الرئيسية / صفحات الثقافة / كتاب تمنيتَ أن تكون كاتبه/ استطلاع: نوال العلي

كتاب تمنيتَ أن تكون كاتبه/ استطلاع: نوال العلي

 

 

القارئ الجيد هو صاحب المخيلة، كتب نابوكوف مرة، ثمة عقد بين القارئ المجهول والكاتب الذي يضع تحت تصرف هذا الغريب عملاً فيه ما فيه من الذاتية والخيال والحقيقة. فكيف يكون الأمر إذا كان القارئ/الغريب هو كاتب آخر بما يتضمّنه ذلك من حميمية وندّية. بعض الكتب لا تفنى ولا تستحدث ولا تذهب إلى عدم النسيان، لكنها تتحوّل من شكل إلى آخر، وتتنقل من كتاب إلى كتاب في لعبة المرايا المستمرة، وحين يكون القارئ كاتباً فربما تجمعه صدفة بالكتاب الذي تمنى لو أنه مؤلفه، “العربي الجديد” سألت بعض الكتّاب عن اسم هذا العمل.

إلياس فركوح: “بيت من لحم” قصة تتحداني

يقول الروائي الأردني إلياس فركوح (1948) “من الصعب عليَّ، بعد ما يزيد عن خمسين سنة من القراءات المتنوعة، أن أحدد كتاباً واحداً على وجه الخصوص أجيز لنفسي القول بأني تمنيتُ أن أكون كاتبه! بالتأكيد، ثمّة عدد كبير من الكتب كان لها دورها المؤثِّر في تشكيل وعيي، وتوجيه ذائقتي، وإرشادي إلى مناطق معرفية في حقولٍ ثقافية مختلفة أسعفتني في إدراك موقعي من العالم.. وفي العالم. غير أنّ هذا كلّه لم يحرّك في داخلي توقَ، أو طموحَ، أو حتّى حلمَ “خروجه/ ولادته” مني”.

ويضيف صاحب “الأرض اليمبوس” موضحاً “ربما يبدو الأمر غريباً، لكني أزعمُ امتلاكي القدرة على جعل مسافة بين كتابتي و”كتابات” كثيرة جداً أُعْجِبْتُ بها، دون الوقوع في شرك مماثلتها! فأن تطمح إلى ما هو “مثل” أو “مستوى” لهو طموحٌ يشير إلى قصور واكتفاء لا معنى لهما في الكتابة الإبداعية، بحسبي”.

ويتابع “مع ذلك، ولأنّ السؤال عملَ على تحفيز الذاكرة؛ فإني أشهدُ على أنَّ تلازماً ما ظلَّ بيني وبين قصة قصيرة كنتُ قرأتها قبل أربعين سنة، لأستاذ السرد القصصي العربي يوسف إدريس، اسمها “بيت من لحم.” قصة حفرت في وعيي وذائقتي عميقاً إلى درجة أني كلّما شرعتُ في كتابة نصّ جديد، أجدها تتخايلُ في ذاكرتي وكأنها بوصلتي. قصة “أغارُ” منها ومن كاتبها لجرأتها في معاينة ظلال حياتنا الكامنة في السِّر، أود لو أتجاوزها.. وليس لأكتبَ “مثلها”. وبذلك، يصير لي أن أراها “تتحداني” في قدرتي على تجاوز ما كتبته سابقاً. وهنا تكمن أهمية النصوص الفارقة في قارئيها من الكُتّاب: أن تستفزهم!”.

 

عاشور الطويبي: مدن إيتالو كالفينو اللامرئية

أما الشاعر الليبي عاشور الطويبي (1952) فيرى أن “هذا سؤال صعب وسهل في آن. دائمًا أتخيل الأدب بنّاء أسوار المدن، يضع حجارة هنا وحجارة هناك، ثم يدعونا للصعود لنقطف نظرة أو أكثر من هذه المدن”.

ويكمل صاحب “أصدقاؤك مرّوا من هنا” بقوله “لا أستطيع أن أحصي لك عدد الكتب التي تمنيت أن أكون كاتبها. من هذه الكتب، كتاب: “المدن اللامرئية”، وترجم أيضا بعنوان: “مدن الخيال”. قرأته أولا بالعربية بعنوان: مدن الخيال، ثم قرأته بالإنكليزية. في القراءة الأولى بالعربية، والتي أخذت مني وقتا طويلاً، رغم قلة عدد صفحات الكتاب، كنت أتوقف بعد قراءة فصل أو مقطع من فصل لأحسّ باللذة ورعشتها. هذا المعمار السردي بقدر ما فيه من سموّ وعظمة، يتداعى كغزل البنات، من الهشاشة والرقّة. كتاب يقرأ دائمًا”.

 

زليخة أبو ريشة: الحب في زمن ماركيز

حين طلبنا الإجابة من الشاعرة الأردنية زليخة أبو ريشة كانت تحتفل بيوم ميلادها الـ 75، وكانت إجابتها “تظل رواية “الحب في زمن الكوليرا” لماركيز من الأعمال التي سحرتني على مدى سنوات. وربما في غفلة من رصانتي تمنيت لو أني كاتبتها”.

