفوذه، وبالتالي سيعمل حتماً على إطالة المرحلة الانتقالية إلى ما لا نهاية. أما الفريق الذي يشترط القضاء على المنظمات الإرهابية أولاً، فسيميل للتعامل مع التسوية المقترحة باعتبارها منحازة للفريق الأول، لاعتقاده بعدم وجود فروق كبيرة بين معارضة معتدلة وأخرى متطرفة وأن جميع القوى التي تحمل السلاح في وجه النظام هي قوى متطرفة وإرهابية، وبالتالي فإن السماح لها بالمشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية سيضفي عليها شرعية تمكنها من التأثير في مخرجاتها بما يسمح لها بغرس بذور التطرف من جديد، وبالتالي عدم تحصين سورية مستقبلاً في وجه المخططات الرامية لإشعال الحروب الأهلية في المنطقة وإعادة رسم حدودها على أسس طائفية.

من المتوقع، في سياق كهذا، أن يجد مجلس الأمن نفسه مضطراً إما إلى اتخاذ قرار جديد بفرض التسوية المنصوص عليها في القرار 2254 وفقاً للفصل السابع من الميثاق، أي بفرض عقوبات صارمة قد تصل إلى حد استخدام القوة العسكرية ضد كل من يحاول عرقلتها، وهو أمر لا يبدو محتملاً في ظل موازين القوى الراهنة في النظامين الدولي والإقليمي، وإما أن تترك الأزمة تتفاعل على الأرض مع الحرص في الوقت نفسه على التحكم في ضبط إيقاعها بما لا يؤدي إلى مواجهة عسكرية مع روسيا، بانتظار نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية في نهاية العام المقبل، وهو الاحتمال الأرجح. غير أن الشعب السوري أولاً، وكل شعوب المنطقة ثانياً، هي من سيدفع الثمن باهظاً.

من مصلحة جميع الدول العربية أن تسعى لوضع التسوية التي يقترحها قرار مجلس الأمن موضع التطبيق الفوري. فالمشكلة الحقيقية تكمن في طريقة تمكين الشعب السوري من اختيار حاكمه في النهاية، وتلك قضية يمكن للأمم المتحدة أن تلعب دوراً رئيسياً فيها، وليست في بقاء أو عدم بقاء بشار كطرف في المرحلة الانتقالية. ولو أن تسوية من هذا النوع بدأت منذ ثلاث أو أربع سنوات، فلربما أصبحت سورية الآن من دون بشار ومن دون جماعات إرهابية أيضاً. أما استمرار الوضع على ما هو عليه فسيتيح لكل من بشار والجماعات الإرهابية كسب المزيد من الوقت على حساب دم الشعب السوري وموارد بقية شعوب المنطقة.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

 

صواعق تفجير القرار الدولي لسوريا/ موناليزا فريحة

بقدر التفاؤل الذي اثاره القرار الدولي لانهاء الحرب في سوريا لكونه الاول من نوعه منذ نحو خمس سنوات، ارتسمت تساؤلات عن امكان تنفيذ هذه الخطة ، بما فيها وقف النار واطلاق محادثات بين النظام والمعارضة وصولاً الى التزام الجدول الزمني لتأليف حكومة واجراء انتخابات في غضون سنتين.

في المبدأ، يعتبر اي قرار دولي لانهاء مأساة سوريا والشعب السوري خطوة تاريخية، بعدما أسقطت روسيا والصين اربع محاولات لقرار مماثل عام 2011. في حينه كانت الاضرار لا تزال محصورة والخسائر على أنواعها محدودة. بيد أن الانقسامات بين القوى الكبرى التي أدت الى “اقفال” مجلس الامن لاحقا أمام أي قرار لسوريا، هي التي حوّلت هذا البلد ميدانا لحروب بالوكالة تحرّكها الجهات الاقليمية والدولية التي تنافست على تحويل شعبها أدوات لتعزيز نفوذها، واستعانت بمرتزقة العالم لتحقيق أهدافها.

من هذا المنطلق، أثار كسر هذا الاصطفاف الدولي كثيرا من التفاؤل بامكان التحرك نحو وضع حد لحرب مدمرة أوقعت أكثر من 200 الف قتيل، وتمهيد الطريق لمواجهة خطر آخر يتمثل في تنظيم “الدولة الاسلامية” الذي بات يهدد العالم أجمع.

الا أن “شياطين” هذا الاتفاق ليست كامنة في تفاصيله فحسب، وإنما ايضاً في خطوطه العريضة. فلا شيء محسوماً بعد في شأن ممثلي المعارضة في المفاوضات التي يفترض أن تنطلق مطلع هذه السنة.واللائحة التي كُلّف الاردن اعدادها بدت قبل اعلانها، صاعقا لتفجير خلافات جديدة بين الدول المؤيدة للنظام وتلك المؤيدة للمعارضة.

الى ذلك، لا يرتكز القرار على تقدم صلب أو هدف يمكن تحقيقه قريباً. فوقف النار الذي كان ليبعث أملاً كبيراً في نفوس السوريين والعالم بامكان انهاء هذا الكابوس، ليس شرطاً لبدء المفاوضات، ولا خطوط واضحة للتطبيق الذي يبدأ بموجب القرار “فور اتخاذ ممثلي الحكومة السورية والمعارضة الإجراءات الأولية على طريق الانتقال السياسي في رعاية الأمم المتحدة”.

أما عقدة الرئيس السوري بشار الاسد والتي تجاوزها الجانبان للتوصل الى القرار الدولي، فهي وحدها كفيلة بتقويض الامال المعلقة عليه. ولطالما شكّل مصير هذا الرجل عقدة اساسية أمام اي حل في سوريا. وإذا كانت موسكو وطهران تعتقدان أنهما نجحتا في اقناع الغرب بأن اخراج الاسد في هذا الوقت لن يؤدي الا الى تفاقم النزاع في ظل الخطر الذي يمثله “داعش” والتنظيمات المتطرفة الاخرى، فلا شك في ان أي مفاوض سوري لن يكون قادراً على تسويق فكرة ترشح الاسد الذي يحمّله سوريون كثر مسؤولية المذابح في بلادهم، لانتخابات يُفترض اجراؤها في غضون سنتين.

النهار

 

 

 

هل يطيل مجلس الأمن عمر الأسد؟/ سعد كيوان

أخيراً، وبعد أن ضاق الفضاء السوري (والإقليمي) بجميع أنواع المقاتلات الحربية، الأميركية والروسية والفرنسية والبريطانية والأسترالية والكندية و… التي تصب، منذ أكثر من سنة، نيرانها ودمارها، وتجرب قنابلها الفتاكة في الشعب السوري، وعلى الأرض السورية من دون تمييز، باستثناء جيش نظام بشار الأسد، المفترض أن الثورة السورية اندلعت للتخلص من بطشه واستبداده و”ممانعته”، ها هو مجلس الأمن الدولي يخطو خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، أي تعبيد الطريق لفرض حل سياسي للأزمة التي حصدت، حتى اليوم، أكثر من 250 ألف سوري، وشرّدت الملايين منهم، في سابقة لا مثيل لها في التاريخ الحديث.

وبطبيعة الحال، لم يكن ممكناً التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2254 بالإجماع من دون موافقة الدول (الكبرى) نفسها التي تحشد بوارجها وطائراتها وصواريخها في المتوسط، وفوق الأجواء السورية (والعراقية). وقد عبّرت هذه الدول في مقدمة القرار عن “قلقها البالغ من استمرار آلام الشعب السوري، والوضع الإنساني المتدهور، والعواقب الخطيرة للإرهاب، وتأثير الأزمة على استقرار المنطقة وأبعد منها، وارتفاع عدد الإرهابيين (…)”. وهذه كلها عوامل خطيرة ساهمت في تأجيجها وتفاقمها الدول نفسها التي غضت الطرف عن ممارسات نظام دموي، لم يتوان عن قصف شعبه بالبراميل المتفجرة وقتله بالسلاح الكيماوي وتهجيره بالملايين، وتهربت من تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه شعبٍ انتفض، منذ نحو خمس سنوات، من أجل حريته وكرامته. والأنكى أن القرار يعبر عن قلق مجلس الأمن من تأثير الأزمة على “الاستقرار في المنطقة وأبعد منها”، في حين أن “الاستقرار” في هذه المنطقة، وفي “الأبعد منها”، أي أوروبا والغرب، قد تُرك لنظام الملالي في إيران ولبعض الأنظمة العربية المتهالكة والموغلة في قمع حرية شعوبها، ولتنظيم “داعش” وحش الإرهاب الكاسر الذي ولد من رحمها.

أما وقد حزمت هذه الدول أمرها، بعد أن أصبحت متورطة، في شكل مباشر أو غير مباشر، في الأوحال السورية، فإن الخطة تقضي بإطلاق مفاوضاتٍ بين ممثلي المعارضة والنظام في يناير/كانون ثاني المقبل، والعمل على فرض وقف إطلاق النار، وإطلاق بالتالي مسار سياسي بإشراف الأمم المتحدة، لتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية وممثلة للجميع، والسعي إلى صياغة دستور سوري جديد، في غضون ستة أشهر، تجري بعدها على أساسه انتخابات حرة خلال ثمانية عشر شهراً.

لكن هذه الخطة التي تنطلق من بنود مؤتمر جنيف 1 (30 يونيو/حزيران 2012)، الذي

“اتفقت واشنطن وموسكو على إبقاء مصير الأسد غير واضح في بنود القرار، ومادة للتفاوض في مرحلة لاحقة، كي يختبر كل منهما مدى جدية الطرف الآخر وتعاونه” تحول إلى قرار في مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين أول 2013، يثير مجموعة تساؤلات وملاحظات وشكوك حول مدى استعداد مختلف الأطراف المعنية بالأزمة لتطبيقه، والقدرة على وضعه موضع التنفيذ. وأول هذه الأسئلة التي تطرح نفسها عدم تحديد موعد لرحيل بشار الأسد، أو حتى الإشارة إلى مصيره، فبعد أن كانت الدول الغربية، وتحديداً فرنسا والولايات المتحدة، تصر على رحيله، ورفض أي دور له في المرحلة الانتقالية، ها هي، اليوم، تصرف النظر عن هذا الشرط، بعد الهجمات الدموية التي تعرّضت لها فرنسا في أكتوبر/تشرين أول الماضي، وبدء نوع من التنسيق السياسي والعسكري والاستخباراتي بين باريس وموسكو، فيما يبدو موقف الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خجولاً في مطالبته برحيل الأسد، ومن باب رفع العتب. فيما تصر إيران على التمسك به، وتسعى روسيا إلى إبقائه أطول فترة ممكنة، ورقة قابلة للتفاوض. ويقابل هذا التوجه إعلان المعارضة السورية، على لسان منسق عام الهيئة العليا للمفاوضات، رياض حجاب، رفضها الدخول في عملية تفاوض مع النظام، إلا على أساس مبادئ جنيف1 وقرارات الشرعية الدولية التي تنص على مرحلة انتقالية من دون الأسد، وتأسيس هيئة حكم انتقالي كامل الصلاحيات.

ثم ماذا عن الآليات الكفيلة بتطبيق هذه الخطة على الأرض، وخصوصاً ما يتعلق بمسألة فرض وقف إطلاق النار الذي يؤكد القرار أنه “لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية ضد “داعش” أو جبهة النصرة” ويطلب مجلس الأمن، في المقابل، من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة “القضاء على الملاذ الذي أقامته هذه التنظيمات على جزء كبير من الأراضي السورية”. إذ كيف يمكن تطبيق وقف إطلاق النار بين تشكيلات المعارضة المسلحة وقوات النظام، وفي الوقت نفسه، استمرار القتال والتصدي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وخصوصاً في محافظات ومناطق يتداخل فيها الوجود، وتتشابك فيها المعارك بين الأطراف المتنازعة. فمن سيشرف، بالتالي، على عملية وقف إطلاق النار، ويضمن تطبيقه، لكي يتم الدفع بالمسار السياسي للمرحلة الانتقالية.

يلتقي قرار مجلس الأمن 2254، إلى حد كبير، مع ما جاء في بنود مؤتمر جنيف1 الذي بقي عملياً حبراً على ورق، نتيجة الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول دور الأسد الذي كانت موسكو تراهن، في البداية، على قدرته على سحق الانتفاضة، وتعتبر أنه ورقتها الرابحة لتعويض خسارة إخراجها من ليبيا، وبالتالي، تثبيت أقدامها في الشرق الأوسط. وهذا كان في منتصف 2012، قبل أن تنفجر، بعد سنتين، الأزمة في أوكرانيا وتتورط روسيا عسكرياً في القرم، وتستجلب عليها عقوبات اقتصادية قاسية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وأمام تفاقم الوضع على الجبهتين، وقبل أن يكتوي بنار الإرهاب “التكفيري”، قرّر بوتين القيام بعملية هروب إلى الأمام، والتدخل مباشرة في الحرب السورية، مستفيداً من حال التردد والانكفاء التي تتخبط بها الإدارة الأميركية في سياستها تجاه أزمة سورية والمنطقة، وحالماً باستعادة أمجاد روسيا القيصرية. وما يجعل، اليوم، إمكانية احتمال تطبيق الخطة التي أطلقها القرار 2254 هو، على الأرجح، سعي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى لعب ورقة المقايضة بين التخلي عن الأسد وإطلاق يده في القرم، ورفع العقوبات عن روسيا، وما يسمح له، بالتالي، الانسحاب من سورية، قبل أن يتحول تدخله العسكري الذي مضى عليه نحو أربعة أشهر، من دون تحقيق إنجازات حاسمة على الأرض، إلى ورطة، وهو الذي كان قد قطع وعداً على نفسه، عندما أرسل مقاتلاته إلى سورية، في سبتمبر/أيلول الماضي، بحسم الوضع خلال ثلاثة أشهر.

وربما لهذه الأسباب، اتفقت واشنطن وموسكو على إبقاء مصير الأسد غير واضح في بنود القرار، ومادة للتفاوض في مرحلة لاحقة، كي يختبر كل منهما مدى جدية الطرف الآخر وتعاونه. هذا إذا لم تسع طهران إلى تخريب التفاهم-التواطؤ بين الطرفين!

العربي الجديد

 

 

 

خمس عقبات تهدد تنفيذ القرار الدولي … وتحفظات سورية/ إبراهيم حميدي

لم يكن مصير بشار الأسد «العقدة» الوحيدة التي رحّلها الجانبان الأميركي والروسي للوصول إلى تفاهم الحد الأدنى في قرار مجلس الأمن 2254، بل هناك عقبات أخرى لا تزال قائمة أمام «خريطة الطريق» التي رسمها أول إجماع دولي على قرار سياسي منذ خمس سنوات، في وقت استعجل ممثلو النظام والمعارضة، الأقل تأثيراً في التفاهمات الدولية- الإقليمية، في إعلان تحفظات مختلفة عن القرار.

واعتمد القرار، بعد مفاوضات شاقة في نيويورك بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والوزراء الـ17 في «المجموعة الدولية لدعم سورية»، «الغموض البنّاء» والتنازلات المتبادلة للحصول على الإجماع، فكانت الصيغة النهائية الحد الأقصى الذي يصعد إليه الروس والحد الأدنى الذي ينزل إليه الأميركيون. وأقر القرار برنامج بيان «فيينا» الصادر في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عبر رعاية دولية مفاوضات بين النظام والمعارضة لتشكيل حكومة خلال ستة أشهر تطرح دستوراً جديداً وانتخابات بإدارة ورقابة الأمم المتحدة في 18 شهراً. واستعجلت واشنطن وموسكو عقد المحادثات في جنيف في الأسبوع الأول من الشهر المقبل.

ومهّد وزير الخارجية الأميركي جون كيري لإصدار القرار خلال الرئاسة الأميركية لدورة مجلس الأمن، بلقاء الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو الثلثاء. ويعتقد أن واشنطن تخلت عن مطلبها تنحي الأسد بمجرد تشكيل الهيئة الانتقالية بعد انتهاء مرحلة التفاوض (بين 4 و6 أشهر)، مقابل موافقة موسكو على إصدار البرنامج الزمني للمرحلة الانتقالية في قرار دولي وترك «عقدة» الأسد معلقة الى حين إجراء الانتخابات في نهايتها.

لكن قبل أن يجف حبر القرار، عاد الخلاف الروسي- الغربي حول مصير الرئيس السوري. إذ جدد الرئيس باراك أوباما التأكيد على تنحي الأسد، فيما قال بوتين إن في الإمكان العمل مع جميع الأطراف، بمن فيها الأسد، لإنجاز الحل السياسي. ويشبه هذا الموقف إلى حد كبير تصريحات مسؤولي البلدين بعد صدور «بيان جنيف» في حزيران (يونيو) 2012، إذ أعلنت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن البيان يعني «التنحي الفوري للأسد»، فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن البيان «لم يتعرض» للأسد، وإن الهيئة الانتقالية «تحت الأسد» و «صلاحياتها التنفيذية الكاملة لا تتعلق بالجيش وأجهزة الأمن».

وبحسب المعلومات، فإن الروس سعوا في المفاوضات السابقة لإصدار القرار 2254 إلى إزالة أي إشارة إلى «بيان جنيف» وضغطوا لحذف فقرة في مقدمة القرار نصت على «إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة تعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة مع ضمان استمرارية المؤسسات الحكومية»، لكن الجانب الأميركي مدعوماً بحليفيه البريطاني والفرنسي، أصروا عليها مع قبول طلب روسي تكرار الإشارة إلى بياني فيينا الأول والثاني.

