الرئيسية / صفحات الثقافة / كتاب «السيطرة الغامضة» لـ«الحكم الكاريزماتي»: لليزا وادين

كتاب «السيطرة الغامضة» لـ«الحكم الكاريزماتي»: لليزا وادين

 


كيف تصنع كاريزما الرئيس وكيف يتظاهر الشعب بالتصديق

حسن الحاف

«اضطر رجل إلى زيارة الحمام، بينما كان في السوق، فدخل إلى الحمام العام في سوق الحميدية. دق على الباب، فأجابه شخص: نعم. دق على الباب ثانية، فأجاب الشخص الذي في الداخل مرة ثانية: نعم. علّق الرجل: أتعتقد اننا موجودون في قاعة الانتخابات».

النكتة السالفة على سخريتها الشديدة من نتائج الانتخابات على الطريقة العربية، ليست من بنات أفكار اللبنانيين «الفوقية». فقد وردت على لسان مواطن سوري في الكتاب الصادر مؤخراً عن دار رياض الريس للكتب والنشر للكاتبة ليزا وادين تحت عنوان: «السيطرة الغامضة: السياسة الخطاب والرموز في سوريا المعاصرة» (ترجمة نجيب الغضبان). ويكتسب الكتاب راهنية مثيرة للدهشة والذهول، ويشي الانطباع الأولي المتكون بعيد الانتهاء من قراءته بأن شيئاً لم يتغير في «الجمهورية العربية» قبل رحيل الرئيس حافظ الأسد وبعده. كما لو أن ثبات الأوضاع شكّل السمة الجوهرية لعقود حكمه الاوتوقراطي..

النسخة الانكليزية من الكتاب صدرت في الأصل عام 1999، حيث اطلع المترجم عليها بعد اشهر من صدورها، على ما يقول في مقدمته للكتاب، مضيفاً أنه «ومن لحظة اتمامي لقراءته، تبادرت لي فكرة ترجمته للغة العربية، حتى يتسنى للقارئ العربي متابعة امثال هذه الدراسات الأكاديمية الرصينة حول واحدة من أهم الظواهر السياسية في عالمنا العربي المعاصر، وهي ظاهرة تقديس الفرد الحاكم». ويشدد المترجم على انه على الرغم من «أن الكتاب يركز على فترة حافظ الأسد، الا انه ينطبق، الى حد كبير، على نظام ابنه بشار الأسد». هذا، ولم يفت الكاتبة، على ما يلاحظ المترجم، «المقاومة التي كان يبديها الشعب السوري (…) وأن الأدباء والمفكرين والكتاب والفنانين، برغم الضغوط البالغة عليهم للمشاركة في جوقة تقديس الأسد، كانوا كما هي الحال في كل التجارب المماثلة، في طليعة المناوئين والمشاكسين والمتجاوزين والمعارضين لهذا الاعتداء الصارخ على ذكائهم وعلى انسانيتهم».

وتناقش المؤلفة وادين في مقدمتها الخاصة للطبعة العربية (أيار- 2009) مصطلح «الشرعية» الذي تعتبره «يفتقر للوضوح كما أنه غالباً ما يخفي ديناميكيات السلطة والطاعة والموافقة والإذعان وهي العمليات التي تحتاج الى توضيح». وتجادل بأن مصاعب الشرعية كمفهوم تبدأ من حقيقة أن المصطلح يشتمل على ثلاثة معان على الأقل: فقد يشير الى الحق الأخلاقي للحكم، أو يكون مرادفاً لشرعية الحكم؛ أو يمكن أن يعني، استناداً الى ماكس فيبر، قناعة في الأحقية العامة لنظام، او ممارسة أو قائد (في الحكم)». واذ تلفت الى أن الأنظمة يمكن ان تستمر من دون شرعية (بكل معاني الكلمة)، وغالباً فهي لا تحاول الحصول عليها، تشدد على ان الممارسات مثل نشر الأيديولوجية من خلال الاستعراضات العامة، ونشر الصور المترافقة مع ظاهرة تعظيم الشخصية، وحديثاً الانتخابات، تعزز هذه الممارسات من وضع الانظمة من دون أن تعطيها الشرعية. بيد ان ذلك كله لا يدفع المؤلفة الى الذهاب بعيداً في القول إن النظام السوري في ظل حكم حافظ الأسد لم يتمتع بالشعبية اطلاقاً.

