الرئيسية / صفحات الرأي / كتاب: «سوريا: سقوط عائلة الأسد»: من حامل الأمل الى دكتاتور وفي للنظام

كتاب: «سوريا: سقوط عائلة الأسد»: من حامل الأمل الى دكتاتور وفي للنظام

*غالية قباني

-قدر بشار الأسد ان يحبط  من وضعوا أملهم فيه

-تقبل العديد من السوريين الصفقة “الفاوستية”..الاستقرار مقابل حرية اقل

– بشار ليس بحاجة لأنه يستنسخ روح والده بحلة حديثة. اذا فعل سيكون مجرد أسد جديد

– أعجب ديفيد لِش مثل العديد من زملائه في الغرب بمواصفات جديدة لدكتاتور من الشرق،  وطالبوا بمنحه الفرصة ليقدم أداءً مختلفا عن الأجيال السابقة في المنطقة بمن فيهم والده نفسه.

اعتاد البروفيسور ديفيد لِش الباحث الأميركي المختص في شؤون الشرق الاوسط، زيارة سوريا بانتظام منذ العام 2004 حيث التقى الرئيس بشار الاسد وزوجته وكبار المسؤولين ونشر كتابا  في العام اللاحق هو نتاج لتلك المقابلات عنوانه: “أسد سوريا الجديد: بشار وسوريا الحديثة”.. عن جامعة ييل في الولايات المتحدة الاميركية. وبسبب تلك المقابلات التي تحولت لاحقا الى علاقة وطيدة اعتبر الباحث أنه عرف الاسد اكثر من اي شخص آخر في الغرب. الا أنه فوجئ بردة فعله العنيفة عندما لجأ الى الاسلوب الدموي لمواجهة الانتفاضة وواجه المتظاهرون بالجيش. كيف يمكن لأكاديمي مختص بشؤون سوريا واعتبر نفسه من القلة الغربية القليلة التي اقتربت من بشار الاسد قبل سنوات ورأى فيه “الأمل” في قيادة بلاده نحو الديمقراطية، ان يؤلف كتابا الآن عن حكمه الآيل الى السقوط بسبب انتفاضة شعبه ضده وقسوة رده على ذلك الفعل؟ هذا ما يرد الى الذهن عند البدء بقراءة كتاب “سوريا: سقوط آل الأسد”، وكيف أوصل الرئيس السوري حتى أصدقاءه الى انتقاده وتبرير علاقتهم به بعد تبشيرهم به. في كتاب “ديفيد لِش” الكثير من النعي للأمل والتبرير لأخطاء تنسب الى النظام الذي حبكه الاسد الأب مع حزب البعث، وكان الإبن  الرئيس الحالي مجرد ضحية له.

من وراثة الحكم يبدأ كل شيء، من الأب المؤسس اولا، عندما برز حافظ الاسد الى واجهة المشهد السياسي من خلال انقلاب حزب البعث عام 1966، سيطر على السلطة عام 1970 بعد ان تدرج من آمر للقوى الجوية الى وزير للدفاع. ورغم ان وضع العلويين في السلطة في تلك الفترة كان جيدا عموما، إلا ان الاسد منحهم مراكز قوى اكبر في الجيش والأمن، وكذلك فعل بشار بعد استلامه الحكم، ما يعني ان العلويين، كما يقول الباحث، ليسوا على استعداد الآن للتخلي عن سلطة بنوها طويلا لحكم هذا البلد.