وبدا واضحاً أن موسكو سعت إلى خلق مرجعية بديلة من «بيان جنيف» عبر التركيز على بياني فيينا، على أساس اعتقادها أن الظروف التي صدر بها «بيان جنيف» تغيرت، سواء لجهة تنامي خطر «داعش» أو لجهة فشل تجربة «تغيير النظام» في ليبيا، إضافة إلى انعكاسات التدخل العسكري الروسي في سورية. وكررت تعديلات موسكو المقترحة أكثر من مرة ذكر «الإرهاب» و «خطر الإرهاب» و «حكومة الجمهورية العربية السورية» في إطار مساعيها إعادة الشرعية إلى النظام مقابل اقتراح دول غربية عبارة «النظام»، غير أن القرار تحدث عن «سلطات» و «حكومة» سورية.

وتتعلق العقبة الثانية بالمهلة الزمنية لتشكيل الحكومة، إذ اكد كيري حصول ذلك خلال «شهر أو شهرين»، فيما اقترح لافروف «ستة أشهر»، علما أنه رفض إدراج ذلك في القرار، فيما تخص العقبة الثالثة وقف النار على الأراضي السورية كافة، إذ إن خبراء الأمم المتحدة عكفوا على صوغ خطة لوقف النار وإرسال المراقبين وآليات ذلك، بحيث يتوقف النار بين قوات النظام والمعارضة مقابل «تصعيد» النار من قبل هذه القوات المشتركة ضد «داعش» والإرهابيين. ولم يشترط القرار مسبقاً وقف النار لبدء المفاوضات، لكن اقترح أن يدخل حيّز التنفيذ «حال اتخاذ ممثلي الحكومة السورية والمعارضة الإجراءات الأولية على طريق الانتقال السياسي برعاية الأمم المتحدة». وتطرح أسئلة عن مدى التزام وقف النار من «داعش» و «النصرة» اللذين لم يشملهما الاقتراح، إضافة إلى تساؤلات عن دور ميليشيا إيرانية، وسط مطالب بـ «انسحاب جميع المقاتلين الأجانب» وموعد حصول ذلك.

وتتعلق العقبة الرابعة بالتنظيمات الإرهابية، إذ فشل الاجتماع الوزاري لـ «المجموعة الدولية» في إقرار قائمة موحدة بعد تقديم وزير الخارجية الأردني ناصر جودة إفادة حول نتائج استشارات أجرتها عمّان مع أطراف مختلفة وتضمنت قائمة مقترحة بنحو 167 تنظيماً «إرهابياً». وعندما أصرت دول على إدراج فصائل معارضة مثل «أحرار الشام» و «جيش الإسلام»، ردت دول عربية باقتراح 18 ميليشيا إيرانية، بينها «الحرس الثوري الإيراني». وكانت التسوية بتشكيل مجموعة عمل من إيران وروسيا والأردن وفرنسا كي تقدم لائحة إلى الأمم المتحدة. وكان الجانب التركي اقترح وضع «حزب الاتحاد الديموقراطي» بزعامة صالح مسلم ضمن لائحة الإرهاب على رغم دعم أميركا قواته (وحدات حماية الشعب) ضد «داعش». ويقترح المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، في المقابل، أن يكون مسلم جزءاً من الوفد التفاوضي.

وهنا تكمن العقبة الخامسة وتتناول تمثيل المعارضة أو «القائمة البيضاء». إذ أصرت روسيا على نقل فقرة تتعلق بالإشادة بنتائج المؤتمر الموسع للمعارضة السورية في الرياض من الفقرات العاملة في القرار 2254 إلى المقدمة، إضافة إلى أنها أضافت مؤتمري القاهرة وموسكو، كي يقوم دي ميستورا بالاختيار منها (المؤتمرات الثلاثة) وفداً للمعارضة. ووافقت واشنطن على ذلك بعدما حذفت اقتراحاً روسياً بالاعتماد أيضاً على مؤتمري المعارضة في دمشق للأحزاب المرخصة من النظام والحسكة الذي عقدته الإدارات الذاتية الكردية بالتزامن مع مؤتمر الرياض، وانتخبت «المجلس السوري الديموقراطي». وتردد أن دي ميستورا وافق على اقتراح موسكو إضافة أسماء إلى الوفد المعارض، بينهم هيثم مناع ممثل «المجلس السوري الديموقراطي» وقدري جميل.

هذا يفسر قلق المعارضة، إذ قال رئيس «الائتلاف الوطني السوري» خالد خوجة، إن القرار الدولي «بمثابة تقويض لمخرجات اجتماعات قوى الثورة في الرياض وتمييع للقرارات الأممية السابقة المتعلقة بالحل السياسي». وعلمت «الحياة» أن الهيئة العليا للمفاوضات التي تضم ممثلي جميع أطياف المعارضة، بما فيها «الائتلاف» و «هيئة التنسيق» (معارضة الداخل) ومستقلين وممثلي 15 فصيلاً مقاتلاً، تريثت في إرسال قائمة وفدها إلى دي ميستورا، في انتظار التأكد من أنباء أنه قرر إضافة 10 أسماء إلى قائمة الهيئة التي تضم 15 اسماً.

في المقابل، ترى دمشق أن «نجاح أي مسار سياسي يتطلب انخراط الحكومة فيه كشريك أساسي»، على حد تعبير مندوب سورية لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري.

الحياة

 

 

 

 

النظام السوري يفاوض نفسه/ فاطمة ياسين

ستة قرارات صدرت، حتى الآن، عن مجلس الأمن بخصوص سورية، خمسة تحوم حول المشكلة الرئيسية، ولا تساهم فعلياً في حلها، لذلك صدر القرار السادس.

سرعان ما انتهى العمر الافتراضي لتلك القرارات، وتبخّرت جميعها، وتحولت إلى أرقامٍ أضيفت إلى أرشيف مجلس الأمن. وجاء القرار الجديد بعد مخاضٍ طويل، وجلسات ماراثونية بين وزراء خارجية الدول المعنية، وخصوصاً روسيا وأميركا.

عندما يتعلق الأمر بالدول الكبرى، التي “تتمرّغ” بجنة الفيتو، فإن أي اتفاقٍ لا يأتي كاملاً ناجزاً، بل يأخذ بالاعتبار “خواطر” دول كثيرة، ويضع في حسابه الوضع الدولي والإقليمي ومزاج رؤساء الدول، ثم يأتي القرار على هيئة “جوائز” ترضية تحمل العنوان العريض للجائزة، لكنها خالية من المضمون المادي. وهكذا جاء هذا القرارُ المعبأ بآمالٍ مذهّبة، وبخطة “محكمة” للخروج من المأزق السوري، باتجاه مشروع دولة حديثة حضارية، وذلك في غضون عامين اثنين.

اعتمد القرار على لغة متفائلة، وعدَّد كل الاتفاقات السابقة؛ المفيدة منها والضارة، من دون إغفال التشديد على أن العملية كلها يجب أن تكون بقيادة سورية. متجاوزاً بذلك ما يقارب خمسة أعوام من الحرب، ومعتبراً أن الأمر سيحل بمجرد “تبويس الشوارب”.

يفرد النظام “بضاعته” التي لا يملك غيرها منذ خمسين سنة، وهي أجهزة الأمن، والسجون الصحراوية، والاستفتاءات الجماهيرية التي تأخذ شكل المبايعة الجماعية العمياء، وهو لم يحد عنها حتى اللحظة، بل ويعتبرها الروح الخلاقة التي سيحملها معه إلى طاولة المفاوضات، إنْ جرت، ما يوحي بأنه سيتعامل مع أعضاء الوفد المعارض بمنطق غرف التحقيق! يمكن التأكد من ذلك في مشاهدة ظهور بشار الأسد على الإعلام، وسماع لغته المبهمة عن المفاوضات، وكيف (يدحش) كلمة “إرهاب” في كل جملة، الأمر الذي يعني أن النظام بعيد، بمسافةٍ كافيةٍ عن العناوين الرئيسية والكامنة في قرار مجلس الأمن التي تعتبر أن هناك “نضوجاً” حصل في أجهزة النظام الرئيسية، حتى يُقبِل على المفاوضات بروح وطنية، ويتعامل مع الوفد المقابل بوصفه نداً يعمل معه لمصلحة الوطن، هذه الخاصية الوطنية التي يعتبرها النظام حكراً عليه، ولا يقبل وجودها عند كائنٍ غيره.

أعضاء الوفد المفاوض، وفيهم مسؤولون في النظام انشقوا في ظروف مختلفة، ورجال أعمال ناجحون في دول المهجر، وبعضهم معارضون عتاة خبروا سجون النظام، وتعاملوا عن قرب مع مشرفي التعذيب في أقبية الأمن، وليس متوقعاً من هؤلاء أن يتخلوا دقيقة عن المطالبة بخروج رئيس النظام من اللحظة الأولى، وليس مستبعداً أن تحصل انسحابات من الوفد، بعد أول لحظة من المفاوضات “إن حصلت”! هنا، أيضاً، يحصل عدم استيعاب كامل لمضامين القرار الذي يفترض أن المعارضة قبلت بوجود النظام، وهي تفاوضه، لتقنعه بأن يتغير لصالحها، ويتخلى عن بعض كراسيه ومناطق احتكاره لأجل عينيها، من خلال تشكيل هيئة مشتركة، تشرف على وضع دستور جديد، وتخلق أجواء ديمقراطية تعد لانتخابات نزيهة.

لا يستوعب القرار المصاعبَ النفسية للنظام، ولا يفهم التركيبة العاطفية للمعارضة، لكنه يَرسم، بمشيئةٍ تصالحيةٍ بين الدول الكبرى، خارطة تنتهي بعد سنتين، يريد أن يطوي، بها، خمسَ سنوات عجافاً من الحرب وعشرات السنوات الأخرى من التضوّر، معتبراً أن مجرد تلاقي الدول الكبرى عند نقطة محددة كاف ليُقلِع الديكتاتور عن سلوكه، ويخلع جيناته كما يُخلع المعطف، وكافٍ لأفراد الوفد المفاوض، مهما كانت رتبتهم، أن يتحرّروا من الإرث الأخلاقي والعاطفي الذي تحمله سنوات الجمر الماضية التي أثرت فيهم عميقاً، وجعلتهم لا يقبلون إلا أن يفاوضوا نظاماً مطأطئَ الرأس، نادماً، أفرادُه مستعدون للتخلي عن كراسيهم والذهاب إلى السجن، بكامل إرادتهم، أما النظام فما زال لا يرغب، تحت أي ظرف أو قرار دولي، إلا بالتفاوض مع نفسه.

ولعل الوصول إلى حالة تفاوض النظام مع نفسه تحتاج إلى قرار أممي آخر.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

قرار مجلس الأمن: السفاح السوري يعيد فتح حقائبه/ بكر صدقي

كانت سرعة الإنجاز لافتة بالنسبة لقرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بسوريا، بالقياس إلى محاولات سابقة ومشاريع قرارات أوقفها الثنائي الروسي – الصيني بحائط الفيتو. كذا كان التوافق الأمريكي – الروسي سريعاً في زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى موسكو عشية اجتماع نيويورك لمجموعة العمل الدولية من أجل سوريا (17 دولة بينها الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن) التي ستمهد لاجتماع مجلس الأمن وتصويته بالإجماع على مسودة القرار التي أعدتها الولايات المتحدة.

لا بد أن الحليف الروسي أحاط السفاح القابع في دمشق بما تم الاتفاق عليه مع جون كيري، أي بمحتوى القرار الأممي الذي سيصدر بعد يومين، ليتواقح أمام وسيلة إعلام هولندية بالقول إنه كان قد حزم حقائبه ليرحل، لكنه أعاد فتحها بعدما تراجعت الدول الغربية الرئيسية عن هدف تنحيته وباتت موافقة على بقائه في الحكم في المرحلة الانتقالية.

هذه هي القراءة الصحيحة للقرار الأممي، على رغم أنه أول قرار لمجلس الأمن يتخذ بشأن «حل سياسي» في سوريا، ويبدو، لهذا السبب وحده، كأنه الضوء في آخر النفق المظلم. قد لا يكون من الحصافة استباق الأحداث والحكم بموت القرار بسبب محتواه الهلامي أولاً، وعدم إلزامية تطبيقه بالنسبة للأطراف ثانياً، لكن سوابق قرارات مجلس الأمن بشأن فلسطين ومصيرها تعطينا ما يكفي من التشاؤم بخصوص هذا القرار الجديد.

فهو، قبل الحديث عن خلوه من أي إشارة إلى مصير لب المشكلة في سوريا، أعني نظام الكيماوي والبراميل القاتلة، لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى الحرب الروسية على المدنيين السوريين والجيش الحر، ولو من باب العتب على أحد الأعضاء دائمي العضوية في المجلس المسؤول –نظرياً- عن الأمن والسلم الدوليين. وما كان له، طبعاً، أن يشير، ما دامت الموافقة الروسية المسبقة ضرورية لصدور القرار، وما دام القطب الآخر منغمساً بدوره في حرب أخرى على الأراضي السورية (التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لضرب داعش).

منذ صفقة الكيماوي التي أنجزها الثنائي الأمريكي – الروسي، في 2013، وتخلى النظام الكيماوي بموجبه عن مخزونه من السلاح المحرم دولياً مقابل ضمان استمراره في قتل السوريين بوسائل أخرى، استسلمت الإدارة الأمريكية لأولوية الدور الروسي في سوريا، وتم تتويج هذا المسار في قرار مجلس الأمن الذي يعكس الرؤية الروسية لـ»الحل السياسي» بصورة مطلقة تقريباً. والحال أن موسكو لا تملك رؤية سياسية للحل، بل هي تتبنى «الحل» العسكري المدفوع إلى نهاياته القصوى. فجميع الفصائل العسكرية التي تقاتل النظام هي «مجموعات إرهابية» كما أعلن بوتين قبل توجهه إلى نيويورك، في أيلول/سبتمبر 2015، أي عشية بدء الحملة العسكرية الروسية في سوريا المتواصلة إلى اليوم. وبلغ الجنون بالرجل حد التهديد علناً باستخدام السلاح النووي في حربه على «الإرهاب» في سوريا. وبلغت الوضاعة بأقوياء العالم أنهم لم يتفوهوا بكلمة واحدة بحق هذا التصريح من شريكهم الروسي الذي يتصرف كقبضاي الحارة، على رغم اهترائه الذاتي متعدد الأوجه في العقود الأخيرة. في النتيجة يمكن القول أن «العالم» قد سلم، إلى حد بعيد، برؤية النظام الكيماوي التي تختصر المشكلة في سوريا بكونها حرباً على الإرهاب. لا نفهم من قرار مجلس الأمن هذا إلا أنه توافق عالمي على أولوية الحرب على الإرهاب في سوريا، لا أكثر ولا أقل.

أما بصدد الحل السياسي، بمعناه الحقيقي، فهو متروك للسوريين أنفسهم، من غير أن يعني ذلك عدم تدخل القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد وجهته ومضمونه. بل إن قرار مجلس الأمن منح التدخل العسكري الروسي الشرعية الأممية، بتغييبه هذا العنصر في نصه. وتم استبعاد أي إدراج محتمل للميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي تقاتل إلى جانب النظام الكيماوي من لوائح المنظمات الإرهابية التي كلف الأردن بإعدادها، في إطار مجموعة العمل من أجل سوريا التي باتت المرجعية الوصائية لمصير سوريا.

بل إن الطرف الاقليمي المناوئ للنظام الكيماوي هو الذي يتعرض لضغوط كبيرة ليكف يده عن التدخل، تركيا أولاً التي تم توريطها بإسقاط الطائرة الروسية وباتت بين فكي كماشة روسيا وحلف الأطلسي، والسعودية وقطر اللتين يطلب منهما الضغط على فصائل معينة لتحول بندقيتها من النظام باتجاه «الإرهاب»، داعشياً كان أو غير ذلك.

وهكذا أعلنت السعودية عن إنشاء تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب «بكافة أشكاله»، بعد احتضانها الناجح لمؤتمر المعارضة السورية الذي ضم، إلى الكيانات السياسية الأبرز، خمسة عشر فصيلاً عسكرياً معارضاً للنظام. يمكن الاستنتاج أن التحالف الإسلامي هذا يملك أجندته الخاصة فيما يتعلق بالمشكلة السورية، على خلاف مع الأجندتين الروسية المحاربة من أجل بقاء النظام، والأمريكية المحاربة ضد داعش. ذلك أن مفهوم الإرهاب مسيس إلى حد بعيد بين الأقطاب المختلفين، وإذا كان قرار مجلس الأمن منحازاً إلى الرؤية الروسية لمحاربة الإرهاب، فالرؤية السعودية ما زالت، إلى الآن، متمسكة برؤية مختلفة وأولويات مختلفة، لا نعرف إلى أي حد ستكون قادرة على فرضها. فتصريحات وزير الخارجية عادل جبير التي يكرر فيها على وجوب تنحي الأسد سلماً أو بالقوة، لا تتماشى مع «الروح الروسية» لقرار مجلس الأمن، وكذا هي حال «الهيئة العليا للمفاوضات» المنبثقة عن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية. من المحتمل أن المفاوضات المفترضة بين النظام والمعارضة لن تبدأ بالسرعة والسهولة التي يوحي بهما القرار، وإذا بدأت، بعد كثير من لي الأذرع المتقابل بين الأوصياء على الطرفين، فهي لن تصل إلى النتائج المرجوة، لأن الطرف الذي يملك بداية الحل (النظام وحلفاؤه) لا يريده، والطرف الآخر لا يستطيع.

