الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / «قصَائِد الحَدَث الحَمِيد» للاسباني خِيمِنِيسْ مَارْتُوسْ: البحث عن الجُذورالعربيّة في الأندلس/ محمّد محمّد الخطّابي

«قصَائِد الحَدَث الحَمِيد» للاسباني خِيمِنِيسْ مَارْتُوسْ: البحث عن الجُذورالعربيّة في الأندلس/ محمّد محمّد الخطّابي

 

 

الشاعر الإسباني الأندلسي لويس خيمنيس مارتُوس، يعترف لنا في شعره ونثره، وأحاديثه بأنه مشدود إلى أصله، فخور بانتمائه إلى جذوره العربية، إذ بفضلها أصبح يتعاطى الشعر. فالشّاعر الحقّ عنده ليس ذاك الذي يتغنّى بالحياة التي يعيشها وحسب، بل إنه بالضرورة الذي يغوص في بحر ماضيه، ويبحث عن جذوره وأصله وعرقه. فشعره يفيض بالمضامين الجليلة المتعلقة بالماضي العربي في الأندلس، وبأجواء مدينته الفيحاء، ومسقط رأسه قرطبة أولاً، ثم غرناطة، كمرتع خصب لطفولته وصباه، خيمنيس مارتوس شاعر متعلق بنزعتين هما.. ماضيه العربي وهوسه بالأندلس.

عالم الجنوب الأثير

يؤكد الناقد خوان فان هالن اتجاه لويس خيمنيث مارتوس الشّعري، فيقول: «بالإضافة إلى اندفاعه، وبحثه الدائم عن جذوره أيّ عن ماضيه البعيد، فإنّ القاسَم المشترك في الأعمال الشعرية لمؤلف «قصائد الحدَث الحميد» هو الجنوب دوما، ففيه تنمو وتزدهر عبر رياح عربية سحرية أندلسية هذه القصائد التي يجدها القارئ بين يديه الآن». فالقصائد تنبثق كإبداعات شعرية أخرى للشّاعر عبر رحلةٍ إلى طفولة الحبّ، فالحبّ مازال حيّا، وحاضراً في جوارحه ووجدانه، وبهذا المعنى يكون كتابه ديواناً غرامياً، وعنوانه بالذات يتبنىّ هذه العواطف المتأجّجة، التي أبى إلاّ أن يعبّر، ويفصح عنها شعراً ،إذ أنّ كلمة «قصيدة» العربية المثبتة في صدر الكتاب وعنوانه التي عبّرنا عنها في الترجمة باسم صيغة الجمع «قصائد» لتضمّن الكتاب عدة قصائد وليس قصيدة واحدة وحسب، كما أحبّ أن يسمّي كتابه، هذه القصائد تعني شعر الحبّ بدون حدود، وهي تعالج موضوع الهوىَ والصّبابة منذ الطفولة الأولى البعيدة للشاعر، فمنذ الأبيات الأولى يمكن رؤية القصد في هذا المضمار، إنه يقول:

«أنت وأنا، وللنفس زجاج واحد

وخريطة للعودة المعروفة

عجِّل، عجِّل، عجِّل،

فطفولة الحبّ تعيش في غرناطة.

مَحاور الدّيوان الثلاثة».

ويضيف هالن، أنّ هناك ثلاثة محاورأساسية يقوم عليها هذا الديوان. المحور الأوّل شخصي وهو المتمثل في العلاقة بين رجل وامرأة، وصورة الحبّ في الماضي والحاضر، والمحور الثاني يستحضره الشاعر في قصيدة «موكب الأشباح» وهي ملامح شخصيات مرتبطة بغرناطة، وبكل ما هو غرناطي. أمّا المحور الثالث فهو المتعلق بالمدينة ذاتها، وبشخصيتها السحرية. هذه المحاور الثلاثة تعتبر عناقا ًحاراً بين التكريم الحيوي ومتعة التأمل، ودرساً في التعايش، والحبّ الناضج الماثل دائماً، يُضاف إلى ذلك كلمة البقاء الخالد لجمال غرناطة الأندلسية على امتداد العصور والقرون.