لقد ورث بشار عن أبيه دولة تسلطية أساسها “أجهزة المخابرات” ولان البلاد شهدت انقلابات شديدة في السنوات السابقة تقبل العديد من السوريين الصفقة “الفاوستية” التي تقوم على شرط الاستقرار مقابل حرية اقل. لكن صفقة الحريات الاقل على ما يبدو كانت لا تتجاوز الجلوس على المقاهي أو البارات، بوجود كتبة مخبرين بالطبع، والحديث بتنظيرات لا علاقة لها بالواقع، وحرية ان تتاجر بأموالك بشرط مشاركة افراد من النظام بها والحصول على نسبة منها من دون بذل اي جهد، الخ من حريات منقوصة لا تمنح عادة للمواطنين الكاملي الاهلية. في خطاب القسم في أيلول/ تموز 2000 أوحى بشار الاسد من خلال خطاب القسم أنه سيقود البلاد في اتجاه جديد تماما لاحتوائه على افكار حديثة وانتقاده لبعض المظاهر السلبية في عهد والده، مثل الفساد، حتى انه جلب اعضاء من جمعية الكمبيوتر التي أنشأها قبل توليه السلطة ليستلموا عدة وزارات في حكومته، وطلب منهم تحديث الادارة وحل المشاكل الاقتصادية، لكنهم في النهاية كانوا تكنوقراط ولم يكونوا مصلحيين ديمقراطيين، كانوا جزءا من النظام الموجود الذي جلبهم ومنحهم الامتيازات ولم يكن من المتوقع ان ينقلبوا عليه.

على المستوى الاقتصادي، كانت سوريا في ذيل قائمة الدول من حيث دخل الفرد، ووصفت ببلد الطبقة المتوسطة الدنيا. لقد فتح الأب والابن الاقتصاد السوري عدة مرات وبحدود، فالمستفيدون كانوا دوما ليس مجمل الشعب، بل المرتبطين بالنظام، عائليا، سياسيا وعلى مستوى رجال الاعمال الذين مدوا خيوطا معه.

لقد كان تقييم الادارة الاميركية وكثير من اللاعبين الدوليين حتى عام 2005، ان أداء بشار كان محبطا وأنه ضعيف وساذج، واعتقد كثيرون ان بشرى شقيقته الكبرى ذات الشخصية المهيمنة هي التي يجب ان تكون قائد سوريا او زوجته أسماء. الا ان المؤلف المتعاطف مع صورة بشار كان رايه ان بشار يشبه “مايكل” في فيلم “العراب”، الاخ الذي لم يُعدّ في الأساس لتسلم اعمال عائلة المافيا التي ينتمي اليها. (نحن هنا أمام صورة الضحية مرة أخرى).

أعجب ديفيد لِش مثل العديد من زملائه في الغرب بمواصفات جديدة لدكتاتور من الشرق،  وطالبوا بمنحه الفرصة ليقدم أداءً مختلفا عن الأجيال السابقة في المنطقة بمن فيهم والده نفسه، فالدكتاتور هذه المرة “شاب، متعلم في الغرب، يرتاد الأماكن العامة مع زوجته وأسرته ويقود سيارته بنفسه ويريد ان ينتقل بالبلاد الى مرحلة الحداثة”. انها صورة متخيلة مأخوذة من أفلام هوليود وليست من الواقع، صورة بنيت من تصريحاته ولقاءاته التي تم العديد منها من خلال شركات علاقات عامة غربية، فلا عجب اذن ان يصدم “المتأملين به خيرا” بالحقيقة الغائبة عندما تبدى المصلح الشاب عن طاغية يلجأ الى الجيش ليقمع شعبه. ان الخلفية التي يسردها الباحث في هذا الكتاب عن النظام المحكم الذي صاغه الاب من تنظيمات امنية وفساد سياسي اقتصادي، لا تقود الى تنشئة إبن منفتح على الديمقراطية والحريات العامة، ولن تمحو تلك التربية اقامة سنة ونصف في العاصمة البريطانية للتخصص فيها كطبيب عيون لم يكملها بعد أن طلب إليه العودة سريعا بعد وفاة اخيه، مع التذكير أن “الغرب” كان دوما تهمة يصف بها النظام المعارضة السورية التي نفيت من سوريا طوعا او إجبارا.

تصادم بشار الاسد مع إدارة بوش الابن ورأى بعض السياسيين والاكاديميين انه “ضحية” لتقييمات تلك الادارة. وانقسم المستشارون فيها حول إزالته او دعمه، خصوصا بعد الحرب على العراق عام 2003. الا ان تعاونا أمنيا وعسكريا محدودا شفع له عندها عام 2008 ، عندما شهدت الحدود تراجعا في عدد المجاهدين من سوريا واعتقال النظام البعض منهم، مما عدّ نية حسنة حيال الولايات المتحدة. لقد نسى المهللون ان تشجيع هؤلاء المجاهدين، لا بل إعدادهم العلني كان محليا أيضا، خصوصا في الشمال السوري بين ادلب وحلب وهو كان أمرا معروفاً للجميع، كذلك تسهيل مرور القاعدة والمجاهدين العرب الى العراق.

