الرئيسية / صفحات سورية / كواليس الثورة السورية ..مسرح الأحزاب الكردية

كواليس الثورة السورية ..مسرح الأحزاب الكردية

 


ريبر يوسف

في العام 1957 حيث تأسس أول حزب كردي في سوريا، بشعار يفضي إلى إيجاد حلول للقضية الكردية التي تحوّلت إلى ثمرة قطعت بنيتها ووحدتها على مائدة اتفاقية سايكس بيكو، سيما أن المنطقة برمتها كانت في مرمى النبال العثمانية المجتهدة آنذاك في تنسيب ما هو محكوم بزمنه إلى أزمنة أخرى.

كان حزباً قومياً كأمثاله في العالم الخارج، آنذاك، من صراع الحس الإنساني مع الفكر الأعزل حتى من الانتماء إلى ذلك الحس. وفي اللحظة التي بدأ العالم يخرج فيها على الخيط الرابط بين الدمار والانكفاء على قدح المستقبل، بقي الكردي منتظراً كغيره من الخارجين لتوهم من انخفاض الإنسانية في كتلة المؤامرات التي انبسطت على الأرض كالعشب، وبسبب انمحاء الفكر في بنية الكردي كمجتمع شامل لمفاهيم عديدة إثر غياب المؤسسات التي لم تكن أصلاً؛ حيث كانت المطالبة بحقوق الشعب الكردي، عموماً، ميالةً إلى الروح المجتهدة في توطين الإنسان بمفاهيم خارجة عن الحكمة اللئيمة، آنذاك، على أرض المطالبة بالكرامة، سيما أن الثورات الكردية التي سبقت العام 1957 كانت تميل في شكلها التنظيمي إلى العشائرية والدينية والتي أفضت في كل الأحوال إلى مفهوم القومية، التي سحقت تحت ظلال النبال المتشابكة فيما بين بعضها البعض آنذاك. إذاً، سرعان ما انقسم أول حزب كردي إلى قسمين (معروف في معجم الأحزاب الكردية بـ الانشقاقات) بعد خلاف بشأن البرنامج السياسي، حيث دعا أحدهما إلى شعار تحرير وتوحيد كردستان. وانقسم الغليان العفوي معه إلى جانب الكتّاب القلائل جداً آنذاك والعشائر، بل وحتى الأُسَر، آنها. كان هذا الانشقاق منطقياً حسب ماهية الأحزاب ومطالبها، والتي رأت بعضها شعاراً لا يخدم القضية الكردية في جزئها المتعايش مع سوريا، التي كانت قد خرجت لتوها من صراعات لا متناهية، وانتهت برسم حدودها كما هي عليها الآن؛ وبدأت المعاناة الحقيقية للشعب الكردي في سوريا من تغيير لديموغرافيته إلى تجريد الآلاف آنذاك من الجنسية السورية، من تهجير الأكراد من قراهم وتوطين قبائل عربية فيها، هذه المجموعات العربية والمسماة بـ (المغمورين) أي الذين غمرت مياه السدود قراهم؛ ما دعت الحكومة السورية إلى التكرم عليهم من محفظة قمع شعب يعيش كسنبلة في شساعة الرياح العمياء. ازدادت معاناة الكردي في سوريا مع ازدياد النقاط التي حققها حزب البعث على صفحة الشوفينية في طرح الفكر القومي، لتكون بذلك رؤية مفادها الرد الانعكاسي للأحزاب الكردية التي تمسّكت أكثر فأكثر بالمطالبة بحقوق الشعب الكردي في سوريا. لكن، بأي أدوات؟ وهل قابل هذا القمع الممطر من قبل حزب البعث للشعب الكردي بتغيير الأحزاب الكردية لمنهجها في التعامل مع مشروع قمعي يستهدف وجود الكرد؟ هذه الأحزاب التي استمرت هي أيضاً طيلة العقود المنصرمة في الانشغال بحروبها الداخلية، فيما بعضها البعض بمشروع انشقاقاتها الذي بدا السمة الرئيسية للأحزاب الكردية في سوريا. استمرت كذلك إلى أن تحولت إلى عدد قريب من فريق كرة القدم. لا، بل لم تجرد نفسها ـ وهي المطالِبة بحقوق شعب عانى كثيراً من ماكينة البعث الشديدة في سوريا ـ من بنية شبيهة في جوهرها ببنية الحزب القامع لهم؛ سيما أن هناك قيادات كردية واكبت زمن ما قبل وصول القذافي إلى سدرة الحكم في ليبيا وهي لم تزل على رؤوس أحزابها وتواكب سقوط القذافي، في هذه حقيقة ليس لأحدهم نكرانها. قد يرى العديد منهم هذه الانشقاقات حالة طبيعية تعبر عن التعددية الحزبية عند الكرد، إذاً هي تعددية حزبية طبيعة حسب كلام أغلبهم الذين يدافعون عن هذه الانشقاقات بحجج واهية، ولمراقبي سيرةَ الأحزاب الكردية في سوريا أن يفطنوا إلى أن جميعها تصب في أهداف واحدة. إذاً، هي حالة غير طبيعة البتة، في اللحظة التي ساهمت هذه الانشقاقات في انشقاق البنية الاجتماعية للمجتمع الكردي، وحالات الاصطفافات التي مست الكتّاب الذين تزايد عددهم كثيراً (وفي هذا خير) ولم تنته بعمال النجارة الكرد، وللمتمعّن في سيرة الأحزاب الكردية أن يلحظ التكتل العشائري في خلاصتها، فعشائر بأكملها تنتمي إلى حزب معين وأخرى إلى حزب آخر. لا، بل طالت الانشقاقات إلى أن مست بنية العشيرة الواحدة. إن كانت الأحزاب الكردية لم تستطع أن تنكفئ بالشعب الكردي عن إناء العشائرية التي هي قبل الانتماء القومي، حسب قوانين علم الاجتماع، ولم توفق في تحويل المجتمع إلى مجتمع مدني سليم – وهذا دورهم كما هو وارد في برامجها السياسية، إذاً هي أحزاب لا تنتمي في جوهرها إلى الفكر القومي حتى هذا الفكر الذي يجب أن يكون على رأس برنامجهم، سيما أنها أحزاب قومية. ساهمت هذه الأحزاب في توسيع الهوّة بين المجتمع الكردي عموماً، وحاولت جرَّه إلى ما قبل العشائرية أيضاً، إذ جيّشت هذه العشائر في صفوفها وشجعّت الحالة العشائرية كي تتمكن من ضم قرى بأكملها إلى صفوفها عبر رجل واحد. إذاً، هي ليست أحزاباً سياسة بل طالت سلطتهم حدودَ السيطرة على فكر الكاتب الكردي، الذي كان يُطالَب في كل مناسبة بالانتماء إلى قوميته الكردية في، محاولة منهم تجييشهم فيكون الأدب الكردي تحت سمائهم. لا أدبَ يهزّهم ليقلعهم، تلك الأحزاب، في تشجيعها لتداول الكتب المنادية بالقومية سراً وحسب، مستفيدة بذلك من قمع الحكومة السورية للغة الكردية، والذي (أي ذلك الكاتب) كان يفتقد إلى مؤسسة تداولُ كتبه كما جميع الكتب في العالم. دخلت القومية في مأكلنا ومشربنا، لا بل دخلت في طريقة ارتدائنا للثياب بألوانها وموضاتها، وأخذت عناصرها الحزبية في التبحر بمفاهيم تفصّل المجتمع الكردي على مقاسهم تحت شعار المطالبة بالحقوق الكردية، دخلت القومية في أعراسنا وفي قبورنا، وتحوّلت خيم العزاء للمتوفين إلى منابر لصراعاتهم فيما بين بعضهم البعض؛ تحوّل السياسي إلى ناقد شعري وتحوّل المنتمي إلى أحزابهم إلى وطني وتحوّل المختلف معهم فكرياً إلى خائن عميل!! وُزِّعَت شهادات الوطنية للشعب الكردي من جيوبهم، إلى أن وصلوا إلى فكرة مفادها: الكردي المخلص هو المنتمي إلى حزب كردي. استبدلت الأحزاب الكردية في سوريا انتماء الشخص كهوية إلى انتماء حزبي، تماماً كما استُبدلت سوريا من مفهومها كدولة إلى سوريا الأسد. بقي الشعر الكردي كلاسيكياً وصفياً لضرورة الحماسية التي تستوجبها المنابر السرية، وحورِبَت قصيدة النثر في كل المحافل حتى في محلات بيع اللبن والخضروات، فانشغال الشاعر بحالة نثرية هي مصدر قلق على كيانهم الموزون، تماماً كما نظروا إلى بناطيل الجينز على إنها تحوّلُ الشاب الكردي عن مسار القومية!.