مع قرار مجلس الأمن ذي الهوى الروسي، انتهت آخر فصول الرهانات على ضغط دولي يجبر النظام على الدخول طرفاً في الحل. يبقى الرهان الوحيد المعقول هو على الميدان: هزيمة الحملة الروسية وإرغام بوتين على إنهائها، وإرغام النظام (أي إيران) على التفاوض على حل سياسي.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

 

قراءة في القرار 2254/ د. رياض نعسان أغا

لم يكد السوريون يفرحون قليلاً بما وجدوا من اهتمام المجتمع الدولي بقضيتهم في بيان مؤتمر فيينا (منتصف نوفمبر الماضي) حتى فوجئوا بصدور قرار مجلس الأمن 2254 مرضياً لروسيا بدل أن يكون مرضياً للسوريين الذين لم يجدوا في هذا القرار خطة عملية قابلة للتنفيذ، لأن القرار لم يشر للعقدة الرئيسة بوصفها موضوع القضية، وهي دور رأس النظام السوري في المرحلة الانتقالية، وهي مسألة غير تفاوضية لكونها نقطة الانطلاق إلى التفاوض وبدون الاتفاق المسبق على انتهاء دور الأسد، مع بدء مرحلة الانتقال السياسي (من عهد انتهى إلى عهد يبدأ)، فإن التفاوض سيكون حول شرعنة بقائه في رأس السلطة، وهذا ما تريده روسيا عبر انتخابات يصعب أن يشارك فيها السوريون جميعاً، وأكثر من عشرة ملايين منهم مشردون في أرض الشتات، والباقون تحت سيطرة النظام لن يتحرروا من كوابيس الخوف مادام متاحاً للأسد وأركان نظامه أن يستمروا في الحكم.

لقد طلبت بعض الدول الصديقة والمهتمة بالقضية السورية من مختلف أطياف المعارضة أن يتوقفوا عن المطالبة بإسقاط النظام، وبرروا ذلك بالحاجة إلى وقف نزيف دماء السوريين، وبالحاجة إلى الاستفادة من تجربة العراق، حيث كان حل الجيش وأجهزة الأمن من قبل الأميركان خطأً فادحاً فتح كل أبواب الفوضى في البلاد، وأبدى كثير من المعارضين السياسيين تفهماً لذلك، وأكدوا حرصهم على مؤسسات الدولة، مع إعادة هيكلة وتشكيل قوى الجيش وأجهزة الأمن وتشكيل مجلس عسكري جديد، ولكنهم أعلنوا أن رحيل الأسد ليس محل تفاوض، فهو صلب الموضوع، ولاسيما أن التفاوض سيكون حول مرحلة انتقال سياسي.

وقد أبدت جل الجهات الدولية تفهماً لذلك، لأن بقاء الأسد ولو بصورة شكلية ودون صلاحيات ستمنحه شرعية جديدة وبراءة من مسؤوليته المباشرة عن تدمير سوريا وعن طوفان الدم السوري من كل شرائح المجتمع، وعن مسؤوليته عن استدعاء قوات أجنبية احتلت سوريا مثل إيران وروسيا.

ولقد جاء قرار مجلس الأمن 2254 عبر هذا الإغفال المتعمد لدور الأسد بوابة لإدخال المفاوضات في متاهات لا تنتهي، ولو أنه قرر انتهاء دور الأسد مع بدء المرحلة الانتقالية، فإن المفاوضات بين نظام يدرك أنه يودع الديكتاتورية وبين معارضة تثق بأنها مقبلة على بناء دولة ديموقراطية، ستكون مفاوضات سهلة ويسيرة، ولن تحتاج شهوراً.

وثمة أمر خطير في قرار مجلس الأمن، وهو ما سمي القضاء على الملاذ الآمن للتنظيمات الإرهابية، ومجلس الأمن يعلم أن هذه التنظيمات تقيم وسط تجمعات سكانية مكتظة بالسكان الآمنين العزل، وقد أصبحوا ملاذاً ورهائن أيضاً وهم ملايين السوريين، فهل يتم القضاء عليهم وتباد محافظاتهم ومدنهم وقراهم لمجرد أنهم يسكنون في أمكنة يسيطر عليها إرهابيون؟ إن على مجلس الأمن أن يفرق بين هؤلاء المدنيين والإرهابيين، وأن يمنع القصف العشوائي الذي تقوم به روسيا التي جعل قرار مجلس الأمن احتلالها لسوريا شرعياً بذريعة مكافحة الإرهاب، وجلّ قرارات مجلس الأمن السابقة تحرم القصف العشوائي، وكان مريعاً أن تصعّد روسيا هجماتها على المدن والأرياف السورية وأن تسرف في قتل المدنيين الأبرياء بأسلحة محرمة دولياً وبأسلحة كيماوية (كما حدث في إدلب والمعضمية ودير الزور والغوطة قبل أيام قليلة) في الوقت الذي تدعو فيه مع المجموعة الدولية إلى حل سياسي.

ويرفض السوريون أن تستثني تصنيفات الإرهاب منظمات وميليشيات طائفية لبنانية وإيرانية وعراقية (شيعية) لا تختلف في شيء عن تنظيم الدولة (داعش)، وكأن المجموعة الدولية تحصر الإرهاب بالمنظمات التي تنتمي إلى السُنة، مع أن الإرهاب لا يصنف مذهبياً، وإنما يصنف حسب طبيعة العمل الميداني، وما يرتكب من جرائم ضد الإنسانية.

ولقد كان مفاجئاً أن يضيف القرار مرجعيات أخرى إلى مرجعية جنيف، وأن ينظر إلى مؤتمر الرياض بوصفه واحداً من مؤتمرات أخرى، فيقلل من أهمية كونه يختص وحده بالإشراف على المفاوضات عبر هيئة عليا انبثقت عنه.

الاتحاد

 

 

 

القرار 2254 وميزان القوى/ وليد شقير

سيتعين على واشنطن وموسكو إيجاد تسويات أخرى على التسوية التي توصلتا إليها بصدور قرار مجلس الأمن 2254، الأسبوع الماضي، لأن نصوصه، بمقدار ما كانت واضحة في بعض الجوانب، أحاط الغموض المقصود بجوانب أخرى تتطلب من أجل تطبيقها اتفاقات تسمح بتفنيذها، وإلا يكون استمرار الخلاف عليها سبباً لتقويض محاولات الحل السياسي التي يعد الكبار بأن توضع على السكة التفاوضية الشهر المقبل. والغموض الذي تتصف به بعض العبارات لا يمكن وصفه بالغموض البنّاء في ظل دينامية غير مسبوقة تاريخياً للمحرقة والمجزرة السوريتين، المتواصلتين منذ 5 سنوات.

فالقرار الأخير هو الثالث عشر في سلسلة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن حول الحرب في بلاد الشام، صدرت تباعاً، قبل أن تتحول سورية ساحة مواجهة عسكرية بين السوريين المعارضين المسالمين والسلميين، وبين الآلة الوحشية للنظام. ثم بعد تحولها حرباً إقليمية – دولية، بل كونية تشمل بين ما تشمل مكافحة الإرهاب و «داعش» و «جبهة النصرة»، فتتشكل بسببها التحالفات الدولية، والإقليمية، والإسلامية، والمحاور التي تفرز الدول، بحيث تداخلت هذه التحالفات، وتعارضت في شكل بات يصعب معه الجزم بوجود وحدة موقف دولي إزاء مشروع الحل السياسي للأزمة التي فاضت عن حدودها نحو دول الغرب، فضلاً عن دول المنطقة ذاتها…

وقد تكون مفيدة أيضاً العودة إلى عدد البيانات الرئاسية الستة الصادرة عن مجلس الأمن التي تبنت إجراءات أو خطوات دعا إليها الموفدون الدوليون الثلاثة الذين استهلكت سورية أدوارهم، فضلاً عن التذكير بأن بين القرارات الدولية اثنين أرسل بموجبهما مراقبون عسكريون لوقف النار وتقديم المساعدات للمحاصرين. وتشمل العودة بالذاكرة أيضاً القرارات التي اتخذت في الجامعة العربية والمبادرات التي أطلقتها للحل في سورية ومن بينها إرسال المراقبين العسكريين. وكلها أفشلها النظام على طريق تحضيره لإطلاق موجات الإرهابيين على أشكالهم ليكونوا الفريق العازل بينه وبين معارضيه.

وعلى رغم ذلك كله، كرّس القرار 2254، بيان جنيف الصادر عام 2012 مرجعية رئيسة للحل السياسي، والذي عماده قيام هيئة الحكم الانتقالية الجامعة التي تخول سلطات تنفيذية كاملة مع أن موسكو سعت إلى تجنب ذكر هذا البيان. لكنه أبقى على الغموض في شأن طريقة قيام هذه الهيئة بعبارة: «تعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة»، ما يترك مجالاً لتأخير قيامها إذا رفضها رموز النظام… وهو كرر ما نصت عليه القرارات السابقة من «تحميل السلطات السورية المسؤولية الرئيسة عن حماية سكانها…». لكنه أبقى الباب مفتوحاً من أجل إلصاق المجازر التي ترتكب في حق المدنيين بالإرهاب بدل النظام.

مقابل كل عبارة واضحة في القرار هناك استدراك يتيح للنظام ومن يقف وراءه، من موسكو إلى طهران، التملّص من الوضوح. فكفالة القرار «للانتقال السياسي» تتطلب أن «يمتلك السوريون زمامها». والنظام لم يتوقف عن طلب وقف تدخل دول بعينها، لا سيما تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر كي يسوّغ لنفسه عرقلة أي انتقال سياسي…

ثمة حواجز كثيرة تقف في طريق التطبيق، قبل أن يلج الفريق الدولي المكلف وضع آليات تنفيذه إلى مسألة مصير بشار الأسد، ناهيك بالحواجز المتعلقة بتحديد المنظمات الإرهابية التي تتوجب محاربتها من النظام والمعارضة معاً.

وإذا كانت القاعدة الأبدية هي أن تنفيذ أي قرار يتوقف على ميزان القوى على الأرض، فإن المهلة المعطاة للبدء في تنفيذ وقف النار بين المعارضة والنظام، تتراوح بين 4 و6 أشهر، بمقدار تقدم المفاوضات بين الفريقين، والمؤمل أن تبدأ الشهر المقبل في جنيف. إنها مهلة إضافية أخذتها موسكو في سياق محاولتها تصحيح ميزان القوى، تارة عبر القصف الهمجي لمناطق المعارضة والتي تزهق المزيد من أرواح المدنيين وأخرى عبر «المصالحات» التي يرعاها النظام والجانب الإيراني، والتي تقود إلى فك الحصار عن مناطق ينسحب بنتيجته مقاتلو المعارضة منها. وهي مصالحات تتم في المدى الجغرافي الذي يسمح بضمان الصفاء في «سورية المفيدة»، حيث السيطرة للنظام. فهل تكون الآلية المزمع إنشاؤها، تكريس تقسيم مناطق النفوذ، بعد اتضاح خريطتها على الأرض تحت سقف التفاوض؟

الخشية هي من أن يمهّد هذا القرار لقرار جديد يحدد آلية وقف النار بإرسال قوات دولية تثبّت هذه المناطق، وفق هوية الدول التي سترسل جنودها.

الحياة

 

 

 

سورية: هدنة لتقاسم أراضي “الخلافة”/ حسان حيدر

من المرجح ان يتيح قرار مجلس الأمن الأخير حول سورية بداية مترددة لعملية سياسية قد تطول أكثر بكثير مما حُدد لها، لكن من المؤكد ان هذه العملية، إذا ما كتب لها ان تستمر، لن تسفر سوى عن تكريس الحدود القائمة بين «الكيانات» السورية المتعددة، مع التعديلات التي سيتيحها تقاسم أراضي «الخلافة» التي أقامها «داعش» المستثنى من بند وقف العمليات العسكرية، في حال اثبتت التحالفات العسكرية الدولية المتعددة نجاعتها، وتمكنت من تقليص رقعة امتداده، وصولاً الى إلغاء «دولته»، وهو أمر مشكوك فيه الى حد بعيد.

فالقرار الدولي الذي صاغته واشنطن وموسكو استند في جوهره إلى تأجيل بت الخلاف حول السبب الرئيس لقيام الثورة السورية، أي بشار الأسد ونظامه، وجعل تطبيق بنوده، بما في ذلك وقف إطلاق النار، رهن التوافق على تفسيرها. وهو توافق تبينت صعوبته بسرعة في ضوء تجديد كل من طهران وموسكو تمسكهما بالأسد وحتى بإمكان ترشحه الى الانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية. فجلّ ما يريده الروس والإيرانيون من القرار 2254 منح الأسد وجيشه مهلة لالتقاط انفاسه وإعادة تنظيم صفوفه، بانتظار ان ينشغل الأميركيون أكثر بانتخاباتهم الرئاسية، ويواصل الذعر من الإرهاب شلّ الأوروبيين.

ويستفيد الروس والايرانيون من هامش واسع للمناورة ينطوي عليه القرار، سواء في ما تعلق بتحديد تشكيلات «الارهابيين»، وهذا ينعكس في مطالبتهم بتغيير تركيبة الوفد المعارض في المفاوضات وخريطة وقف النار، او بطبيعة السلطة الانتقالية وصلاحياتها، وهذا محل تباين شديد منذ بيان جنيف الأول. وسيؤدي طول العملية السياسية والغموض المقصود في مسارها الى اتاحة الوقت للنظام لإعادة ترتيب سلطته في «سورية المفيدة» وتنظيم آليات ادارتها، في التفاف مسبق على اي نتائج قد تفضي اليها العملية السياسية ويعتبرها في غير مصلحته.

فالقرار الدولي الجديد يقيم توازناً هشاً بين الأطراف المنخرطين في الحرب السورية، فمن جهة يطلب وقفاً للنار بين النظام والمعارضة بالتوازي مع انطلاق مفاوضات سياسية، لكنه لا يحسم اي معارضة يقصد ومن يمثلها في المفاوضات. ومن جهة ثانية يريد للطرفين المتحاربين ان يحوّلا بنادقهما في اتجاه «داعش» وسائر الارهابيين، من دون ان يتمكن من تعريف هؤلاء وتمييزهم عن سواهم، وسط تداخل شائك ومتشعب بين التشكيلات المقاتلة على الارض، ما يعني ان هناك ذرائع جاهزة لخرق وقف النار تبعاً لمعايير النظام الذي يعتبر كل المعارضة «إرهابية»، ومقاييس داعميه.

ومن جهة أخرى، إذا كان مسلماً به ان يرفض القرار ضمناً وجود الارهابيين الاجانب الملتحقين بـ «داعش» و «القاعدة» في سورية، إلا انه لم يأتِ على ذكر الوجود العسكري الأجنبي الرسمي والمعلن على الأراضي السورية، اي الايراني المتعدد الأوجه، والروسي، بما يشكله من ضغط مباشر على اي مفاوضات، لأن هدفه الحفاظ على نفوذ الدولتين وانتشارهما المادي السابق على الانتفاضة، فضلاً عن إنقاذ الأسد. اي ان القرار يفترض في تبرئة مشبوهة ان القوات الايرانية والروسية في سورية هدفها محاربة «داعش»، بينما هي تركز عملياتها فعلياً على معارضي النظام والمدنيين من دون تمييز.

وفي ظل هذه المعطيات، سيكون وقف اطلاق النار مجرد هدنة تبقي على خطوط التماس بين النظام والمعارضة الى حين انتهاء المعركة ضد «داعش» و «النصرة»، والتي قد تشهد مداً وجزراً متكررين، ولا يمكن تحديد مهلة زمنية لها، اي ان الفرصة ستتاح لكل طرف لمحاولة اقتطاع مناطق تخضع حالياً لسيطرة التنظيمين، بما يعزز وضعه الميداني، وتالياً اوراقه في المفاوضات، ما قد يؤدي الى انهيارها مع الهدنة الهشة اصلاً.