أشعار عربية الروح

إن لويس خيمنيس مارتوس في هذه «القصائد» العربية الرّوح، والمكتوبة بلغة قشتالية مطعّمة بكلمات ومفردات عربية أصيلة تنمّ عن حنينٍ راسخ في أعماق الشّاعر نحو ماضيه الحافل، فالذي مضىَ ما زال حاضراً قائما بالنسبة إليه في الزّمن والذاكرة، وإن ذكرياته الماضية وحبّه الأوّل، وعشقه وهيامه بالمدينة العربية الأسطورية يصل به إلى «لحظات مطلقة للجمال»، إنّ نظرته إلى الوراء ليست نظرة أسىً وحسرة، بقدر ما هي استمتاع بالحبّ وحفاظ عليه، بعيداً عن أيّ حنينٍ مُشبعٍ بالأسف والأسى والحيرة. إن معظم القصائد في هذه «القصيدة الكتاب» ترمز وتتحدّث وتستحضر، وتبث الرّوح َفي كلّ ما هو عربي في هذه المدينة الأندلسية، وعلى الرّغم من أنّ الشاعر من مواليد قرطبة إلاّ أنّ غرناطة في هذه القصائد تحتلّ مكانة بارزة، ومنزلة خاصّة في شعره، كما أنّ ذكريات الشّاعر يطغى عليها كلّ ما هو غرناطي، بل إنّ عنوان الديوان نفسه «الحدَث الحميد» هو بداية ولادة الحبّ لدى الشاعر، ذلك أنّ «الحدَث الحميد» إنمّا هو اسم الشّارع الغرناطي الذي كان يقطنه، وعاش فيه الشّاعر حيث وُلد الحبّ.

قصائد الحدث الحميد

يتضمّن الكتاب تسعاً وعشرين قصيدة تدور حول مواضيع متباينة يطغى عليها الطابع العربي المتعلق بماضي الشاعر، وطفولته، وحبّه وارتباطه بحضارة متألقة سادت وازدهرت فوق أرضه الأندلسية، التي ما يزال يرى ويلمس معالمَها، وآثارَها ومناقبها حتى الآن. ويعترف خيمنيس مارتوس بمدىَ تأثّره بكل ما هو عربيّ، فأشعاره تحفل بالإشارات والدلالات والأسماء والرّموز العربية والأمازيغيّة. ويعتبر مارتوس إن ديوانه «قصيدة الحدَث الحميد» هو امتداد لقصيدته المطوّلة «العيُون البعيدة» التي كتبها عام 1952 في قرطبة. ويرى الناقد الاسباني فرانسيسكو لوبث استرادا، إنّ لويس خيمنيس مارتوس مُشبع بالتأثيرات العربية، إنني ألمس في قصائده غنائية الشّعر العربي وموسيقاه. يؤكد هذا في أن كل قصائده ذات طابع عربي محض، منها «في رثاء الرّصافة»، «أزرع نخلة في مراكش»، «صحراء من السماء».

 

أنت أيضاً عرفتَ شتاءً من الدموع

 

«أنت أيضاً عرفت شتاءً من الدّموع

كتلك التي ذرفها أبو الهديل

في وداعه الضبابيّ

ولكنك لم تكن تعرف لمن تُسلِّم مفاتيحَ

ما قد ضاع منك

وعندما التبسَ عليك الأمر

حملتها معك إلى الأبد

والآن تعود لإرجاعها

كالرّماد

في ضوء نهار صيفيّ

وذاك الألم يضحك

في الحضيض».

 

وُلد الشاعر لويس خيمينيس مارتوس في مدينة قرطبة في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1926 وتوفى في مدريد في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران 2003.

الأشعار من ترجمة كاتب المقال عن الإسبانية

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...