وفيما يصف فيبر الحكومة بأنها ديموقراطية فقط الى الحد الذي تتمتع به بقبول المحكومين، تلاحظ وادين بعين بحثية ثاقبة أن دراسة الأنظمة السلطوية تفشل غالباً في التمييز بين التظاهر العام بالولاء والتصديق، من ناحية، وبين الولاء والتصديق الحقيقيين من ناحية أخرى.

ويحاجج الكتاب برأي الكاتبة ضد ما تسميه «القبول اللا نقدي للرؤى الليبرالية القيمية للحياة الجيدة ذات الطبيعة الاستهلاكية، والعدالة الاجرائية والمساواة القانونية، والتي تنظر إلى الممارسات والأفكار خارج الإطار الليبرالي على انها أمور سيئة والتي تفسر ظاهرة تعظيم الحاكم في الأنظمة السلطوية على أنها ظاهرة مرضية أو ظاهرة غير هامة أو كلتيهما».

ويتألف الكتاب، بعد مقدمتين لكل من المترجم والمؤلفة، من خمسة فصول ذات عناوين جذابة ودالة: تصديق العروض، قتل السياسة: البلاغة الانشائية الرسمية والحديث المسموح، التظاهر «كما لو ان»: قصة ميم، علامات التجاوز، تعقيد المطاوعة.

«القائد للأبد» أو لا أحد!

الفقرة الأولى من الفصل الأول بليغة في حرفيتها: «يصوّر حافظ الأسد في الخطاب السياسي السوري المعاصر، عموماً على انه حاضر في كل مكان وأنه عالم بكل شيء. يظهر الاسد من خلال الصور المنشورة في الصحف بصورة «الأب»، و«المناضل»، و«المعلم الأول»، و«منقذ لبنان»، و«القائد للأبد»، و«الفارس الشهم»- في اشارة الى أنه صلاح الدين الأيوبي المعاصر (…)».

وتلاحظ الكاتبة «ان الأيقونات ذات الصبغة الدينية والشعارات التي تزين جدران الأبنية، ونوافذ السيارات، وأبواب المطاعم، كلها تشهد بخلوده. وبتأثير قوة التكرار، فكل مواطن متمرس على هذا الخطاب الرمزي في الدولة السورية، وتشكل هذه الحالة احدى العلامات المميزة للنظام الأسدي».

واذ تلفت الى أنه على الرغم من أن الأسد معروف بـ«براعته السياسية»، الا «انه بالتأكيد لا احد في سوريا المعاصرة سواء أولئك الذين يصيغون المديح أو اولئك المجبرون على استهلاكه، يصدقون أن الأسد هو «الصيدلي الأول» أو أنه «يعلم كل شيء حول كل القضايا» أو انه حصل بالفعل على 99,2 في المئة من الأصوات في الانتخابات».

ومن اليسير، تقول المؤلفة، ايراد الأمثلة على التباعد وانعدام التوقير الذي يتبناه السوريون تجاه ظاهرة تقديس الحاكم والدعاية لها. «فالصحف اليومية الرسمية في سوريا تعتبر من الناحية الوظيفية أغطية موائد (…)، فقد ذكر مثلاُ أن صحيفة «الثورة» قد انخفضت مبيعاتها بنسبة 35 في المئة عندما تم توقيف رسام الكاريكاتير المستقل والساخر السياسي علي فرزات عن العمل. كما أن الأعمال الكوميدية والأفلام تسخر من الخطاب الرسمي، وتستشري النكات الممنوعة حول ظاهرة تقديس الحاكم. ويتذمر المواطنون من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات الدينية من الإسراف المالي الذي يهدر لتسويق عظمة الرئيس».

وبعدما تقتبس المؤلفة من ماكس فيبر وصف «النظام الكاريزماتي» مسقطة إياه على الواقع السوري، تقول «اذا كان هدف تبجيل الأسد وتعظيمه هو خلق كاريزما أو ايجاد اعتقاد شعبي، فإن ظاهرة تقديس الأسد لا تبدو فعالة. ومع هذا تعتبر القيادة السورية أن ظاهرة تقديس الحاكم تساوي الاستثمار في الوقت والمال».