الحياة

 

 

 

 

“مصير الأسد” يتحكّم بمصير التفاوض والقرار الدولي/ عبدالوهاب بدرخان

في السنة الخامسة، بعد خراب سورية، وبعدما تخلّت روسيا عن خوض الحرب بالوكالة لتلتحق بإيران في القتل المباشر للسوريين وتدمير بيوتهم، وبعدما قضّ اللاجئون مضاجع أوروبا هرباً من الوحش «الداعشي» والدب الروسي، وبعدما تأكدت الولايات المتحدة من أنها نجحت في توظيف الأزمة السورية لحماية إسرائيل، سواء بتدمير الترسانة الكيماوية لـ «نظام البراميل» أو بتعطيل القنبلة النووية الإيرانية… نجح مجلس الأمن الدولي في إصدار قرار في شأن سورية، معتقداً أنه أنهى مسلسل الفشل و «الفيتو» الذي أظهر المجتمع الدولي عاجزاً عن «حماية المدنيين» عندما ألحّوا في طلبها، وعن تطبيق «القانون الإنساني الدولي» عندما مسّت الحاجة إليه، وعن اتخاذ أي خطوة نحو تفعيل العدالة الدولية – إنْ وجدت – ضد نظام ثبت إجرامه، بل عاجزاً حتى عن تنفيذ أي قرار يحضّ على فك الحصارات وإدخال المساعدات الإغاثية…

ومع ذلك، لا بد من القول إن صدور القرار 2254 قد يكون أفضل من إبقاء الأزمة السورية هائمة على وجهها من دون أي عنوان واعتراف دوليين بوجودها. هل يعني ذلك إنهاء الصراع، أو أن المأساة بدأت تقترب من نهايتها؟ وحده هذا الهدف يحرّض على الأمل، بعدما ناقضت هذه الأزمة كل قوانين المنطق والتاريخ والأعراف الأخلاقية، وبعدما تضامنت كل استبدادات العالم لإعطاء «نظام البراميل» فرصة كاملة لسحق الشعب وهزمه، ولمّا أخفق رُفعت الأيدي الخمس عشرة في مجلس الأمن لتدعوه الى ما لا يستحق: أن يتفاوض مع الشعب، أن يتساوى معه، أن يتحدّث عن مستقبل سورية وهو الذي أفسد ماضيها القريب وجهد لتدمير كل الشواهد على تاريخها وهويتها، بل كذلك لتكون له فرصة للتلاعب بأي «مرحلة انتقالية» وللمساومة على مصيره وإفلاته من أي عدالة أو محاسبة على ما ارتكبه في حق سورية والسوريين.

نعم، ليس في القرار الدولي أي إنصاف للشعب السوري، لكنه مع ذلك مُعطى إيجابي في الأزمة، لأنه حدّد «الممكن» الذي يطلق دينامية قابلة للتحسين والتطوير. وعلى رغم أن لقرارات مجلس الأمن تاريخاً من خيبات الأمل، إلا أن المحك في هذا القرار ليس التزام «الأطراف السورية» فحسب، بل إن الأهم في هذه المرحلة هو التزام الأطراف الدولية التي احتفلت به وكأنها حققت إنجازاً، إذ تقدّمه على أنه يعالج الأزمة، والأدق أنه محاولة، مجرد محاولة، لمعالجة خلافات الدولتين الكبريين والدول المصطفّة وراءهما. وهذه خلافات على الهيمنة والنفوذ، وليست على السبيل الأفضل لإنصاف الشعب السوري، فالدولتان لا تزالان في العقلية التي رجّحت عام 2013 تدمير السلاح الكيماوي لنظام بشار الأسد، بدلاً من ضربه عقاباً على استخدامه، وقد استمرّ في استخدامه، ما بات يمنح الآن سابقة «مشروعية» لأي نظام يلجأ الى ذلك السلاح «المحرّم بموجب القانون الدولي». ولا شيء يؤكّد أن الخلافات الأميركية – الروسية عولجت أو بدأت تُعالج بفضل «تفاهمات كيري – لافروف» الأخيرة في موسكو، بدليل أنهما أنهيا يومهما «التوافقي» الطويل في نيويورك بعبارتين سجاليتين لا تتعلقان بما صيغ في القرار 2254، بل مسّتا ما هو حقيقي وواقعي. فالأميركي أشار الى استمرار القصف الروسي مواقع المعارضة (التي يراد إشراكها في التفاوض)، والروسي اعترض لتبرير عدم ضربه مواقع «داعش» لأن الأميركي يتلكأ في التنسيق معه.

إذا كان لما يُكتب في القرارات الدولية أي معنى أو صلاحية، فإن نص القرار 2254 على التزام مجلس الأمن «القوي» سيادة سورية ووحدتها وسلامتها الإقليمية، يجب أن يشكّل وجهة الحل المنشود للصراع. فهل هذا التزام نهائي يعبّر عن كل الدول الـ17 «المجموعة الدولية لدعم سورية» (لقاء فيينا)، بما فيها روسيا وإيران؟ يحتاج الأمر الى التدقيق والتأكيد، خصوصاً أن الدور الروسي لم يُحدث أي فارق «توحيدي»، ولم يخرج عن إطار الخطة الأسدية – الإيرانية التي باتت الغارات الجوية الذراع الأقوى لاستكمالها، وهي خطة تهندس الرقعة الجغرافية التي يريد الأسد والإيرانيون الاحتفاظ بها. خسر النظام مقوّمات فرض سيطرته على مجمل البلاد، حتى بمساعدة الروس، وابتعد هؤلاء كثيراً من الوعود والمبادرات التي ثرثروها قبل التدخل وبُعَيده عن توحيد الجيش السوري، وانزلقوا في مستنقع القتل واقتلاع السكان.

لكن، لنفترض أن القرار الدولي يعني ما يقوله عن وحدة سورية، وأن كل الدول المعنية تلتزم هذا المنطلق المبدئي للحل، إلا أن قراءة كل بند في ضوء ما اختُبر خلال أربعة أعوام، تترك انطباعاً بأن القرار مفخخٌ ليس فقط بالخلافات المعروفة والمعلنة، بل خصوصاً بعدم وجود تفسير واضح ومشترك لفحوى بيان «جنيف 1» و «بياني فيينا»، ولا لمعنى «إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوّل صلاحيات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية». فإذا كانت أميركا وروسيا والدول الـ15 الأخرى مجمعة على تفسير واحد، فليتبرّع أحد بشرح لإلحاح لافروف على تجنّب عبارة «هيئة انتقالية» لمصلحة «حكومة»، فهذا «التغميض» المتعمّد يعني أن موسكو لم تتخلَّ عن «الفيتو» هذه المرّة، إلا لأنها تقود اللعبة بشروطها خارج نصوص القرار الدولي.

ثمة ثغرات كثيرة في القرار، وأهمها أنه دشّن لتوّه أخطر مرحلة عرفها الصراع السوري، لأن كل بند فيه يتطلب تفاوضاً طويلاً على آليات التنفيذ. لكن الثغرة الأهم والأخطر هي في «التفاهمات» الأميركية – الروسية، التي لا يبدو أنها تناولت الضوابط المطلوبة في الفترة السابقة للبدء بالتفاوض، كما تركت الموعد ولو الافتراضي لوقف إطلاق النار عائماً ومبهماً. وبذلك، لا يبقى الدور الروسي منفلتاً فحسب، كما هو الآن، بل يُعطى المهلة الزمنية التي يحتاجها لاستكمال ضرب المعارضة وإضعافها. في المقابل، تتركّز التساؤلات على الموقف الأميركي وهل لا يزال معنياً فعلاً بتمكين المعارضة من الصمود في مواقعها، أم أنه اقترب أكثر من الموقف الروسي الذي يعتبر كل مَن يقاتل النظام «إرهابياً». وإذا كان الوزير كيري يروّج للقرار 2254 بأن فيه مصلحة للمعارضة السورية، ينبغي أن تنخرط في انتزاعها والبناء عليها، فإن الضغوط الأميركية لقطع الدعم العسكري عن المعارضة في مرحلة حرجة كهذه لن تبدّد تلك «المصلحة» فحسب، بل ستعني انحيازاً أميركياً واضحاً الى جانب العدوانية الروسية ضد الشعب السوري.

في البند الثامن، يُغرق مجلس الأمن قراره في تلاعب النظام السوري بمسألة الإرهاب وتصنيف الجماعات المقاتلة. صحيح أن المجلس طلب في قرار سابق منع أعمال تنظيم «داعش» و «جبهة النصرة» وقمعها، إلا أنه يستعد لتسمية جماعات أخرى فور توافق الدول الـ17 على قائمة بها. وهذا التوافق صعب لأسباب كثيرة متداخلة، منها أن الأمر يتعلّق بجماعات تقاتل النظام الى جانب «النصرة» ولم تبايع زعيم «القاعدة» وليست معنية بها، وهي جماعات سورية تتلقى الدعم من بعض تلك الدول المطلوب الآن أن توافق على تصنيفها إرهابية، أي أن تعرّضها للتصفية. والأخطر، أن مجرد السير بهذا التصنيف يعني اعتماد مقاتلة نظام الأسد تعريفاً للإرهاب، ما يبرر كل جرائم هذا النظام ويمحضها مسوّغاً ومشروعية قانونيين. صحيح أن من واجب معالجي الأزمة السورية استباق «الإرهاب المقبل» والتحوّط له، لكن مكافأة الأسد بإبقائه في المرحلة الانتقالية كفيلة وحدها بدفع جميع مناوئيه الى أحضان «جبهة النصرة» إن لم يكن بـ «استدعاشهم»، وفي ذلك تكرار متعمَّد لأخطاء نوري المالكي في العراق وحتى لنتائجها. ولعل أهم دليل على أن الإرادة الدولية لإنهاء الصراع لم تتبلور بعد، أن الجدل والخلاف على «مصير الأسد» مستمران، بل أضحا جدلاً على تصنيف مقاتليه، ومع بدء التفاوض سيصبح جدلاً على تصنيف معارضيه السياسيين، وعلى هذا فليس مستبعداً أن يكون الجدل بعد بضعة شهور على مصير القرار 2254 والمفاوضات والمرحلة الانتقالية…

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

التسوية بتجلية الغموض/ محمد برهومة

القاسم المشترك الأول في الحراك السياسي والديبلوماسي حول سورية منذ لقاء فيينا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إلى «مؤتمر الرياض» في 19 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، وصولاً إلى اجتماع نيويورك والقرار الأممي (2254) في الثامن عشر من هذا الشهر، أن العامل الخارجي الإقليمي والدولي هو من يقود تشكيل مسارات الحلول السياسية حول سورية. أما المشترك الثاني، فهو أنّ الاختبار الجدي والحقيقي لهذه الانعطافات باتجاه الحل السياسي وإضعاف اتجاه الحسم العسكري من جانب الأطراف المتصارعة فهو، وضع آلية عملية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين تتّسم بالاستدامة والفاعلية، بما يعزز الثقة ويشكّل بيئة مواتية لإجراء المفاوضات بين النظام والمعارضة. ولعلّ المشترك الثالث يكمن في أنّ ثمة معضلات لم يتم البت في شأنها قد تجعل هذا الحراك السياسي والديبلوماسي رهناً للهشاشة والضياع، وأبرزها الغموض في شأن مصير الأسد وغياب التوافق حول الجماعات الإرهابية التي ستستثنى من المشاركة في العملية السياسية والمفاوضات المقبلة، وستكون هدفاً لبند «مكافحة الإرهاب وقصف الإرهابيين».

العامل الخارجي المذكور سابقاً، لم يظهر فقط في جهد السعودية في خلق هيكل سياسي موحد تقريباً يمثل المعارضة السورية أمام النظام والمجتمع الدولي، بل أيضاً في الحوارات الأميركية – الروسية المكثفة والتسويات المتبادلة بين موسكو وواشنطن، التي هيأت الظروف لصدور القرار 2254. وإذا كان ثمة رجحان لمصلحة روسيا في تقرير مصير الأسد وإزالة الغموض عن دوره في المرحلة الانتقالية وما بعدها، فإن مصير «أحرار الشام» يشكّل البند الثاني من هذا الغموض، الذي يعني أنّ الفشل في إدارته سيكون مدخلاً لتصدّع كبير في صفوف المعارضة العسكرية السورية. والإشكالات المعقدة في الغموض الثاني تختزل في 3 مجالات، أولها أنّ تنظيم «أحرار الشام» ذو ثقل عسكري ميداني كبير في إدلب وحلب وحماة واللاذقية، وهو ثقل مستهدف من النظام وإيران وروسيا لإضعاف المعارضة وتعديل موازين القوى لمصلحة الشراكة بين روسيا والنظام وإيران في ظل التحضير للمرحلة الانتقالية.

وثانيها، أنّ أحد الموارد الرئيسية لقوة «أحرار الشام» الميدانية ضد النظام وحلفائه هو تحالف «أحرار الشام» مع «جبهة النصرة» واقترابه الأيديولوجي منها وتحالفه مع «الجبهة الشامية»، وهي تحالفات قوية وواسعة في الوقوف بوجه النظام والميليشيات الإيرانية المتحالفة معه، لكنّ بناءها الأيديولوجي المتطرف يعرقل، حتى الآن، احتمالات «إعادة تأهيلها» واستدخالها في العملية السياسية المقبلة والاستفادة منها في معركة التفاوض والحل السياسي. وثالثها هو أن «أحرار الشام» مصنّفة كحركة إرهابية لدى الإمارات وروسيا، وقد نشرت «واشنطن بوست» قبل أسابيع تقريراً ورد فيه أن ثمة تحقيقات تجرى في أميركا مع شخص سوري ذي صلة مع نشاطات تنظيم إرهابي، قال أنه «أحرار الشام». وعلى رغم مقالات لبيب نحاس في الصحافة الغربية، فإن المراقبين قالوا إن زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني، حين قال إن المقاتلين في الميدان لن يلتزموا تعهدات قادتهم الذين حضروا «مؤتمر الرياض»، إنما كان يقصد «أحرار الشام». إرث الثورة الفلسطينية مفيد لإعطاء الدروس لقادة المعارضة السورية، والانشقاقات والتحالفات المضادة عند بدء المسار السياسي شائعة ومشهورة، لكنّ المهم إدراك مصادر القوة واستغلال الظرف الجيّد الذي تحقق في «مؤتمر الرياض»، والقراءة الإيجابية للتحوّل الروسي النسبي الذي تمثّل في طيات القرار 2254، وبالتالي صياغة التحرك على وقع مصادر القوة تلك، مع الانتباه إلى أن عدالة القضية السورية، كما الفلسطينية، شيء، وحركة الدول الكبرى وتوازناتها شيء آخر.

* كاتب أردني

الحياة

 

 

 

“مرحلة إنتقالية” من الصواريخ إلى البراميل!/ راجح الخوري

عندما يقول جون كيري ان القرار رقم ٢٢٥٤ الذي أقرّ بالإجماع في مجلس الأمن، يمثل صيغة صّممت لوقف الحرب الأهلية في سوريا، فإنه يبدو كمن يَحفر او بالأحرى يعمّق الحفرة تحت إقدام الروس الذين يراهنون على شخص في مقابل شعب كامل تقريباً، وواضح ان هذا القرار لن يوقف الحرب في سوريا بل سيدفع بها الى مزيد من التأجيج والمآسي!

بعد ايام تنتهي مهلة الأشهر الأربعة التي حددها فلاديمير بوتين لإنتهاء عملية تدخله العسكري في سوريا لدعم بشار الأسد، صحيح انه عاد وربط هذه المهلة بمسار العمليات على الأرض، لكن الأصح انه أعترف قبل عشرة ايام بأن حسابات الحرب من الفضاء قصفاً وغارات وبراميل متفجرة، هي غير حسابات القتال على الأرض، ولهذا ليس واضحاً بالفعل كيف سيتمكن من ترجمة الإستدارة الكاملة التي نجح في إحداثها، عندما وضع نظام الأسد في موقع المرجعية الصالحة لمحاربة “داعش” والإرهابيين، ودعا الى ضمّ المعارضة التي دَمرها النظام أساساً للقتال الى جانبه!

يصبح الأمر اكثر إثارة عندما نكتشف ان القرار الذي أُعطي صفة لا يستحقها، اذ سّمي خريطة طريق لحل الأزمة السورية، يمكن ان يغلق الباب نهائياً امام التسوية السلمية في سوريا من خلال أمرين على الأقل:

اولاً إبقاء عقدة الأسد سواء في الحرب لجهة تأهيله والدعوة للانضمام اليه ضد الإرهابيين، أم في السلم لجهة الالتباس العميق في محتوى الحملة التي تتحدث عن المرحلة الإنتقالية، إذ ليس واضحاً ما اذا كانت مهمته الرئاسية تنتهي مع تشكيل الحكومة الإنتقالية بعد أربعة أو ستة أشهر، أو انها يمكن ان تبقى الى ما بعد المرحلة الانتقالية التي يفترض ان تنتهي بعد ١٨ شهراً!

على ان ما يثير اليأس لدى المعارضة ويجعلها أكثر اصراراً وإقتناعاً بجدوى البقاء في المتاريس لمحاربة النظام و”داعش” على ما يجري منذ فترة طويلة، هو ذلك التفسير الإستغبائي الذي نجح سيرغي لافروف في تمريره، أي معنى كلمة “المرحلة الإنتقالية” لكأن المطلوب في النهاية هو الإنتقال من تحت دلف النظام الى تحت مزاريبه التي تقطر براميل متفجرة تدمّر ما تبقى من البيوت على رؤوس السوريين!

أحد قادة المعارضة السورية لم يتردد في وصف قرار مجلس الأمن بأنه مسخرة المساخر، ليس لأنه جمع كل التناقضات في صيغة واهمة فحسب، بل لأنه يطلق أيدي الروس وحلفائهم الإيرانيين في سوريا، بما يمثّل وصفة ممتازة لمزيد من القتال والمآسي، ويكفي في هذا السياق ان نتذكر الأعوام الخمسة الماضية وما آلت اليه لكي ندرك تماماً، ان الشعب السوري الذي طالما رفعت روسيا شعاراته ليس أكثر من بقية ذخيرة تُحرق للحفاظ على النظام.