الثقة بالنفس

على مر السنوات حقق بشار الاسد ثقة في النفس كما يقول الباحث لِش الذي التقاه عام 2004 ولم ير فيه سمات الدكتاتور(!).. فللوهلة الاولى من اللقاء لا يبدو شخصية آمرة، وحديثه رقيق، وهو اجتماعي وضحكته طفولية لكن لا يبدو أنه واثق بنفسه كثيرا. اما بعد عام 2005 وقضية اغتيال الحريري والمحكمة التي انشئت من أجلها، بات دائم الغضب ومتوترا. الا ان حدثين مهمين أعادا إليه الثقة: الاول المواجهة الاسرائيلية مع حزب الله في لبنان عام 2006 وما ترتب عليها من شعبية حصل عليها حزب الله وزعيمه، ونال الاسد حصة من الشعبية بالتبعية بسبب دعمه لحزب الله.  أما العنصر الثاني فهو إعادة انتخابه في الاستفتاء على ولاية ثانية عام 2007 وتحلق المؤيدين حوله، لقد أثر فيه كثيرا تجديد البيعة، فهو الآن ليس وريثا لحافظ الأسد بل مختارا من الشعب. (سهى المؤلف عن الاشارة الى ان احدا لم يجرؤ على الترشح امام الأسد، الأب والإبن معا).

تدريجيا، أصبح بشار الاسد أكثر تجبرا في سلوكه. وراح يردد وجهات نظر المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يدبرون المؤامرات والمكائد في كل مكان. يقول ليش: «لقد تشبع بالحقيقة البديلة التي كانت تنسج من حوله، ونتيجة لذلك أخطأ الأسد في قراءة رسالة الربيع العربي وظن أن الثورة السورية صنيعة متآمرين من الخارج، وأنه يقف وحيدا كضامن لخلاص سوريا”.

في الحقيقة لطالما اعتقد بشار –مستمدا ثقافة البعث- أنه يقاتل ضد الإمبرياليين وأنه الممانع الوحيد المتبقي في الشرق المدافع عن فلسطين والعروبة، وأن معارضيه من الخونة. لقد كان قاسيا مع معارضين داخليين  منذ عريضة الـ99 خريف عام 2000  التي وقعها ناشطون من المجتمع المدني، كتاباً واكاديميين ومثقفين، كذلك عريضة الألف توقيع شتاء 2001 التي حملت اسماء مثقفين وناشطين غالبيتهم غير مرتبط بأي حزب، وطالبوا فيها بإصلاحات سياسية واقتصادية. لم يحتمل النظام حتى المنتديات الفكرية التي انتشرت في البلاد وكانت النتيجة اعتقال بعض المتحدثين، أبرزهم الدكتورعارف دليلة الاكاديمي الاقتصادي البارز المعروف عالميا الذي اعتقل بعد محاضرة عامة بسبب انتقاده هيمنة النظام على موارد الدولة وسوء أداء اقتصاد البلاد. إلا انه انتهى الى السجن الانفرادي لأكثر من عشرة اعوام. كل هؤلاء لم يرتبطوا بحكومات أجنبية ولم يحملوا السلاح وما أرادوه فقط “الاصلاحات الدستورية” التي تم الاستهانة بها ومعاقبة من رفع شعارها.

أدى تجاهل تلك المطالب الخجولة بل وقمعها الى اندلاع الثورة التي استبعدها الرئيس بشار في مقابلته مع صحيفة “وول ستريت جورنال” بداية عام 2011 ، بحجة أن الربيع العربي لن يطال سوريا الممانعة. إلا انها فعليا اندلعت على عكس توقعات الرئيس ونظامه، ومن مدينة درعا (المنطقة التقليدية لمساندة حزب البعث تاريخيا)، فقد توفرت فيها كل المقومات التي يمكن ان تربك الحكومة: فقر، اقتصاد فاشل، محافظ فاسد، تزايد كبير في عدد السكان، وكل ما يمكن ان يطلق غضب الجيل الصاعد المحروم والمضطهد وهو يرى الى شعوب اخرى تتحرك وتطالب بحرياتها.