وتبين “هي نص خرافي وإلياذة للحب، نسج فيها ماركيز بتؤدة عاشق حياة فيرمينا دازا وفلورينتينو أريثا وضجيج نهاية القرن التاسع عشر بحروبه وأوبئته وصعوده .. لتتنتهي القصة بلقاء حبيبيّ المراهقة وقد تجاوزا السبعين”.

تكمل زليخة “وأنا التي بلغت الآن السن ذاتها لتجد في هذه الرواية العظيمة إلهاما للانغماس في حياة الحب كمصير لا فكاك منه”.

 

أحمد شافعي: تحولات أوفيد

أما الشاعر المصري أحمد شافعي (1977) فتجاوزت رغبته في أن يكون مؤلف الكتاب إلى أن يكون الكاتب نفسه، يقول “كتاب “التحولات” لأوفيد، كنت أحب أصلاً لو أكون أوفيد، ولو لأكتب “فن الهوى”. لكن بما أنني بلا خبرة تذكر في الهوى، فليكن “التحولات”. لعل كتابة هذا الكتاب كانت لتخلصني منه، بدلا من مصاحبته لي لسنين طويلة منذ أن قرأته في الثانوي للمرة الأولى”.

ويكمل صاحب “الخالق”: “ثم إن لديَّ خبرة كافية. فحولي طول الوقت كائنات أرتاب في أصولها (عدا الكائنات الكثيرة عديمة الأصل). بسهولة شديدة أعرف الضباع في رجال الأعمال، والثعالب في رجال الدين، والزواحف على كراسي السلطة. وطبعاً أرى الصراصير والنمل والبعوض صفوفا أمام صناديق الاقتراع، وحفلات التنصيب، ومقاعد المتفرجين في مباريات المنتخبات الوطنية. لكن كل هذه البهائم لا تعنيني ولا أحسب أنني أسمح لها أن تلوث من كتابي إلا أقل الصفحات. تعنيني إلهة تحولت من أجلي إلى امرأة، تحيطني برحمتها بغير وسيط، وتقلبني بين جنة قبل الجنة وجحيم دونه الجحيم، وتذوق، المسكينة، بنفسها حسرة النظر إلى السماء من الأرض. ويعنيني أكثر منها إله تحول إلى رجل، لكنه نسي. ولا يعرف الآن عن نفسه إلا أنه رجل محبوس في وجوده، يتملص بلا أمل، ويتملص بلا كلل، خائف من الموت، مرتاع من الحياة”.

 

عصام عيسى رجب: قصائد مارك ستراند

 

بالنسبة للشاعر السوداني عصام عيسى رجب فيقول “كثيرة هي تلك الكتبُ التي قرأتُها وتمنيّتْ لو كنتُ كاتِبَها. ولا أكذبُ كثيراً لو قلتُ أنني تمنيّتُ وأتمنى أنْ أكونَ أنا مَنْ كتبَ كلَّ كتابٍ جيِّدٍ ومُدهِشٍ قرأتُه”.

ويضيف “دعيني أُسمِّي هنا المجموعةَ الشِّعريّةَ الكاملةَ للشِّاعِرِ الأميركي: مارك ستراند. هذا شاعِرٌ يكتبُ القصيدةَ ببساطةٍ مُذهِلة، وكأنَّهُ لا يكتبُ أصلاً. لا تحذلقٌ لُغويٌّ ولا محاولةٌ لإبهارِ القارئ بما لا حاجةَ للقصيدةِ به. ثُمَّ وفرِةُ المعنى والصوَر. أفتقِدُ جِدَّاً ما أذكرُ هنا في كثيرٍ مِما أقرأُ من شِعْرِنا العربيِّ للأسف”.

 

محمد خضير: “أنا وحماري” لـ خوان رامون خيمينيث

أما القاص والروائي العراقي محمد خضير (1942)، فيقول “الكتاب الذي وددتُ كتابته والنسج على منواله هو “أنا وحماري” للشاعر الإسباني خوان رامون خيمينيث (1881 _ 1975). انتقلت الطبعة الأولى من هذا الكتاب التي أصدرتها دار المعارف بمصر مع مكتبتي إلى أكثر من منزل، وأصبح صعبا عليّ اليوم التخلص من نسخة الكتاب هذه، أو مبارحة تأثير قراءته الأولى في وقت مبكر من حياتي الأدبية. فهو الخميرة التي ربطتني بالأماكن الأصلية لمعظم نصوصي القصصية، وهو الحادي لكتابة أي نص “شذري” منتزع من ممالك الأرض الدنيا.

