الرئيسية / صفحات الثقافة / كافيتيريا أحلى عالم

كافيتيريا أحلى عالم


علي جازو

في صباح شتائي بارد قليل الغيم، بينما تحاول شمس الصباح لأوّلَ مرّةٍ أن تعكس ضياءها على لوحةٍ تعلن عن افتتاح كافيتيريا (أحلى عالم)، في بلدتنا التائهة والمتحمسة لكل تيه ورداءة، وقد برزتْ خلف واجهته الزجاجية العريضة رؤوسُ سبع عشرة أركيلة طويلة فاخرة، كانت أربعُ حقن “ديكلون” مغلفة، داخل كيس نايلون أبيض رقيق، توضع، مجاناً وطواعية وبسرعة، على الطاولة المترنحة لكاتب المحكمة الفقير ذي الأسنان المنخورة والصلعة الكروية النافرة، ولا داعي للقول إن ذلك كان جزءاً أليفاً من تبادل المنافع اليومية المدمِّرة.

رفع كاتب المحكمة وجهاً نحيلاً متطاولاً، وبدا حينها كم هو مرتبك وسعيد ومخادع، وأرفق نظرة عينيه الضيقتين بابتسامة، ولا يدري غير الله لمن كان يرسلها بلهاء لزجة، ليكافئ الهبةَ الإسعافية بالشكر البطيء والكافي: “على عيني”.

“لم يكن ينقصنا سوى هذا المقهى الفظيع”، أشار صديقي وهو يرمي لفافة تبغه أمام قدميّ الحائرتين كعينين بلا مأوى. ارتفع دخان أبيض نحيل من عقب السيجارة البرتقالي، واختلط صوت السيارات المفزوعة مع لطخات البرد الذي واصل عضّه على خدودنا ورؤوس أصابعنا.

مللتُ من المحكمة، كلهم مرضى هناك، واحدهم يؤذي الآخر دون سبب. أضاف صديقي: ليسوا مرضى، إنه الخوف! الكل خائف. لا إنها الرداءة، الملل يرافق الرداءة. وهؤلاء الذين افتتحوا الكافيتيريا، كيف يجرؤون على ذلك. كم هذا مخيب، كم هو قبيح ومؤلم! أهذه هي المدينة الأسطورية التي تظهر صور شبانها على الانترنيت والفضائيات، كيف يمكن لمن يجلس هنا، بين رؤوس الأراكيل، وحظيرة المحكمة المتعفنة، كيف يمكنه توقع غد أفضل لهؤلاء الشباب. أنظر هاهو الأستاذ الشيوعي قادم ومعه البعثي المتعفن مثله، ما أهنأهم، أنظر إلى الحماسة الشنيعة في وجوههم، سوف يرمون السلام علينا الآن، سوف يرمونه كما يقذف المرء بصاقاً داخل روحه . وهاهو محل الحلاق الذي يقصّ فيه القاضي شعره، قاض قصير بدين، كان من الأفضل لو يسكن خيمة بدل هذا المبنى الضيق الخانق. أنظرْ إلى طبعة حذائه كيف تتموج لا مرئية على حافة باب الحلاق. قدم ممتلئة وثقيلة كانت هناك، ترفع رأساً لاحماً إلى داخل مرآة عريضة.

ترى ما رأيه في مقهى “أحلى عالم” المجارو لمحل الحلاق! لا شك أن أمراً كهذا لا يعنيه. فالمهم بالنسبة للقاضي عدم دفع أجر عن الحلاقة، ذلك ان الحلاق، عدا كفاءته الثعلبية وابتسامته الصفراء اللعينة العذبة والتي تبقى عذبة للحظة واحدة فقط فهذه هي مهمتها الوحيدة إزاء اللحظة التي ينظر فيها القاضي إلى وجهه فيرى الفرح الكاذب كالعدل!

كيف حال القضاء مع كل هذه الأراكيل اللعينة، أنظر إلى المباسم المغلفة بقامش أحمر غليظ. بدا صديقي منزعجا، ففهمت أنني بدأت لغواً لن يتوقف، لذلك صمتُّ ورضختُ لما لا أعرف.

كنت أريد أن أتحدث عن صالونات التجميل، عن محلات تأجير فساتين السهرة. لكأن سكان بلدتنا التعيسة هم أنفسهم سكان العاصمة المرفهون؟ أهكذا يظهر أثر المسلسلات والأغاني على وعينا الشعبي، أم أن الأمر محض عمل مربح، والناس يلجؤون إليه لأنه مربح لا غير. لكن ألا تنظر في وجوه المراهقين من محبي الأركيلة. ألا ترى كيف يغدو قضاء الوقت على هذا النحو ضرباً من التعاسة الذليلة التي تتخذ مظهر تسلية قبيحة. كنت أريد إخبارك عن أمر آخر. عن الشباب الذي يجلسون ساعات طويلة في مكتب الحزب الجديد. أمس بعيد الظهيرة، رأيت إثنين منهم في البهو المفضي إلى غرفتَي مكتب الحزب. كانا قد جلبا كرسيين بلاستيكيين من داخل المكتب، ووضعا شيشة الأركيلة أمامهما، وبدا الأمر عادياً للغاية، كما لو أنهما قد عهدا هذا التصرف من قبل، وأن المارين من الشمال إلى جنوب الشارع، ومن الجنوب إلى الشمال، أمام الصيدلية وأسفل عيادة الطبيب، هم أيضاً وجدوا الأمر أليفا للغاية. لم لا يعلق أحد على أمر شنيع كهذا. مكتب الحزب، أهو نوع آخر من مقهى ” أحلى عالم”. أخبرْني، أهو نوع آخر لا غير؟!

وتقول لي ينبغي الصبر والتأني والحذر، الجلوس الطويل الممل في غرف خفيضة شبه معتمة والاستماع إلى الموسيقى؟ لكن هؤلاء، هؤلاء الذين ستلقاهم نهار كلّ يوم، إذ سيأتي يومٌ وتخرج الموسيقى من فمك ولا ترى سوى هؤلاء أمام عينيك؟ بم يمكنك إخبارهم حينها بفم الموسيقى الصامت وعين الأسف النادمة! أتراهم سيسمعون كلمة منك. لن يسمعوا صمتك أبدا ولن يروا عبء ندمك الثقيل. ومع ذلك ها نحن نمر قربهم كل نهار تقريبا، أكتافنا تكاد تلمس أكتافهم، نسلّم عليهم، نرفع عيوننا ورؤوسنا وأفواهنا وأصابعنا، كما لو أن أجسادنا كلها ينبغي أن ترسل لهم التحية الواجبة والاحترام الإجباري. أما هم فلن يكلفوا أنفسهم شيئاً أبداً، ذلك أنهم مشغولون بنا جميعاً، ولن يقول الواحد منهم للآخر: هذا الرجل شديد الصمت، أنظر كم هي عميقة ومحزنة آثار الخيبة في وجهه، أهو مريض؟ على العكس، سيبقى الواحد منهم يمدّ الساق على الساق، وكل أنفاس صدره تنتظر شهقات جديدة من شعلة الأركيلة المتوهجة. إنها سمة العصر، تسلية لعينة وسط خراب لعين، المأساة وهي تختلط مع الملهاة، هكذا يمكن لكافيتيريا “أحلى عالم” أن تكون داخل كلّ بيت، على كل فم، وفوق كل عين، كما لو كان قيامها، عدا الأهداف التجارية المهمة والوضيعة، فالوضاعة لدينا تحولت إلى حتمية تاريخية، ليس سوى هيأة جديدة لعقوبة قديمة مستمرة.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...