النهار

 

 

 

حدود التفاهم الروسي – الأميركي/ محمد ابرهيم

أولى الإشارات إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعد لمقابلة تنازل أميركا وحلفائها الغربيين بتأجيل بند “مصير الأسد” من بداية المرحلة الانتقالية إلى نهايتها، بتنازل روسي أتت بصيغة أن الحكومة السورية قد لا تعجبها كل البنود في مشروع قرار مشترك روسي – أميركي حول سوريا يوضع أمام مجلس الأمن قريبا. ولم يوضح بوتين ماهية هذه البنود لكن كلامه في مجال آخر عن الدستور الجديد والانتخابات الشفافة المضمونة دوليا يعني ان تعبير “الشعب السوري يقرر من هو رئيسه” قابل لتحويله من انتخابات شكلية الى استفتاء حقيقي تشرف عليه سلطة جديدة بضمانة دولية.

وإذا كانت المقايضة حقيقية بين تأجيل “بند الأسد” وبحث جدي في تركيب السلطة في سوريا، نصبح أمام مفاوضات حقيقية مطلع السنة الجديدة بين النظام والمعارضة ذروتها تركيب الحكومة الانتقالية والأوزان النسبية لمن يمثل المعارضة ومن يمثل النظام. وفي هذا السياق يصبح مفهوما الاهتمام الدولي الأخير بتصنيف اطراف المعارضة بين مقبول ومشبوه أو إرهابي صريح، وهو ما يعتبر أيضا استجابة غربية لمطلب روسي قديم بانهاء الالتباس في الموقف الإقليمي – الدولي الداعي إلى إزاحة الأسد وما يمثل. وفي هذا السياق تأتي أيضا قرارات مجلس الأمن الأخيرة بشأن تمويل “داعش”، ووضعها تحت الفصل السابع.

هذا التقارب الروسي – الأميركي يأتي ولا شك على خلفية الضغوط التي يتعرّض لها الرئيس الأميركي إثر العملية الإرهابية الأخيرة التي تعرضت لها أميركا وكذلك العمليات التي تعرّضت لها باريس والتي جعلت الرئيس الفرنسي داعية لحرب حقيقية على “داعش”، تستعمل كل ما في جعبة المؤسسات والتحالفات الدولية.

وليس التزامن بين الدفع الأخير في محاولات الوصول إلى تسوية سياسية في سوريا، ووقف النار في اليمن مع المباحثات الجارية في سويسرا بين المعسكرين اليمنيين المتقاتلين، والاعلان الأخير عن الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة بين اعضاء في البرلمانين الليبيين المتنازعين على السلطة، سوى تعبيرات عن دفع دولي واحد نحو إطفاء بؤر توتر يجمع بينها انها كانت في أساس تحوّل ظاهرة “القاعدة” الى ما هو أدهى منها، وانتشاره في الفجوات بين المعسكرين المتنازعين.

لكن تبقى نقطة الضعف الأساسية في هذا التحول في المناخ الدولي أن مرتكزاته الإقليمية والمحلية هشة. ففي ليبيا يشكو المسعى الدولي من ان قدراته على التأثير المباشر محدودة، فيما التحسينات في المناخ الدولي للحرب الأهلية في كل من اليمن وسوريا لم تعالج، لا من قريب ولا من بعيد، الأزمة المفتوحة بين إيران من جهة والتحالف التركي – الخليجي من ناحية أخرى.

النهار

 

 

 

الحرب و”الأسد إلى الأبد”/ علي بردى

ترك القرار ٢٢٥٤ الذي أصدره مجلس الأمن الباب مفتوحاً أمام التأويلات في شأن مستقبل الرئيس بشار الأسد. بل ذهب البعض الى اعتبار شخصه جزءاً من خريطة الطريق الطموحة لمسار التسوية المرجوة في سوريا. سيتمكن من البقاء حيث هو – على الأقل – خلال الأشهر الـ٢٤ المقبلة للمرحلة الإنتقالية والإنتخابات “الحرة والنزيهة” في إشراف الأمم المتحدة. تبدو هذه المسافة الزمنية دهراً.

تبدو دهراً لأن السنوات الخمس الأخيرة أدت الى مقتل وجرح وتهجير هذا العدد الهائل من السوريين، والى المساهمة في ظهور بعض أخطر الجماعات الإرهابية على أرض سوريا المدمرة. لا شيء يمنع الأسد – بموجب القرار الجديد – من الترشح للإنتخابات الرئاسية عملاً بدستور جديد يمكن صوغه خلال السنتين المقبلتين. هناك من يعتقد أن وصفة “الأسد الى الأبد” هي الأجدى ليس فقط لما كانت عليه حال سوريا، بل لما آلت اليه حالها أيضاً. ليس أمام الواقفين على الضفة الأخرى من نهر الدماء الجاري إلا أن يتأملوا نهاية هذه الوصفة مع الإنتخابات الموعودة طبقاً لـ”أرفع المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة”. هذا ما يمكن أن يحصل مطلع ٢٠١٨ على أقرب تقدير.

الأسد جزء لا بد منه في عملية وقف النار التي يجب أن تبدأ في نهاية كانون الثاني ٢٠١٦ في كل أنحاء سوريا بين القوات الحكومية وقوى المعارضة. كيف يمكن أن يحصل ذلك إذا لم يكن هناك اتفاق على تحديد ما ومن هي هذه المعارضة؟ يمكن أن يؤدي الخلاف العميق في هذا الموضوع الى إحباط الخطوة الأولى – البسيطة نسبياً – في خريطة الطريق المرسومة في القرار ٢٢٥٤. بل أن مواصلة الحرب خلال المرحلة الإنتقالية ضد “الدولة الإسلامية – داعش” و”جبهة النصرة” وغيرهما من الجماعات المرتبطة بتنظيم “القاعدة” ومذهبه الإرهابي، يمكن أن يتحوّل مشكلة عوض الحل. كيف يمكن ومن يريد ارسال مراقبين دوليين الى سوريا لمراقبة وقف النار؟

ولد القرار ٢٢٥٤ بعد ساعات طويلة من المفاوضات “الصعبة والمعقدة” وخصوصاً بين الولايات المتحدة وروسيا. أدرك وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن أي ضغط لن يغيّر في الوقت الراهن موقف نظيره الروسي سيرغي لافروف من الأسد. الإصرار على وضع جدول زمني محدد لرحيل الأسد كان سيفجر المفاوضات على خريطة طريق الإنتقال السياسي في سوريا. رحّلا خلافاتهما على دور السعودية مع قوى المعارضة السورية، على رغم قبول واشنطن بالإشارة الى لقاءات موسكو والقاهرة ضمن هذه المعارضة. هل تقبل ايران بتغيير المعادلات على طاولة المفاوضات بعدما أحبطتها بالتعاون مع روسيا في الميدان؟

الأسد سيبقى في الوقت الراهن حيث هو. أما سوريا فحبر على الورق ودماء على الأرض.

النهار

 

 

 

قرار مجلس الأمن حول الحلّ السوري توافق دولي “من فوق” … هل يكفي؟/ روزانا بومنصف

حين تتحدث الادارة الاميركية ورئيسها باراك أوباما تحديدا عن توقعاته القوية بغرق روسيا في الوحول السورية على اثر تدخل موسكو عسكريا على نحو مباشر من اجل منع انهيار بشار الاسد، وتتحدث تقارير عدة عن عدم استطاعة روسيا احراز اي تقدم في حربها المزعومة على تنظيم الدولة الاسلامية منذ ايلول الماضي، لا يتوقع كثر في المنطقة ان تذهب الولايات المتحدة الى منطق روسيا في شأن سوريا بل العكس ان تجذب اميركا روسيا الى منطقها. لذلك حين اعلن وزير الخارجية الاميركي جون كيري على اثر لقائه يوم الثلثاء في 15 من الشهر الجاري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “ان الولايات المتحدة وشركائها لا يسعون الى تغيير النظام وان مغادرة الاسد حالما تبدأ محادثات السلام ليست موقفا مبدئيا” فان ذلك كان محبطا مقدار ما كان تتويجا لموقف اميركي بدا متزعزعا حول الاسد على رغم استمرار ترداد الرئيس الاميركي على نحو رتيب وغير فاعل او مؤثر بوجوب تنحي الاخير. لكن هذا الموقف لكيري لم يكن مفاجئا فعلا بالنسبة الى متابعي الخط البياني للموقف الاميركي من الحرب السورية اذ كان ثمة رهان دوما على ان روسيا ستسعى الى محاولة التوصل الى اتفاق مع الولايات المتحدة حول سوريا قبل انتهاء ولاية اوباما، كما فعلت ايران تماما، للاعتقاد الراسخ بان الامور ستكون اسهل مع اوباما غير المهتم بالمنطقة والمنسحب منها، منه مع اي ادارة جديدة حتى لو كانت ستحل مكانه ادارة ديموقراطية برئاسة هيلاري كلينتون. هذان العاملان اي حاجة روسيا الى اتفاق سياسي في سوريا يقيها المضي في حرب استنزاف والحاجة الى الاتفاق مع ادارة اوباما ابقيا الامال مرتفعة بامتلاك هذه الاخيرة اوراقا قوية من اجل الضغط لحل سياسي مختلف يحدد مهلة زمنية لبقاء الاسد مثلا. السذاجة التي تتحكم بشعوب المنطقة تستند الى الاعتقاد بان تولي الولايات المتحدة او تبني الدول الكبرى قضاياهم يساهم في ايصال حقوقهم كما يرونها او يسعون هم الى تحقيقها بانفسهم في حين ان هذه الدول تعمل على قاعدة مصالحها ليس الا.

تقول مصادر مراقبة ان كيري فعل على الارجح ما تطلبه الاتيان بروسيا الى قرار دولي حول سوريا حمل الرقم 2254 وحظي باجماع مجلس الامن وتضمن اطارا مبدئيا للحل السياسي يبقي على الاسد على الاقل الى ما بعد رحيل ادارة اوباما ومعها كيري في مقابل بقاء بوتين الى جانب الاسد ومعه ايران ايضا.اذ اصبح هناك توافق دولي شرعي في مجلس الامن على اطار الحل كان مفقودا حتى الان. وليس واضحا تماما اذا كان يسجل لكيري انجاز في هذا الاطار على اساس انه ارسى قواعد الحل السوري قبل نهاية ادارة اوباما ام لا. من وجهة نظر ديبلوماسية صرفة يمكن ان يعد القرار خطوة اولى جيدة بعد خمس سنوات على الحرب السورية بحيث يتعين البدء على توافق يكرس في مجلس الامن من مكان ما. من وجهة نظر سياسية السؤال الاساسي هو: هل يمكن ان يجد هذا القرار طريقه الى التنفيذ؟ من الصعب رؤية ذلك خصوصا ان الطريق التي حددها القرار طويلة في الاصل لكنها في الواقع ستكون اطول بكثير بحيث لن تنفذ اجندة المواعيد كما حددها القرار. فالاسئلة الصعبة ليست في اتفاق مبدئي على اطار معروف للحل والذي يقارب في بعض عناوينه الوصفات المعهودة لاخراج دول من حال حرب اهلية على رغم صعوبة تنفيذ او تحقيق هذا المسار بل هي في ما هو ابعد كيف يمكن اقناع او طمأنة السوريين الى وضع اطار للحل يفاوض عليه رأس النظام السوري ويشارك في وضعه وهو المسؤول عما آلت اليه حال السوريين من دمار وبؤس وهو لم يعلن مرة انه اخطأ في مقاربته للازمة في بلاده او اعتذر من السوريين. قد تأتي روسيا بحليفها الى طاولة المفاوضات لكن الادارات والحكم في الدول الديموقراطية يتغير في هذا الوقت ويقل اهتمام هذه الدول بمسار المفاوضات وما اذا يحتم بقاء بشار الاسد ام لا. حصل هذا مع الاسد نفسه حين قاطعته فرنسا بسبب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما لبثت فرنسا ان لحقت بمصالحها ما ان انتهى عهد الرئيس جاك شيراك فعاد من بوابة العيد الوطني الفرنسي على جادة الشانزليزيه. ومن غير المستبعد ان يكون هذا ما تسعى اليه ايران وروسيا لجهة ابقاء الاسد وسط سؤال كبير اذا كان السوريون يمكن ان يقبلوا ان يستمر حكم العلويين في سوريا بعد كل ما حصل وما اذا كانت روسيا تستطيع تحمل حماية حيدر العبادي اخر في سوريا مع بقاء مناطق كثيرة خارج نطاق السلطة في دولة فاشلة يتصارع اهلها وطوائفها على النفوذ فيها الى جانب دول المنطقة والخارج ايضا كما هي حال العراق الذي يرجح ان تنتهي سوريا الى ما انتهى اليه في احسن الاحوال في ظل قرار دولي لا يحسم مصير الاسد ووجود دول تعمل على بقائه وعدم وجود افق لهزيمة داعش. وتاليا هل التوافق الاميركي الروسي على الحل يضمن توافقا ايرانيا سعوديا او ايرانيا عربيا تركيا على الحل في سوريا ام انه اتفاق من فوق اي من الدول الكبرى لا يمكن ان يسري على دول المنطقة المتناقضة المصالح في سوريا ؟

النهار

 

 

 

 

 

دمشق: «الغموض البنَّاء» في مواجهة غموض 2254/ زياد حيدر

لم تصدر من دمشق تصريحات رسمية ترحب أو ترفض قرار مجلس الأمن الدولي 2254، كما لم يتبين علنا إن كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد أصاب الدقة أم لا، حيال توقعاته بأن «لا يعجب» القرار القيادة السياسية في دمشق، علماً أن سوريا لم تعجب سابقاً بمؤتمري جنيف في العام 2012، برغم الزخم الروسي الذي رافقهما، وبالأخص حين صدر البيان الأول الشهير، الذي يحدد مسار العملية السياسية المرهون بتشكيل «هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات»، لكنها لم ترفضهما علناً.

وشاركت وزارة الخارجية السورية وموظفون في القصر الرئاسي كما هو معروف، بجولتي محادثات، حرصاً منها على إظهار «إيجابية ديبلوماسية وتعاون دولي، كما إرضاءً للحليف الروسي»، برغم القناعة المسبقة أن جنيف حمل «بذار موته في طياته»، على الأقل من وجهة نظر دمشق، وأن القرار الدولي الذي قاد التفاهم الأميركي – الروسي إليه مجدداً، مساء الجمعة الماضي، هو بدوره يحمل من الغموض ما يسمح بتحوله إلى قرار دولي شبيه بكثير من القرارات الدولية التي سبقته.

ووفقاً لمعلومات «السفير» ستشارك سوريا في جلسات تفاوض مستقبلية تجري بدعوة أممية، كما سبق وفعلت في جنيف مرتين، من دون ثالثة، حين أرسلت دمشق وفداً سورياً رفيع المستوى ترأسه نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وليد المعلم للمشاركة في محادثات برعاية أممية، مع وفد يضم ممثلين عن «الائتلاف الوطني» المعارض.

وليس معلوماً بعد متى سيحصل هذا على وجه التحديد، علماً أن دمشق مشغولة في الوقت الراهن في إيجاد «حل لقضية مشاركة تنظيمات إرهابية في وفد المعارضة»، الذي يُفترض أن كتلته الأكبر قد تشكلت في الرياض، وتعمل تحت إشرافها وتضم ممثلين عن فصائل مقاتلة، تُعتبر من ألد أعداء الجيش السوري وحلفائه في المعركة الحالية.

وترفض سوريا بشكل قاطع التفاوض مع «مجموعات إرهابية»، وهو أمر عبّر عنه صراحة الرئيس السوري بشار الأسد في لقاء صحافي جرى تزامناً مع انعقاد مؤتمر الرياض لقوى المعارضة السورية. وهو ما يعني، وفقاً لخبراء ومسؤولين سوريين، أن أي تفاوض يجب أن ينتظر القائمة التي تحدد من هي الفصائل التي تُعتبر إرهابية من تلك التي تستطيع المشاركة في العملية السياسية.

ولا يعني هذا أيضاً، أن هذه اللائحة ستحمل أخباراً جيدة، بالنسبة لدمشق، على اعتبار أن ديناميكية الحرب وفرص إنهائها تفترض إشراك أصحاب القدرة العسكرية الكبيرة في البحث عن تسوية.

ووفقاً لمعلومات مسرَّبة ساهم لقاء أمني رفيع المستوى بين مسؤولين أمنيين سوريين وأردنيين في عمان، في توسيع دائرة تصنيف المجموعات الإرهابية على الأرض السورية، والتي بلغت 167 مجموعة، علماً أن موسكو ودمشق وطهران تلتقي على تعريف واحد لتلك الجماعات، ولدورها في الحرب.

ويرحّل القرار الدولي بالنسبة لدمشق القضايا ذاتها التي شكلت عقبات في السابق، وبينها «مصير الرئاسة السورية»، كما كيفية انتقال «الصلاحيات الكاملة» من مؤسسة الرئاسة بشكل كامل نحو «الحكومة الوطنية» التي يُفترض أن تتشكل خلال ستة أشهر بعد بدء المفاوضات، وتقوم بالإعداد لدستور جديد. ويشكل هذا الترحيل، الذي يستهدف أولاً إطلاق المسار السياسي (كما سبق وحصل في جنيف ولاحقاً في موسكو) سبيلاً لتمهيد منصة ثابتة لمناقشة مثل هذه القضايا.