تبدد الأمل

أين ذهبت آمال من عرفه ولماذا وضعوا توقعاتهم في هذا الشاب القادم الى عالم السياسة بسبب صدفة قدرية بحتة سببها وفاة شقيقه باسل في حادث سيارة وهو الذي يعد لخلافة والده او وراثة الحكم؟

في كتابه الأول: “أسد سوريا الجديد: بشار وسوريا الحديثة” قال البروفيسور ديفيد لِش انه بشار ليس بحاجة لأنه يستنسخ روح والده بحلة حديثة. اذا فعل سيكون مجرد أسد جديد، وهذا ما “لا تحتاجه سوريا في الحقيقة”. ويرى أن بشار كانت لديه النية للاصلاح، حتى تفاجأ بأن هناك مصالح تكرست وطرق حكم تكرست لا يمكن تغييرها بسهولة. السياسة في سوريا هي حياة او موت، وبعد سنوات على كتابه الأول يتوصل بروفسور لِش الى ان بشار ان كل ما يمكنه عمله، هو “تغييرات تجميلية” وعمل اصلاحات في المجالات التي لا تهدد مصالح الطبقة المهيمنة على البلاد. لقد أنجز الاسد الاب عمله بصورة محكمة فأسس لنظام قوي بالولاءات العائلية والعشائرية والطائفية، لكن لأ اكثر. لذا فإن الابن بعد الانتفاضة، ما عاد هو الطبيب الشاب المتعلم في الغرب، بل مجرد ذلك الابن لثقافة الصراع العربي الاسرائيلي، لفترة الحرب الباردة، ولكونه ابن حافظ الأسد.

كادر (1)

آلة القمع بالارقام

-يعتقد ان هناك ما بين 5000-7000 موظف يعملون في المخابرات بدوام كامل بالاضافة الى مئات الالاف بدوام جزئي.

-في العام 2011 كان هناك عنصر أمن لكل 240 مواطن.

-تقول التقديرات ان ميزانية المخابرات تتجاوز 3 مليارات دولار سنويا، اي ما يعادل ثلث ميزانية الشؤون العسكرية.

-هناك خمسة عشرة فرع أمني تشكل جهاز “المخابرات”. أهم تلك الاجهزة هي: المخابرات الجوية، المخابرات العسكرية، المخابرات العامة: وتضم فرع فلسطين، والأمن السياسي.

كادر 2

أسباب دعم روسيا لبشار الأسد؟

-تاريخ طويل من الدعم بين البلدين. كلاهما يملك الوضع البيروقراطي المؤسساتي نفسه.

-لروسيا مصالح تجارية كبيرة في سوريا فقد بلغت قيمة استثمار الشركات الروسية في السياحة والطاقة والانشاءات ما يقارب 19.4 مليار دولار.

-تحقق روسيا ما مقداره 1.5 مليار دولار من مبيعات الاسلحة الى سوريا، وقد خسرت مبيعاتها مع ايران بعد قرار الحظر الغربي، وخسرت مبيعاتها مع ليبيا بعد سقوط معمر القذافي.

استراتجيا.

– سوريا مهمة لروسيا فميناء طرطوس هو آخر قاعدة بحرية متبقية لموسكو في البحر المتوسط.

-الموقف الأيديلوجي من الثورات العربية، فموسكو الديماغوجية ترى ان محاولات الدمقرطة في المنطقة تأتي بالاسلاميين. (أعداؤها التقليدين في افغانستان والمقاطعات الروسية ذات الاغلبية الاسلامية).

الكتاب:

سوريا: سقوط عائلة الأسد

المؤلف: ديفيد لِش

الناشر: منشورات جامعة ييل

2012

*كاتبة سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...