وفي استطراد بالغ الثراء تورد المؤلفة من بين تعريفات عديدة لمفهومي الشرعية والهيمنة صياغة ستيوارت هيل لتعريف غرامشي لمصطلح الهيمنة على انه «الأفق المعرفي لما هو مقبول». وفيما تؤكد أن المعارضة للنظام تتكون بشكل خاص ولكن ليس حصراً من الجماعات الاسلامية، تتكون القاعدة المؤيدة للأسد من «أعضاء فاعلين من البرجوازية السنية والمسيحية، والأغنياء الجدد من سكان المدن، وبشكل رئيسي وليس حصرياً من العلويين الذين جاؤوا من المناطق الأخرى، والفلاحين الاغنياء الذي استفادوا من سياسات النظام وبقوا في المناطق الريفية». اما مردّ هذا التأييد فالأجدى التنقيب عن اسراره بين أكداس «الغنائم المادية» التي يوفرها النظام لمؤيديه!

وفي إشارة دالة تخلص المؤلفة إلى أن «السياسة ليست حول المصالح المادية وحسب، بل انها منافسة حول العالم الرمزي وحول إدارة المعاني والاستحواذ عليها».

التقديس: من أين أتى؟

الغريب، برأي الكاتبة، أن لا تاريخ محدداً يمكن تعيينه لبداية ظاهرة تقديس الحاكم، أو بالأحرى لتحول مركز الاهتمام بعيداً عن حزب البعث باتجاه قائده. اذ «تجادل مصادر حكومية في دمشق (التقتها الكاتبة)، بأن الأسد شخصياً هو من ابتدع ظاهرة التقديس بعد سنوات من وصوله إلى السلطة، على الرغم من معارضة جورج صدقني، وزير إعلامه من أيلول 1973 إلى أيلول 1974». وترد اعتراض صدقني الى أن «وسائل مثل تزيين صورة الأسد في الكتب المدرسية قد تكون مهينة للحساسيات الدينية للسكان». هذا ويدّعي صاحب السيرة الذاتية للأسد باتريك سيل، وفق الكاتبة، بأن «احمد اسكندر احمد وزير الإعلام من 1 أيلول 1974 حتى وفاته في 29 أيلول 1983 هو من اخترع ظاهرة تعظيم الأسد حتى يحرف انتباه السوريين عن التوترات الاقتصادية وعن العنف بين القوات الحكومية والإخوان المسلمين السوريين الذي بلغ أوجه في مجزرة راح ضحيتها ما بين 5 آلاف و 20 ألفاً من السكان في حماه في شباط من عام 1982». واستناداً إلى يحيى سادوسكي، تتابع وادين، أصبح التكريم المبالغ فيه للأسد جزءاً من استراتيجية لتعبئة المناشدة الجماهيرية في بدايات 1982، من جراء أسباب ثلاثة: مجزرة حماه وتراجع أسعار النفط الحاد، فضلاً عن الغزو الإسرائيلي للبنان في 4 حزيران 1982. ويرد كاتب اخر مختص بالشأن السوري (روبرت سكات ماسون) بدايات الظاهرة إلى النوبة القلبية التي أصابت الأسد في 1985 والتحديات التي تعرض لها النظام من قبل رفعت الأسد شقيق حافظ.

القارئ، بعد التشتت الذي تتسببت به كثرة التواريخ، لا يملك سوى خيار وحيد: أن يضع تلك التواريخ برمتها في سياق تاريخ واحد، جاعلاً منها المحطات المفصلية التي تطورت عبرها ظاهرة التقديس، والتي أعلى تجلياتها إيصال الرئيس الحالي بشار الأسد إلى السلطة بوصفه المستحق الأوحد لها بعد وفاة والده!

«قصة ميم»

تروي الكاتبة حادثة رويت لها أثناء قيامها ببحثها الميداني في سوريا «بعد أيام قليلة – كما زعم – من وقوع الحادثة». وتتناول الحكاية قصة تسريح «السيد ميم» في ربيع عام 1989 من الحرس الجمهوري بعد ان كسرت أضلاعه.