إلا أن عوامل تدمير هذه المنصة كبيرة بدورها، وتبدأ بفرضية تحقيق وقف كامل لإطلاق النار، فشل مراراً سابقاً، من دون أن يشمل الفصائل المصنفة إرهابية، وفق التصنيف الأممي المقبل، وهو أمر أقر مسؤولون بإمكانية حصوله تحت ضغط رعاة المجموعات المسلحة، ولا سيما بعد تجربة التدخل التركي العسكري في العراق، والذي انتهى بسرعة بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان.

وسيصبح ضغط الرعاة هو مفتاح التشغيل، لانطلاق عربة القرار 2254، ولا سيما أن المنسق العام لهيئة التفاوض عن مؤتمر الرياض رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب رفع سقف مطالب المعارضة بشكل يتجاوز مرحلة الأشهر الستة للتفاوض، كما انتقد «الائتلاف» القرار أيضاً.

ألا أنه وفي حال ضمت قاعة الطرفين معاً، كما حصل بأشكال مختلفة سابقاً، فإن عوامل كثيرة ستترك تأثيرها على مسار الأشهر الستة، من التفاوض، علماً أن سوريا لا زالت تضم حاضنة شعبية كبيرة من الطرفين، «لا تجد جدوى كما لا تؤيد العملية السياسية المحتملة»، لكن الوقت يمر، والمزيد من التعقيدات قد تنشأ وفقاً لما يراه خبير سوري متابع لهذا المسار في دمشق، حيث ترسخت القناعة مؤخراً بأن أوباما يريد أن يرى مساراً سياسياً ذا فعالية قبل اختتام ولايته الرئاسية العام المقبل، ولكن من دون أن يخرج عن أطر المصالح الأميركية، وبالتوافق مع روسيا، لأن احتمالات أن يحصل «شيء مشابه سريعاً بعد رحيله أقرب للعدم من أي احتمال آخر».

السفير

 

 

 

من الحل السياسي المستحيل إلى الممكن… بصعوبة/ د. عصام نعمان

بإمكان كل من رأسيّ الفريقين المتصارعين في سوريا وعليها أن يدّعي النصر بصدور قرار مجلس الأمن الدولي 2254 في 2015/12/18.

جون كيري لخّص انتصار فريقه بموافقة سوريا على مجالسة معارضي نظامها إلى طاولة المفاوضات، بعد ممانعة طويلة أبداها، بحسب رأيه، رئيسها بشار الأسد.

سيرغي لافروف تحدث بزهوّ عن تبني القرار الأممي 2254 في إحدى حيثياته، البيانَ المشترك عن نتائج المحادثات بشأن سوريا الصادر في فيينا بتاريخ 2015/10/30، وبيان الفريق الدولي لدعم سوريا الصادر بتاريخ 2015/11/4، ذلك أن الحيثية المذكورة نصّت على «كفالة الانتقال السياسي تحت قيادة سورية، وفي ظل عملية سياسية يمتلك السوريون زمامها، على أساس مجمل ما جاء في بيان جنيف». النصر الذي قد يدّعيه رئيس كل من الفريقين المتصارعين اعتورته مرارة لم يخْفِها اركان واعضاء في الفريقين. فالرئيس الامريكي باراك أوباما لم يكتم امتعاضه من بقاء الأسد، إذ تمسّك بضرورة تنحيه من دون أن يحدّد موعداً لذلك. أعضاء في الوفدين السعودي والتركي لم يرق لهم الاتجاه إلى إبعاد ممثلي التنظيمات المسلحة المدعومة من بلديهما عن طاولة المفاوضات.

لعل التقويم الأكثر واقعية وموضوعية للقرار 2254 هو ما جاء على لسان الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا: «الحل السياسي كان مستحيلاً… الآن أصبح ممكناً».

ربما أصبح ممكناً، لكن بقدْر كبير من الصعوبة، ذلك أن عوائق عدّة، سياسية وعسكرية وفنية، ما زالت تقف في طريقه، على هذا الصعيد، يمكن بيان الملاحظات الآتية:

اولاً، لن تهضم السعودية وقطر وتركيا أن تكون تركيبة «الهيئة الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة» تحت قيادة سورية ما يُبقي الأسد في قلب العملية السياسية في المرحلة المقبلة. ولعلها ستسعى إلى التخفيف من وطأة مفاعيل هذا الإجراء بمحاولة الضغط ميدانياً على الحكومة السورية، كما على الولايات المتحدة وروسيا، من اجل تأمين حصة وازنة للتنظيمات المسلحة في الهيئة الانتقالية.

ثانياً، قد يطول الجدل حول تحديد التنظيمات الإرهابية وتمييزها من التنظيمات المعارضة «المعتدلة»، الأمر الذي يؤخر تأليف الهيئة الانتقالية ومباشرة عملها وبالتالي تأخير إجراءات وقف اطلاق النار.

ثالثاً، حتى لو أمكن التوافق على تركيبة الهيئة الانتقالية بصلاحياتها الكاملة، فإن جدلاً طويلاً سيندلع بين أطرافها حول معادلة توزيع المهام داخلها، ذلك أن فريق الحكومة السورية سيصرّ على الاحتفاظ بالصلاحيات المتعلقة بالإمرة على القوات المسلحة بجميع فروعها، الأمر الذي سيلقى معارضة من أطراف الفريق الآخر.

رابعاً، ستقع احتكاكات وخلافات ونزاعات بالضرورة بعد بدء مرحلة وقف اطلاق النار. فالجيش السوري (والقوى الداعمة له) لن يُوقف علمياته ضد قوات «داعش» و»النصرة» وقوى المعارضة المسلحة المتعاونة معهما، الأمر الذي سيثير حفيظة فريق المعارضة في الهيئة الانتقالية وقد يعطل اجتماعاتها إلى حين جلاء هذا الموضوع الحساس.

خامساً، يتضح من تصريحات ممثل سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري، ووزير خارجية إيران محمد جواد طريف، أن الحكومة السورية تعتبر كل مجموعة مسلحة تقاتلها هي مجموعة إرهابية، الأمر الذي يؤدي إلى بلبلة واضطراب في حال اخفقت اطراف المعارضة في الهيئة الانتقالية – المفتقرة إلى قيادة موحدة – في ضبط عشرات الفصائل المسلحة التي تدعي أنها من المعارضة «المعتدلة» وبالتالي غير إرهابية.

سادساً، من المرجّح ألاّ تستجيب تركيا لبنود القرار 2254 التي تلزم جميع الدول ذات الصلة، والأطراف المنخرطة في القتال بوقف إطلاق النار وبمساعدة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة على التفاوض، لكفالة انتقال سياسي بقيادة سورية. ذلك أن تركيا ستثابر على دعم القوى المسلحة القريبة من المعابر الحدودية لمنع الجيش السوري من السيطرة على كامل المناطق المحاذية لها.

سابعاً، في حال أخفق أطراف المعارضة الممثلون في الهيئة الانتقالية في الاستقلال عن حلفائهم الاقليميين، فإن عمل الهيئة سيُخفق بدوره. ذلك أن مسائل وقف إطلاق النار، وتأليف حكومة وطنية جامعة، والاتفاق على أحكام الدستور الجديد، وإجراء الانتخابات في مدى 18 شهراً من بدء المحادثات سيتعثر حلها ما لم يتوصل الأطراف السوريون إلى اقتناع متين بضرورة العمل بمعزل عن أي ضغوط، أو تدخلات خارجية.

ثامناً، حتى لو تمكّن الأطراف السوريون من المحافظة على مستوى معقول من الاستقلالية والتعاون، فإنهم قد يتجادلون طويلاً حول قضايا أساسية تتعلق بتركيبة حكومة الوحدة الوطنية، ومضمون الدستور الجديد، وأحكام قانون الانتخابات. هذه الخلافات المحتملة ستحول دون إنجاز العملية السياسية خلال18 شهراً.

تاسعاً، قد يتعثر عمل الهيئة الانتقالية، إذا ما أثيرت مجدداً مسألة إقصاء الرئيس بشار الاسد عن ممارسة أي دور في مستقبل سوريا، بمحاولة منعه من الترشح لولاية رئاسية جديدة، إذا كان راغباً في ذلك.

عاشراً، قد تأتي الانتخابات الأمريكية برئيس جديد قبل إنجاز الهيئة الانتقالية المهام المسندة إليها، وقد يكون للرئيس الجديد سياسة متعارضة مع سياسة سلفه، الأمر الذي ينعكس سلباً على المفاوضات. كما قد يفشل التحالف الدولي الجديد ضد «داعش» و»النصرة» في إجلائهما عن كل المناطق السورية والعراقية التي يسيطران عليها، ولاسيما الحدودية منها، ما يؤدي إلى تمديد الأزمة السورية وتداعياتها السلبية على الجهود الأممية ويربك إجراءات الحل السياسي.

يتحصّل من هذه الملاحظات وجود صعوبات وعوائق جمّة تعترض طريق الحل السياسي. ومع ذلك فإن توصّل الأطراف السوريين إلى توحيد قاطع لإرادتهم في الخروج من الازمة، كفيل بإنجاح المساعي الرامية إلى استعادة «وحدة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، واستمرارية مؤسساتها الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين بغض النظر عن العرق أو المذهب الديني»، كما جاء في حيثيات القرار الأممي 2254.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

سوريا: وقف إطلاق نار أم تشريع أممي لمذبحة؟

رأي القدس

تتجه المسألة السورية إلى مفصل تاريخي كبير يتمثّل في تسوية تعقب استصدار قرار لمجلس الأمن يصادق على ما اتفق عليه في مؤتمر فيينا 1 المتضمنة بدء مباحثات بين المعارضة السورية ونظام الرئيس بشار الأسد لتشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم بالإشراف على إجراء انتخابات رئاسية، وتضمنت مباحثات فيينا أيضاً الاتفاق على وقف لإطلاق النار في سوريا.

وبغضّ النظر عن الطريقة التي ستعمل فيها واشنطن على تركيبة القرار بشكل يقبل به حلفاء النظام السوري في موسكو وطهران، من جهة، ويوافق عليه حلفاء المعارضة السورية في تركيا وقطر والسعودية، من جهة أخرى، فالأكيد أن هناك أطرافاً كبيرة ستتضرر، ماديّاً ومعنوياً، من المطحنة الروسية الأمريكية لاختراع التسوية.

القرار المقبل سيفتح الطريق نحو تشريع لا يستهدف «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» فحسب، بل كذلك جماعات أخرى تم اعتمادها في «قائمة الإرهاب» التي كلّف الأردن بتقديمها، والتي تقول التسريبات إنها تضمّ تنظيمات سلفيّة سنّية مسلحة وتتجاهل الميليشيات العراقية واللبنانية المنخرطة في الصراع السوري، كما ليس متوقعا أن يتعرّض القرار المرتقب لمسألة وجود القوات الإيرانية النظامية التي تقاتل في سوريا، رغم أن نقل الأسلحة والقوات الإيرانية ممنوع بقرار أممي سابق.

بهذا المعنى فإن «وقف إطلاق النار» الذي يبشّر به الأمريكيون لن يكون، بأي حال، وقفاً حقيقياً لإطلاق النار بل تقنيناً لمرحلة جديدة من المجازر الجوّية والأرضية تشارك فيها القوات الروسية وقوات النظام وما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» المؤلّفة بشكل رئيسي من وحدات عسكرية تابعة لحزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي، إضافة إلى طائرات قوات التحالف الغربي، وربما بعض قوى المعارضة السورية غير المصنّفة «إرهابية» ضد كل ما يعتبره القرار الدولي تنظيمات إرهابية.

تبدو خطة التسوية هذه للناظر إليها مثل معادلة حسابية لإدارات روبوتية تصّنع وتقرر مصائر الشعوب بتواريخ دقيقة (جمع وفد معارضة بتاريخ …، إعلان قرار أممي بتاريخ…، مفاوضات لمدة ستة أشهر ومرحلة انتقالية لـ18 شهرا، انتخابات رئاسية بعد سنتين الخ…).

الطرف الأساس المفترض في المعادلة، وهو الشعب السوري، وخصوصاً في المناطق التي ثارت على النظام، أضحى مقطّع الأوصال وفقد أركان اجتماعه الاقتصادية والاجتماعية، وصارت المعارضة، التي تمثّل أحلام هذا الشعب بالعدالة والتنمية والمجتمع المدني، منهكة بدورها، بل إن حلفاء النظام (ولا نقصد موسكو وإيران فحسب بل كذلك بعض الدول العربية) يحاولون رفدها بأشخاص وتنظيمات تتلقى سلاحا من النظام وتدافع عنه قولاً وفعلا، بعد أن عملوا بدأب على تشتيتها وتفريقها ووطّدوا أركان تلك «المعارضة» الأخرى بالمال والسلاح والغطاء الجوي.

يضاف إلى ذلك أن «شهر العسل» الأمريكي – الروسيّ الذي أصبح عاجل التطبيق فجأة (بعد أن فاض سيل النزوح إلى الغرب، وتعرّضت باريس لهجوم في قلبها، وتصاعدت موجات الكراهية والإسلاموفوبيا وتعززت قوى اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا)، أظهر للسطح ما كان خافياً من اتفاق عميق بين العاصمتين، فموسكو تحارب من أجل الحفاظ على النظام وواشنطن لا تريد سقوطه وتمنع حلفاء المعارضة من مدّها بالسلاح النوعي ومن فرض منطقة آمنة وغطاء جوّي يؤمّن وجودها ويسمح بإعطائها شرعيّة تسقط شرعيّة النظام.

كل هذا يوحي بطبخة مستعجلة للحلّ في سوريا (وكذلك في اليمن وليبيا)، وبإعطاء روسيا، ما دامت قد أصبحت القوة الضاربة الأكبر في سوريا، رخصة أممية للقتل العميم الذي شاهدنا منذ أيلول/سبتمبر وحتى الآن نماذج فظيعة عنه. إيقاف إطلاق النار سيكون، باختصار، الاسم الفنّي لمجازر هائلة على وسع سوريا، وبذلك، كما تظن أمريكا وروسيا، ستختفي «المسألة السورية» وسيعود الثقب الأسود الكبير للانغلاق.

التفصيل الصغير البسيط الذي سيحرق طبخة حل «المسألة السورية» هذه هو تجاهل أساسها، وهو ثورة شعب على نظام دكتاتوري دموي، واستبدالها بـ»محاربة إرهاب» وطّد هذا النظام أركانه، وفاقه، مع ذلك جرائم لا تنتهي. الهندسة المفرطة في هذه «الطبخة» وتجاهل الأسباب التي قادت للوضع الحالي يجعلها تصلح للتطبيق في مختبر كيميائي لا في واقع اجتماعيّ وسياسي واقتصادي معقد كالواقع السوري.

القدس العربي

 

 

 

لحظة الحقيقة في سوريا/ مأمون فندي

بقرار مجلس الأمن الصادر بالإجماع يوم الجمعة 2015/12/18 بوقف إطلاق النار في سوريا، يكون العالم قد وصل إلى لحظة الحقيقة في هذا البلد، بعد مقتل ما يقرب من ربع مليون من مواطنيه، وتشريد ملايين آخرين كنازحين في كل بقاع الأرض تقريبا. ولا أعني هاهنا بالعالم، العالم الغربي فقط، بل أعني أيضًا سوريا وإيران والعالم العربي ونظام الأسد نفسه. لقد تخطّت الأزمة السورية المستمرة منذ ما يقرب من خمس سنوات عتبة ما يمكن للضمير العالمي أن يسكت عليه، كما أن الأزمة دخلت مرحلة لو زادت عنها لتفكك النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

فما هي المحركات التي جعلت من الأزمة السورية أولوية الآن؟

الشيء الذي لا يريد الكثيرون الاعتراف به في الأزمة السورية هو التغير الاستراتيجي الذي حدث نتيجة التدخل الروسي في سوريا. فهو تدخل فرض واقعًا جديدًا وعكس التزامًا روسيًا أجبر الغرب المتردد على تبني موقف ملتزم أيضًا انعكس في قرار مجلس الأمن الأخير. التدخل الروسي في سوريا ليس سلبيًا كله، فروسيا هي الوحيدة القادرة على ترشيد النظامين السوري والإيراني تجاه التوصل إلى حل سلمي للأزمة. وروسيا هي الدولة الوحيدة التي استدعت بشار الأسد لتأخذ منه التزامًا مباشرًا بالخط الروسي في المفاوضات مع الغرب. وبهذا لا نقلل من قيمة روسيا في إقناع النظام بالالتزام بوقف إطلاق النار الذي أقره مجلس الأمن، الجمعة، بالإجماع. فإذا استطاعت روسيا فرض تصورها على نظام الأسد، فهل يستطيع الغرب أن يفرض أمرًا واقعًا على الميليشيات والجماعات المختلفة المناهضة للنظام؟ ظني أن موقف الغرب قد تغير تجاه الأزمة الروسية، وقد يفرض وقف إطلاق النار بالقوة حتى تتحرك الأطراف باتجاه المفاوضات في فيينا مرة أخرى.

قرار مجلس الأمن حول سوريا هذه المرة يجب ألا يُستخف به كما تعودت منطقتنا في التعامل مع قرارات المنظمة الدولية، فالقرار هذه المرة فيه رائحة قرارات مجلس الأمن حول العراق عندما احتل الكويت (1990)، أو مثل قراراته لرد الصرب في يوغوسلافيا القديمة أو البوسنة. قرار جاد، واختبار حقيقي، ويجب ألا نراه كما تعودنا من قرارات المجلس تجاه القضية الفلسطينية. لذا يكون من الحصافة بالنسبة للاعبين الإقليميين، وأولهم إيران، ألا يتصوروا أن الموضوع هو مجرد مسكنات سياسية لإدارة أزمة لا حلها. قرار المجلس والإجماع الذي حظي به يعني بداية العمل الجاد نحو الحل النهائي للمأساة السورية.