صاحب “المملكة السوداء” يكمل “الحقيقة فإن قراءاتي للكتاب لم تنتظم بوتيرة واحدة. ففيما أحدثت قراءتي الأولى تأثيرا هينا، فإن قراءتي الأخيرة للكتاب طرحت أمامي مهمات تختلف عن انطباعات القراءة المبكرة. فقد تدرج تأثري بهذا الكتاب من آلية المصادفة في رواية الحوادث واختيار الشخصيات، إلى البحث المقصود عن الحوادث وانتقاء الشخصيات وفلسفة وجودها. ومن ناحية ثانية فقد نبهني الكتاب إلى ضرورة تضمين العنصر الطبيعي الخالص في كتابة قصصي وتأمل جمالياته”.

يوضح خضير “قراءاتي للكتاب لم تنتظم بوتيرة واحدة. ففيما أحدثت قراءتي الأولى تأثيرا هينا، فإن قراءتي الأخيرة للكتاب طرحت أمامي مهمات تختلف عن انطباعات القراءة المبكرة. فقد تدرج تأثري بهذا الكتاب من آلية المصادفة في رواية الحوادث واختيار الشخصيات، إلى البحث المقصود عن الحوادث وانتقاء الشخصيات وفلسفة وجودها. ومن ناحية ثانية فقد نبهني الكتاب إلى ضرورة تضمين العنصر الطبيعي الخالص في كتابة قصصي وتأمل جمالياته.

ويضيف “تتفق نصوص “أنا وحماري” مع طبيعتي المحبة للطبيعة وفلسفتي وأسلوبي في تأمل الموجودات ومخاطبتها خطابا هامسا قائما على دفعات من المقاطع القصيرة. فحاولت تأليف كتابي (أحلام باصورا) على أساس الرؤى المنتقلة من بلدة مُغير إلى أحلامي عن البصرة، مدينتي التي لم أبارحها منذ ولادتي فيها قبل خمسة وسبعين عاما. كان الرحاب الطبيعي للمكان الإسباني أوسع وأشمل، لكني حاولت أيضا أن أجعل أحلام المكان العراقي مسرودات تخترق حدودها وتندمج بروح الكون الموجهة لكل عقل من عقول الساردين المنضوين لقارة كبرى”.

يرى خضير أن “ثمة وحدة تجمع أولئك الحالمين بالطبيعة هي وحدة الوجود التي تلخصها عبارة من كتاب خيمينيث: “الينبوع القديم، يا بلاتيرو، الذي طالما رأيتني أمكث عنده طويلا، يضم في ذاته، كمفتاح أو قبر، كل رثاء العالم، أعني الإحساس بالحياة الحقة. ويؤكد إطار هذه الوحدة الشعورَ العام بالكتاب الذي يؤلفه الحالمون جميعهم بصيغ مختلفة، متبادلة، في أمكنة وعقول دائرة في فلك العشق الإلهي للوجود. فلا غرو أن ينتصب كتاب خيمينيث إلى جانب كتاب العطار (منطق الطير) ليؤلفا المصدر الأنطولوجي الغزير بالإيحاءات الحكائية والنُظُم السردية الحرة من التجنيس للآلاف من كتب السرد في العالم القديم والجديد. ذاك يخاطب طيور السماء الموحدة في طائر السيمرغ، وهذا يخاطب حمير الأرض الممثلة بالحمار الحكيم بلاتيرو. وكلاهما يحاول نقل التأثير من الشعر إلى النثر، ومن التأمل الطبيعي إلى الحقيقة اليومية المعيشة بعمق ومعاناة”.

ويشرح إن “ما يُعتبر مُلهِما أثيريا للإنشاء السردي، قد يهبط أخيرا للأرض ويعيش متخفيا بين الجموع الغفيرة من الكتب التي تضمها مكتبة أحد الكتاب. فهو يعيش في زاوية على رف من الرفوف، لكنه يظهر ويشع كلما حل موسم تأليف نص جديد، فيقوده إلى منبعه الأصلي بشكيمة المحبة المتأصلة في كل لغات العالم.. يقوده إلى منبع الفكرة المجردة من الماهيات والمسبوقات الإدراكية ليكون وحده جوهرا بذاته وماهيته ووجوده النقي”.

وينتهي خضير إلى أن الدرس الأخير عند قراءة “أنا وحماري” و”هو قيمة البحث الذي أشرت إليه آنفاً. ينبغي على الكاتب المعاصر أن يسعى وراء الحادثة النادرة والشائعة، سواء، كي يجسدها في عمله الأدبي، لا أن ينتظر المصادفة والإلهام يأتيان بهما إلى باب بيته. ولعل أكثر من كاتب عالمي اكتشف مجاهل بلاده بصحبة دابة، أو على دراجة، أو مشياً على قدميه، فأنهى حياته قرير العين، بعد أن أشرف على نهاية المجهول الذي تحدى قدراته الخيالية الساكنة في موقع محدود؛ وهذا ما لم يجربه كثيرون من كتاب العربية حتى اليوم”.

العربي الجديد

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سحر الكلمة/ ريبر يوسف

    فعل ترديد كلمة بعينها على الدوام ولمرّات عديدة خلال اليوم الواحد، ذلك الفعل ...