فذات يوم زار ضابط برتبة عالية الوحدة التي يخدم فيها ميم، وأمر الجنود ان يقصوا عليه أحلامهم التي رأوها في الليلة الفائتة. وراح الجنود (تعرض الكاتبة الحكاية بالتفصيل)، يقصون مناماتهم التمجيدية للرئيس في صورة نمطية بالغة الدلالات.. ولمّا وصل دور «ميم» وسئل عما حلم بها قال للضابط: «لقد رأيت في منامي أمي عاهرة في غرفة نومك».

تعليقاً على الحادثة شرح السيد ميم، وفق وايدن، أنه «عنى أن بلده عاهرة» في غرفة نوم «الأمن السياسي» طبعاً!

النكات والمسرحيات…

لعلّه من المفيد في سياق تقديم أبرز مضامين كتاب كالذي بين أيدينا التطرق إلى واحدة من أبرز علامات التجاوز الأدبية والفنية، أو بالأحرى الانتهاكات الرائجة لـ«النظام العام». انتهاكات أبدع السوريون بمختلف مشاربهم وشرائحهم في خلقها، لا سيما النكات الساخرة من النظام والمسرحيات الناقدة له.

فإذا كان فرويد صاحب مقولة إن النكات تبعث على المتعة لأنها تزود قائلها تنفيساً، فقد أكثر السوريون من التنفيس في هذا المجال. ومن بين أحلى النكات وابلغها دلالة تلك التي تتناول العلاقة «الغامضة» ما بين الحاكم والمحكوم:

دخل الرؤساء بوش وغورباتشيف والأسد في مسابقة. يحمل حارس بوش الشخصي رئيسه حتى يصل الى نهر فيه تماسيح، فيرفض الحارس عبور النهر وهو حامل لبوش على كتفه. «عندي أولاد ومسؤوليات عائلية سيدي»، يبرر الحارس عصيانه. فيعودان أدراجهما. ويحمل حارس غورباتشيف الشخصي رئيسه حتى النهر ويرفض عبوره بنفس الحجة، «عندي اولاد ومسؤوليات عائلية، سيدي». ويعود الإثنان. وأخيراً يحمل حارس الأسد الشخصي رئيسه، وعندما يصل الى النهر، يعبره مسرعاً وهو يتفادى التماسيح. فيصعق الحارسان الآخران لتفاني حارس الأسد الشخصي، فيسألانه: كيف فعلت ذلك؟، فيجيب: «عندي أولاد ومسؤوليات عائلية»!

والى جانب النكات الكثيرة التي استقتها الكاتبة من مقابلات مباشرة مع مواطنين سوريين، تناقش الكاتبة بالتفصيل الممل أبرز المسرحيات الناقدة للنظام والمسموح بها في آن، لا سيما منها الأعمال المشتركة لدريد لحام ومحمد الماغوط، علاوة على أعمال ياسر العظمة.

«كاسك يا وطن»

في مسرحية «كاسك يا وطن»، على سبيل المثال، يرفع غوار يده في سياق مجادلة حادة مع زوجته ليضربها، بعدما تلقى «علقة» من رجال الأمن، إلا أنه يوقف نفسه في اللحظة الأخيرة قائلاً لها: «هم (المحققون) ضربوني، وانا بضربك. وانت بتضربي الأولاد، والأولاد بيضربوا أولاد الجيران. وهيك بتصير معركة». دريد لحام اليوم وبعد 32 سنة من مسرحيته النقدية الجريئة يتنقل من تلفزيون رسمي إلى آخر، مدافعاً عن حق النظام في قمع المتظاهرين للحرية، كل المتظاهرين، بحجة حماية أمن الوطن!

القراءة المتأنية للكتاب تزودنا بتفسير نفسي – سلوكي لملمح من ملامح ما يجري حولنا اليوم. النظم الأبوية البطريركية لا ترضى بأي حال من الأحوال بـ«عقوق» أبنائها. اما التيمة الرئيسة في هذا الوقت بالذات وغداة انبلاج فجر الديموقراطية العربي أن ليس «حزب البعث» وحده من مات وينتظر من يدفنه. ثمة منظومة حكم متكاملة، ذات رأس متبلّد وجسم هرم، ماتت في كل العالم. لم يبق لها أدنى اثر سوى في بلدان هذه المنطقة البائسة والمعذبة.

آن لها أن تحال إلى المتاحف الوطنية!

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

9 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...