ما جعل الأزمة السورية أولوية الآن هو وضعها في السياق الأوسع للحرب على الإرهاب، وجاءت أحداث الإرهاب في كل من باريس وكاليفورنيا لتركز الذهنية الغربية على مواجهة الإرهاب، وتم النظر إلى سوريا على أنها حاضنة هذا الإرهاب أو المحرك الأول لما يحظى به متطرفو «داعش» من قوة عسكرية ومالية نتيجة سيطرة التنظيم على أجزاء مهمة من سوريا، ومن ضمنها بعض آبار النفط التي تمنح التنظيم قوة اقتصادية غير مسبوقة لتنظيمات من هذا النوع. كما أن تمدد «داعش» في ليبيا، وارتباطه بحركات التطرف في أفريقيا مثل حركة «بوكو حرام»، يجعله تحديًا أوروبيًا.

أما المحرك الثاني لقرار مجلس الأمن واستعجاله، فهو الضغط الذي جاء نتيجة تدفق النازحين من سوريا ومناظرهم في طوابير طويلة يعبرون الحدود الأوروبية، في مشهد درامي حرك القادة الأوروبيين وأولهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فقد جعل من القضية السورية قضية محلية في بعض هذه الدول، ومن شاهد الحوار في البرلمان البريطاني مثلا سيدرك كيف تحولت سوريا إلى قضية بريطانية محلية، مما أدى إلى موافقة البرلمان على تدخل القوات البريطانية في الحرب على «داعش».

أيضًا يعد التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي أعلنته السعودية مؤخرًا تقاطعًا إقليميًا مهمًا مع الأجندة الغربية لمكافحة الإرهاب. هذا الموقف الإقليمي الذي طالما طالب به الغرب أصبح الآن في متناول اليد.

الشراكة الغربية الإقليمية، ومعها روسيا، خلقت نوعًا من سياق جديد للحوار حول سوريا يسمح بتنازلات من كل الأطراف مع الحفاظ على ماء الوجه للجميع.

المهم في كل هذا هو قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سوريا، فهو خطوة عالمية جادة تأخذنا إلى لحظة الحقيقة في سوريا. وكما أشرت بداية فإن الأزمة السورية المستمرة منذ ما يقرب من خمس سنوات تخطت عتبة ما يمكن للضمير العالمي أن يسكت عليه، كما أن الأزمة دخلت مرحلة لو زادت عنها لتفكك النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.. لذلك تحرك مجلس الأمن.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

سوريا وصناعة الحلول السياسية/ عبدالله بن بجاد العتيبي

الحلول السياسية هي باستمرار غاية وهدف للنزاعات والصراعات، وهي حلول يتم بناؤها بأناة وعقل، وبواقعية متناهية ووعي مستمر بالتغيرات والتطورات، دولياً وإقليمياً وداخلياً.

أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً جديداً رقم 2254 تجاه الأزمة السورية التي اختلطت فيها الصراعات الدولية والنزاعات الإقليمية والمشكلات الداخلية، وتقاطعت فيها ملفات الرئيس القاتل لشعبه، وتنظيمات الإرهاب، وحركات الإسلام السياسي العنيفة التي هي شقيقة الإرهاب ومنبعه، وبروز الطائفية كسلاح سياسي قاتل، وهو ما يشير بمجمله لتحول في الأزمة السورية، حيث أصبح العالم كله مشغولاً بها.

كان القرار الدولي مسبوقاً بمواقف صارمة من الدول العربية والخليجية منها، تحديداً تجاه نظام بشار الأسد، ووجوب رحيله، سلماً أو حرباً، فهو نظام قتل شعبه وهجره عن وعي وتصميم، وهو نظام حليف لإيران، ومعاد للدول العربية، وقد قامت السعودية بتوحيد دول الخليج والدول العربية لجمع المعارضة السورية بشتى أطيافها، ما عدا الجماعات الإرهابية لتكوّن بذلك رقماً صعباً في المعادلة الدولية تجاه سوريا، يمكنه التحدث باسم الشعب السوري المضطهد والمقتول والمهجر، وقامت الأردن بعمل قائمة بالجماعات والتنظيمات الإرهابية الناشطة في سوريا حتى يتم استبعادها من أي حل مستقبلي.

عبّرت قوى مهمة في المعارضة السورية عن انتقادات للقرار، وعن حجم الفراغات فيه أي اتساع دائرة المسكوت عنه من المسائل المهمة، كرحيل الأسد وطبيعة المرحلة الانتقالية ونحو ذلك، وهي انتقادات مشروعة دون شك، وهذه مشكلة أساسية في كل الصراعات المعقدة والشائكة، وهي أن الأطراف تصرّ على أخذ كل شيء دفعة واحدة، وهي في ظل الحماسة والاندفاع المشروع أحياناً تنسى أن لعبة السياسة يجب أن تخاض بدم بارد وصبر وأناة وسعي دؤوب لتحصيل المكاسب لا دفعة واحدة، بل دفعات تتم حياكة كل منها بوعي ودهاء.

أهم ما يمكن العناية به في هذه المرحلة، هو أن تحرص تيارات وأحزاب وفصائل المعارضة السورية على توحدها الذي جرى في الرياض، فتوحد صوتها في إطار واحد يشكل ضمانة حقيقية لمستقبل الشعب السوري ونيل حقوقه، وطرح الخلافات هو أول خطوة باتجاه الحل السياسي الأفضل في ظل الظروف الدولية والإقليمية القائمة، ومن دون هذا التوحد، فإن كل الدعم الذي تقدّمه المملكة العربية السعودية ودول الخليج لن يصل للنتائج المرجوة.

كما يجب البناء على قرار مجلس الأمن والاستفادة القصوى من التوافق الذي حصل عليه على طريقة خذ وطالب، ولئن كانت الصياغة تمت بتوافق أميركي روسي، فإن ثمة دولاً عديدة في أوروبا وحول العالم تدعم حقوق الشعب السوري، وتدعم المعارضة السورية المعتدلة وترفض استمرار بشار  في السلطة، وهي بالتعاون مع الدول العربية الداعمة لحقوق الشعب السوري يمكن أن تقدم دعماً غير محدود للمعارضة السورية الموحدة.

من مصلحة الشعب السوري أن تبدو المعارضة السورية الموحدة قادرة على استيعاب خلافاتها وقيادة بلد بحجم سوريا بأديانه وطوائفه ومذاهبه وطرقه المتعددة إلى دولة مدنية حديثة تحكمها الأكثرية وتحمي الأقليات، وأن تظهر مرونة سياسية لا تجعل نصب عينيها سوى تحقيق مصالح الشعب السوري، وضمان وحدة واستقلال، وسيادة سوريا على كامل ترابها الوطني في المستقبل، لأن ذلك سيشكل ضمانة حقيقية للتخلص من نظام بشار القاتل، وكسر «محور إيران» الذي لا يرى في سوريا إلا كونها «حلقة ذهبية» في المحور الفارسي الإيراني، كما صرح بذلك قبل أيام على أكبر ولايتي مستشار مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي حين قال: «سوريا هي الحلقة الذهبية في محور المقاومة».

ولكن لماذا دعت الرياض لمؤتمر لجمع المعارضة السورية؟ وماذا تريد منه؟ أما الدعوة فهي لأن الرياض أصبحت فعلاً وقولاً وتأثيراً تقود منطقة كبيرةً من العالم العربي والعالم الإسلامي، وباتت تستخدم ثقلها وقوتها في تناول الملفات المهمة والمؤثرة دولياً وإقليمياً، وباتت قصور ضيافتها الرسمية وفنادقها الكبيرة مأهولة برموز الصراعات في المنطقة، من كل صنف ولون ومن كل حزبٍ وتيار، أما ماذا تريد منه، فهي لا تريد سوى مصلحة الشعب السوري وأن يعود لسوريا استقرارها.

أخيراً، تتبنى الرياض موقفاً صلباً في دعم حقوق الشعب السوري ووجوب رحيل نظام بشار الأسد الموالي لإيران والداعم للإرهاب، والتأكيد على مدنية الدولة القادمة، ووحدة سوريا واستقلالها، وهو الموقف الذي حظي بدعم دول الخليج في القمة الخليجية التي انعقدت مؤخراً في الرياض.

الاتحاد

 

 

 

 

قرار ينفذ، قرار لا ينفذ/ امين قمورية

المنظمة الدولية عودتنا في تاريخها معيارين في التعامل مع القرارات التي تصدرها، ذلك ان ثمة قرارات تصدر ولا تنفذ الى أن يغيبها النسيان بفعل الاهمال المقصود أو بفعل وقائع تستجد وتجعلها غير ذات قيمة فعلاً، وابرز هذه القرارات تلك المتعلقة بفلسطين والصراع العربي – الاسرائيلي مثل القرارات 194 و242 و338 و 1397. في حين أن ثمة قرارات اخرى يبدأ تنفيذها حتى قبل صدورها مثل القرار 660 الذي اتخذ في شأن غزو العراق للكويت وما تبعه من ملحقات مهدت لغزو بغداد واحتلالها، وكذلك جملة القرارات المتعلقة بيوغوسلافيا السابقة التي غيرت وجه هذه الدولة وجعلتها نصف دزينة من البلدان على خريطة واحدة.

وبعد طول انتظار، صدر عن مجلس الأمن قرار يتعلق بمحنة سوريا رقمه 2254، ومن شأنه اذا ما نفذ ان يريح نسبياً هذا البلد الذي أدماه الجنون وهستيريا القتل والتدخل الخارجي بكل اشكاله، فهل يكون هذا القرار على شاكلة القرارات التي تبقى حبراً على ورق أم العكس؟

هذه المرة الاولى يبدو خيار الدخول في مفاوضات سياسية بين الحكومة والمعارضة أكثر جدية من أي وقت مضى. وهذا التقدم ما كان ليحصل لولا التغيير الاستراتيجي الذي احدثه التدخل العسكري الروسي وأجبر الغرب على التخلي عن التردد وتبني موقف ملزم للبحث عن حل، وخصوصاً بعدما تجاوز الارهاب الحدود ونصب خيامه في قلب أوروبا والى جانبها خيام المشردين والهاربين من الحرب والموت. وهكذا صار مفتاح الحل اختبار قدرة روسيا على ترشيد النظام السوري وحلفائه الايرانيين وانتزاع التنازلات الضرورية منهم لامرار التسوية وفرض تصورها للحل، في مقابل حض الغرب على فرض امر واقع على المعارضة المسلحة لوقف النار والاعداد لطاولة المفاوضات.

الامتحان السوري هو واحد من اختبارات ثلاثة جدية تواجهها الارادة الدولية دفعة واحدة. هي نجحت حتى الآن في الدفع نحو توقيع اتفاق ليبي غير كامل في الصخيرات دونه غياب قوى وازنة على الارض وتعويم لقوى تثير اشكالات لليبيين والجوار كـ”الاخوان المسلمين” و”تحالف القوى الوطنية” المتهم بأنه يمثل فلول النظام القديم. وهي تسعى في الوقت نفسه الى مسار سياسي دونه مطبات اشد وعورة في جنيف للم الانشطار اليمني. وها هي الآن أمام الاختبار الاصعب في سوريا. وهذا التشابك بين الملفات الثلاثة يجعلها كالبازار الكبير الذي من شأنه ان يكون معقداً للأمور نظراً الى تداخل مصالح القوى المعنية بها، أو مسهلاً لها بحكم التبادل المحتمل للأدوار والنفوذ بين المشاركين. لكن التدقيق في خرائط الطريق للملفات الثلاثة يظهر انها تترك الخطط العملية لمحاربة “داعش” و”القاعدة” الى ما بعد انجاز الحلول السياسية، فهل تكون القرارات الدولية في شأن الارهاب نسخة أخرى عن القرارات المتعلقة باسرائيل؟

النهار

 

 

 

 

 

براميل بوتين على الأمم المتحدة ؟/ راجح الخوري

هل من المبالغة القول ان فلاديمير بوتين تمكن أخيراً من اسقاط براميله المتفجرة فوق رأس الامم المتحدة، وهل كثير اذ افترضنا ان جون كيري السعيد الدائم تولى شخصياً ترتيب “الاحداثيات” التي ساعدت سيرغي لافروف في فرض محتوى قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤؟

ليس كثيراً قول هذا، وخصوصاً عندما ينجح الروس في فرض نظرية “يبقى الأسد وان لم يبق أحد”. نحن هنا لا نتحدث عن ازمة دموية بدأت أمس بل عن كارثة غير مسبوقة تقريباً، عن بلد غارق في الدم منذ خمسة أعوام، عن اكثر من ٣٠٠ الف قتيل وعن اكثر من ١٢ مليون لاجئ، وها هو بوتين يتمكّن في النهاية من ان يفرض قراراً يصدر للمرة الأولى عن مجلس الأمن ويلوي ذراع كل من دعا الى رحيل بشار الأسد، وخصوصاً باراك اوباما الذي يبدو انه ابتلع اخيراً ما يقوله المعارضون من قهر ويأس: لماذا لا يرحل الشعب السوري الى المقابر أو المهاجر ليبقى الأسد رجل الروس والايرانيين؟

يقوم القرار ٢٢٥٤ على أسس غير راسخة جاءت على ما يبدو نتيجة تسويات اللحظة الأخيرة في كواليس مجلس الأمن التي استندت الى عناد الروس في مقابل تساهل الأميركيين. أما مجموعة الدول الـ١٧ من أصدقاء سوريا فكانت من يأسها “شاهد ما شافش حاجة” كما يقول المصريون، ولهذا لا بد من طرح مجموعة ضرورية من الأسئلة:

بعد اجهاض نقاشات جنيف والى حد بعيد تمييع اتجاهات فيينا في ما يتصل بموقع الأسد من التسوية، وبعدما سلّم كيري بنظرية لافروف عن خروج الاسد في نهاية المرحلة الانتقالية، وبعد عملية تشكيل الحكومة الانتقالية، من الذي سيضمن عملياً خروج الاسد فعلاً؟ ومن الذي سيضمن الانتهاء من تلك المرحلة في غضون ستة اشهر؟ ثم من الذي سيضمن عدم خوص الأسد الانتخابات الجديدة التي تحتاج الى ضمانة ذات صدقية وموثوقية في ما يتصل بنزاهتها، التي قد تتمخض عن فوزه بـ ٩٩,٩٩٪‏ من أصوات الموتى والمهجرين وطالبي السترة من الباقين أحياء عند ربهم يرزقون؟

هل من الضروري ان نتحدث ايضاً عن تشكيل الحكومة الانتقالية التي يريدها كيري في خلال شهر ولافروف في خلال ستة أشهر، وهذه مدة قد تكون في الحسابات الروسية منطلقاً لتغيير في كثير من العناصر السياسية التي يمكن ان تتشكل منها هذه الحكومة.

ثم نأتي الى المشكلة الدقيقة المتعلقة بوقف النار الذي يفترض ان يتم وفق روزنامة متناقضة، أولاً لجهة وقف النار بين المعارضة وجيش النظام، ومن ثم تزخيم النار بينهما وبين التنظيمات الارهابية، هذا اذا تم فعلاً التفاهم على من هي هذه التنظيمات!

النهار

 

 

 

موعد رحيل الأسد/ حسين عبد الحسين

قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ المخصص للأزمة السورية قد يبدو في صالح الرئيس السوري بشار الأسد لأنه لم يتطرق الى مصيره في الحكم، لكن المسؤولين الاميركيين يعتقدون ان بنود القرار تشي بعكس ذلك.

بادىء ذي بدء، القرار يشبه الى حد بعيد قرار مجلس “جامعة الدول العربية” الصادر في أيلول/سبتمبر ٢٠١١، والمؤلف من ١٣ بنداً، طالبت “الجيش العربي السوري” بوقف اطلاق النار والانسحاب من مدن سوريا، وطالبت الحكومة بالافراج عن المعتقلين والمساجين السياسيين، وطالبت نظام الأسد بالدخول في حوار “ندي” مع المعارضة السورية الفعلية، وطالبت بتشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة تشرف على انتخاب جمعية عامة انتقالية تضع بدورها دستورا جديدا وتقدمه لاستفتاء شعبي. بعد اقرار الدستور، تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية.

لم يوافق الأسد على قرار الجامعة يومها، فقامت بتعليق “عضوية الجمهورية العربية السورية”، واستمرت الحرب، واستمر موت السوريين وتهجيرهم.

الاسبوع الماضي، وبعدما أبقت موسكو القضية السورية خارج مجلس الأمن لأربع سنوات، ما عدا نزع ترسانة الأسد الكيماوية ومحاولة فرض ادخال مساعدات انسانية للمدنيين المحاصرين في مناطق النزاع، وافقت روسيا على تبني المجلس قراراً جاء يشبه في محاوره السبعة قرار الجامعة العربية الذي رفضه الأسد في العام ٢٠١١.

على أن قرار المجلس ملزم للحكومة السورية ولا ينتظر موافقتها، على عكس قرار الجامعة. والقرار اسقط بعض الخطوات الانتقالية، فلا انتخاب لجمعية ولا دستور جديد ولا مطالبة لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي” بتبني التعددية، بل وقف اطلاق نار، وحكومة انتقالية وانتخابات رئاسية. والقرار ٢٢٥٤، على عكس قرار الجامعة، لا يطالب بوضع جدول زمني، بل يقدم القرار جدولا زمنيا يتمحور حول ثلاثة تواريخ: ١٨ المقبل موعدا لتقديم الامانة العامة للامم المتحدة آلية مراقبة وقف اطلاق النار، ومنتصف العام المقبل تاريخا لتشكيل الحكومة الانتقالية، ومنتصف العام ٢٠١٧ موعدا لانتخابات رئاسية.

عندما اغلقت موسكو مجلس الأمن الدولي في الماضي، تذرعت بعدم جواز التدخل في الشؤون السيادية للحكومة السورية. مع القرار ٢٢٥٤. يبدو جلياً أن روسيا تأكدت من عجز الحكومة السورية على القضاء على المجموعات المتطرفة من دون تدخل خارجي، عسكري وسياسي.

هكذا، تراجعت موسكو عمّا دأبت على رفضه، فالجدول الزمني الذي يفرض انتخابات رئاسية في ٢٠١٧ يقوض الولاية الثالثة للأسد والتي تنتهي في ٢٠٢١، واصرار القرار ٢٢٥٤ على اشراف مباشر للأمم المتحدة على الانتخابات، ينتزع من الأسد المقدرة على “اكتساح” المرشحين الآخرين للرئاسة، وموسكو الأعلم بكيفية تأكيد فوز مرشح ما على منافسيه بغض النظر عن شعبيته.

المسؤولون الاميركيون يكررون ان نظراءهم الروس “يقسمون الايمان” انهم لا يتمسكون بالأسد ولا يهتمون لرحيله، وان هدف موسكو هو وقف تمدد المجموعات الارهابية، والقرار ٢٢٥٤، الذي قوض “سيادة” الأسد وقدم اعترافاً بالمعارضة الندية، يشير بأن الروس فعلياً لم يعودوا متمسكين بألاعيب الأسد التي يحدد بموجبها معارضيه (في حين المعارضة حسب القرار تختارها الأمم المتحدة)، او التي يشرف فيها على انتخابه رئيسا (الأمم المتحدة تجري الانتخابات).

يدرك الروس والاميركيون ان الأسد — الذي حول نفسه الى زعيم ائتلاف اقليات سوريا — لا يمكنه التفوق شعبياً وسياسياً على خصومه، وانه يحتاج الى ألاعيب سياسية، مقرونة بعنف مضمر وظاهر، للبقاء في السلطة.

ويدرك الروس والاميركيون كذلك انه عندما تمسك الدول باللعبة السياسية السورية، تصبح احدى رجلي الأسد خارج باب القصر الرئاسي.

ان تفوق الأسد في العملية السياسية كان مبنياً على فرض وقف اطلاق نار وترك الأسد يدير هذه العملية السياسية، لكن المجتمع الدولي هذه المرة سيشرف على الاثنين، الهدنة والعملية الانتقالية. وحتى لو لم يضع العالم شروطاً تمنع ترشح الأسد، ستكون فرص فوزه بالرئاسة في منتصف العام ٢٠١٧ شبه مستحيلة، او هكذا يتصور الاميركيون وحلفاؤهم الاوروبيون.

ماذا لو كانت روسيا تناور، وتوافق على القرار ٢٢٥٤ لإضاعة الوقت وابقاء الأسد في السلطة؟ يجيب المسؤولون الاميركيون: اذا لتستمر العمليات العسكرية الروسية بتكلفة مليار دولار في الشهر، ولتستمر روسيا في الغرق في المستنقع السوري، في إجابة تشي بأن واشنطن، على ما تقوله علناً، تعتقد ان في مصلحة موسكو الخروج من الدوامة السورية في اقرب فرصة، وان القرار ٢٢٥٤ هو الفرصة الامثل لذلك، وهذا إن صح يعني أن موعد رحيل الأسد هو منتصف ٢٠١٧، حتى لو لم يتلفظ أحد بذلك.

 

 

 

 

المحادثات السورية .. من يريد ماذا؟

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد

يوم الجمعة، دعا «جون كيري»، وزير الخارجية الأمريكي إلى عقد جلسة رفيعة المستوى لوزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي «للبناء على الزخم الدبلوماسي الذي أحدثته المحادثات حول سوريا»، والتي جرت خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول، ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين.

بعد ظهر الجمعة، كان كل من «كيري» ونظيره الروسي «سيرغي لافروف» والفرنسي «لوران فابيوس» والبريطاني «فيليب هاموند» قد اتفقوا على مشروع قرار لمجلس الأمن، يتضمن الاعتراف ببيان جنيف 2 كأساس للمبادئ السياسية للتسوية المحتملة، كما يدعم الجدول الزمني لهذه العملية وفقا لما تم الاتفاق عليه في فيينا الشهر الماضي.

وبينما يبدو نص القرار، للوهلة الأولى، مجرد تكريس للوضع الراهن دون أي تغيير جوهري، فإن هناك أكثر مما تراه العين. أولا، في مؤشر على الإجماع، أكد مجلس الأمن على كل من التفهم الذي تم الاتفاق عليه في جنيف 2 (التمسك بسوريا كدولة ديمقراطية علمانية تمثيلية)، إضافة إلى الجدول الزمني للتوصل إلى تسوية سياسية (انتخابات خلال ثمانية عشر شهرا، وحكومة انتقالية متفق عليها خلال ستة أشهر). على الرغم من الضغوط من جانب طهران لإفراغ العناصر الحاسمة من ميثاق جنيف 2، فإن جهود إيران للضغط من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة «بشار الأسد» بدلا من الانتقال على طريقة جنيف 2 قد تم إحباطها.

ثانيا، فإن القرار قد اعترف بالخطوات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية في تنظيم المعارضة استباقا لمحادثات يناير/كانون الثاني المتوقعة بين المعارضة وحكومة الرئيس «الأسد» في فيينا. وفي حين لا تزال هناك خلافات بين إيران وتركيا وروسيا والمملكة العربية السعودية حول من يمثل المعارضة المشروعة، فإن الاعتراف بجهود المملكة في بناء الوحدة بين المعارضة السياسية والمسلحة هي خطوة جيدة. ربما يكون لدى الكرملين بعض التحفظات، ولكن موسكو لم تسع لاعتراض الإشارة إلى الدور السعودي في نص القرار. كما أن اعترافها بدور الأردن في تحديد المجموعات التي ستصنف ضمن قوائم الإرهاب من بين صفوف المعارضة هو أمر مهم كذلك.

ثالثا، يدعم القرار التوصل إلى وقف لإطلاق النار تزامنا مع بدء المفاوضات السياسية. وفي حين أن وقف إطلاق النار هو أمر يصعب الوصول إليه ف الظروف العادية، وسوف يكون أصعب بكل تأكيد مع وجود اختلافات بين حملة مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» التي تقودها الولايات المتحدة والحملة التي تقودها روسيا وإيران ضد المجموعات التي تعتبرها إرهابية، والتي لن تلتزم بكل تأكيد بوقف إطلاق النار. حققت عمان خطوات صغيرة لردم هذه الهوة، ولكن سوف نحتاج إلى أن يتم التأكد من أن أي وقف إطلاق النار سوف يتم التوصل إليه لن يخرج عن مساره بسبب الاختلاف في تأويل الوقائع على الأرض.

على سبيل المثال، يعترف مشروع القرار بدور الأمم المتحدة في الرعاية والإشراف على وقف إطلاق النار بين دمشق والمعارضة، لكنه لم يشر إلى الكيفية التي ينبغي للأمم المتحدة أن تعمل بها في المناطق حيث تختلط المعارضة مع مجموعات مثل أحرار الشام التي تصنفها موسكو كجماعة إرهابية تدخل ضمن دائرة الاستهداف.

الخلاف حول مصير «الأسد»

على الرغم من تلك النقاط التي تم إحداث تقارب بشأنها، فإن الخلاف الأكثر أهمية حول رئيس النظام السوري «بشار الأسد» يبقى بلا حل إلى الآن. وتصر المعارضة التي تنظمها الرياض أن «الأسد» يجب ألا يكون له دور في السلطة الانتقالية التي يتفق عليها الطرفان. هذا الموقف يقف في تناقض حاد مع روسيا وإيران، وهما لن يدعما أي تحركات تستبعد «الأسد» عن السلطة خلال هذه المرحلة من المفاوضات.

وقد اتخذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا مواقف أكثر ليونة إلى حد ما. وقد أعرب مسؤولون في البيت الأبيض سرا وعلانية عن استعدادهم للنظر في إمكانية بقاء «الأسد» في السلطة خلال المرحلة الانتقالية إذا تم الاتفاق بدقة على تاريخ تنتهي خلاله فترة بقائه. اعترف الرئيس «أوباما» خلال مؤتمره الصحفي الختامي هذا العام، الجمعة، أن مصالح روسيا وإيران ينبغي النظر إليها في أي انتقال سياسي في سوريا. وفي حين أبدت باريس في الاجتماعات المغلقة إشارات على انفتاحها على فكرة إمكانية وجود دور للأسد في المرحلة الانتقالية، فقد أصر وزير الخارجية «لوران فابيوس» يوم الجمعة في نيويورك أن «الأسد» يجب أن يرحل في نهاية الفترة الانتقالية وأنه ينبغي التوصل إلى مثل هذا التفهم خلال هذه المفاوضات.

وقد اختلفت مواقف الحكومات الإقليمية. أعربت المملكة العربية السعودية والأردن عن استعدادها النظر في أن «الأسد» قد يكون له دور في المرحلة الانتقالية لفترة محدودة، شريطة أن يتم نزع ما يكفي من سلطاته. وقد أشار بعض كبار المسؤولين الإقليميين أنهم سيدعمون أحد المقربين من «الأسد» للقيام بدور في الحكومة الانتقالية، ولكن الأسد نفسه لا يمكن أن يكون جزءا من العملية الانتقالية.

تنعكس هذه المواقف أيضا في وجهات النظر بين مختلف الأطراف على إجراء الانتخابات التي أشارت إليها الأمم المتحدة في قرارها. بينما تؤكد قرار الأمم المتحدة أن الانتخابات لا بد أن تشمل السوريين في الداخل ونظرائهم في دول الشتات، فإنه يترك مسألة إمكانية مشاركة «الأسد» في هذه الفترة الانتقالية دون حسم. بنظرة متفائلة، ومع القول أن هذه الانتخابات سوف تتم تحت إشراف الأمم المتحدة وتدار بواسطة حكومة يمثل فيها كلا الطرفين، فإننا يمكن أن نتفاءل أن «الأسد» قد لا يتم انتخابه وينتهي مصيره بهذه الطريقة. النظرة المتشائمة، التي يتمسك بها أعضاء المعارضة، هي أن «الأسد» سوف يجد وسيلة ما من أجل التشبث بالسلطة وبالتالي لا يمكنهم الموافقة على عملية سياسية لا يزال رئيس النظام السوري جزءا منها.

هذه النقاط العالقة، جنبا إلى جنب مع التحديات الأوسع حتى بشأن القضايا التي صار الطرفان قريبين من اتفاق بشأنها، تجعلنا أقل تفاؤلا أن الأطراف المتفاوضة يمكن أن تصل إلى تسوية للحرب الأهلية في سوريا خلال الفترة الزمنية المحددة في القرار. لكننا نأمل أنه، إذا ذهبت جميع الأطراف إلى المحادثات في يناير/كانون الثاني دون شروط مسبقة سوى الالتزام بالجدول الزمني، فإنه قد تكون هناك فرصة لبناء زخم دبلوماسي لسد هذه الثغرات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الخلاف حول مصير «الأسد» سوف يستمر في إفساد هذه العملية. وإذا كان صحيحا أن موسكو قد تكون مستعدة لضمان أن «الأسد» سوف لن يلعب أي دور في الحكومة السورية ما بعد المرحلة الانتقالية، فإن ذلك سيكون خطوة إيجابية. ومع ذلك، فإنه لا يوجد مؤشرات تدل على أن طهران سوف تقبل بتبني هذا الموقف، ويبقى أن نرى مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه روسيا على إيران لضبط مواقفها. زيارة الرئيس «الأسد» إلى طهران يمكن أن تكون فرصة لـ«خامنئي» لإجراء مناقشة صريحة مع رئيس النظام السوري حول مستقبله، أو أنها ستكون فرصة لإظهار الدعم للأسد على الرغم من الخسائر المتنامية لإيران على أرض المعركة.

مع شهية قليلة في البيت الأبيض لوضع المزيد من الضغط العسكري من أجل الوصول إلى تسوية، فإن العام 2016 سوف يكون هو العام الذي سنتأكد من خلاله ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على وضع حد لقرابة خمس سنوات من إراقة الدماء. البديل أن خطوط المعركة سوف تستمر في الاشتعال لتخدم مصالح «الدولة الإسلامية».

ناشيونال إنترست

 

 

 

ضبابية ديبلوماسية جون كيري السورية/ رندة تقي الدين

بالغت الصحف العالمية بالترحيب بقرار مجلس الأمن حول التسوية في سورية. إنه نص تنازل كامل من وزير الخارجية الأميركي جون كيري للجانب الروسي ولا ينبئ بأي حل فعلي للوضع السوري. فعلى رغم تصريح الرئيس باراك أوباما أن على بشار الأسد أن يرحل في المرحلة الانتقالية في سورية لكن النص الذي تم الاتفاق عليه بالإجماع لامع بضبابيته. فليس هناك أي شيء عن العقدة الأساسية للحرب في سورية وهي رحيل بشار الأسد. أما بالنسبة إلى وقف إطلاق النار فهذا بحسب القرار يكون بالتوازي مع انتقال سياسي ويدخل حيز التنفيذ عندما يضع ممثلو الحكومة السورية والمعارضة الإجراءات الأولى على طريق الانتقال السياسي. إن هذا القرار الذي أسرع كيري بوضعه يبدو كأنه هدية عيد الميلاد أرادها الوزير الأميركي ليهنئ نفسه بنجاح يظهر باهراً وتاريخياً في حين أنه قرار لا علاقة له بما يحدث على الأرض في سورية وأيضاً أنه مجرد إعطاء روسيا وإيران مفتاح الحل في سورية.

إن سياسة هذه الإدارة الأميركية تجاه سورية وإيران كارثية. فديبلوماسية أوباما لا تبالي بما يحصل على الأرض في سورية من قتل وتهجير لملايين السوريين منذ أكثر من أربعة أعوام. فتركت بشار الأسد يقتل ويقمع ويخرب بلده حتى ظهر «داعش» وتغلغل وهدد المنطقة بأسرها والعالم كله. فكل ما تريده إدارة أوباما ووزيره كيري أن يظهرا للعالم إنجازات ديبلوماسية ليست إلا تنازلات للروس والإيرانيين من دون أي حل للوضع السوري. وكل ما أراده هو التوصل إلى اتفاق مع إيران ورفع العقوبات عنها مهما كانت سياستها التخريبية في المنطقة. فالمهم كان عند أوباما هو الحد من قدرة إيران النووية ولو أن الاتفاق يحفظ لها جزءاً منها. ستسرع الإدارة الأميركية في رفع العقوبات عن إيران في منتصف كانون الثاني (يناير) ومعها أوروبا وتعاود التطبيع الاقتصادي مع هذا البلد بالتوازي مع معاقبة بعض المصارف اللبنانية التي لديها أموال لبعض المنتمين لـ «حزب الله».

إن هذا التناقض في الموقف غريب عجيب. فكأنه في نظر الإدارة الأميركية لا علاقة بين «حزب الله» وإيران. وكأن لا علاقة بين النظام الإيراني وبشار الأسد. لقد هلل البعض ومنهم أمين عام الأمم المتحدة بقرار مجلس الأمن حول سورية وبأن ممثله دي مستورا سيجمع ممثلي النظام والمعارضة في كانون الثاني للمفاوضات في شأن مسار انتقالي وبعد ستة أشهر يفترض أن يؤدي إلى حكومة ذات صدقية تتضمن أوسع تمثيل وتكون غير طائفية. ولكن نص قرار مجلس الأمن ضبابي حول من سيمثل المعارضة في هذه المفاوضات مع النظام خصوصاً أن فرنسا والدول العربية رأت في مؤتمر الرياض للمعارضة إنجازاً كبيراً للمرة الأولى في توحيد صف المعارضة وتشكيل لجنة سياسية مع توجه مشترك بالنسبة لمسار فيينا. ولكن قرار مجلس الأمن يمر في شكل عابر على المعارضة التي شاركت في مؤتمر الرياض التي انتقدها الجانب الروسي والإيراني ولم ترَ ترحيباً واضحاً من كيري الذي تخوف من إزعاج الروس. فكيري يراهن على جذب روسيا إلى مسار يؤدي إلى ضمان مصالحها في سورية وهدفه إضعاف «الدولة الإسلامية» قبل التضحية ببشار الأسد. ولكن رهانه يؤدي إلى العكس مع احتمال وقوعه في فخ وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يتسلح بحجة ضرب «الدولة الإسلامية» لإبقاء بشار الأسد.

إن سياسة أوباما بالنسبة إلى سورية وإيران ومنطقة الشرق الأوسط قد تكون بمثابة الكارثة التي خلّفها جورج بوش في العراق.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...