لم تجد هذه الأحزاب أدوات جديدة للمطالبة بحقوق الشعب الكردي، بل لم تحقق أي مطلب منذ خمسين عاماً، إذاً هي غير موجودة على خارطة المطالبة بحقوق شعب لا يقل وطنية وثقافة عن شعوب المنطقة برمتها. بل حوّلت القضية الكردية في سوريا من قضية قومية إلى قضية أمنية، عبر تفاوضها مع مبعوثي حزب البعث الأمنيين لا المدنيين، في محاولة من النظام الحاكم في سوريا إلى تحويل القضية الكردية عن مسارها السياسي إثر رفضها التفاوض مع الأحزاب عبر مفاوضين سياسيين، وساهمت الأحزاب الكردية في تمرير مشروع النظام السوري الحاكم عبر تفاوضها مع قادة للفروع الأمنية. هذه الأحزاب، والتي قلّصت قضية الكرد في سوريا؛ من اعتراف دستوري بحقوقهم ضمن إطار سوريا الواحدة كثاني أكبر قومية في البلد إلى مشكلة في إحصاء جرد الآلاف من الأكراد إثرها من الجنسية السورية، لم تستطع حماية الشعب الكردي في سوريا من القتل إثر سيرها الساكن خلل التطور في العالم أجمع، قتل عشرات الأكراد في الشوارع، اغتيال قادة وشباب كرد مجندين في الجيش السوري، لم يقابل كل هذه الممارسات ثقافة ناضجة للأحزاب الكردية تلمّ الشمل الكردي وتصل بصوته إلى العالم أجمع.. في اللحظة التي فشلت في إيصال صوت الكردي إلى الداخل السوري، لم يقابل هذا القمع سوى خيم إضافية لعزاء ضحايا الكرد – خيم تتسع لحشود المعزّين الحزبيين. وتساهم الآن في توسيع الهوّة، التي ساهم النظام الحاكم في سوريا في إيجادها بين الكردي والشارع السوري عموماً، إثر صمت الأحزاب الكردية الغريب حول ما يحدث في سوريا الآن، والذي بدا مريباً من قبل فئات عديدة تراقب الوضع السوري، فمن المفترض أن تستغل الأحزاب الكردية الثورات التي تجتاح المنطقة – وهي المطالِبة باستغلالها – سيما هي الناطق الرسمي للشعب الكردي السوري ولسان حال هذا الشعب الأحوج إلى ثورة تعيد حقوقه المسلوبة منه، في اللحظة التي فشلت الأحزاب الكردية في تحقيق اللا شيء طيلة العقود المنصرمة، عبر بياناتهم وخطاباتهم وفلسفاتهم الارتجالية، قد يقول بعضهم بأن الثورة في سوريا هي ثورة شبابية غير حزبية، إذاً فلتقم الأحزاب الكردية بحل نفسها أو بوضع نفسها تحت تصرف الطبقة الشبابية في المجتمع الكردي، سيما أنها فشلت فشلاً ذريعاً في إيجاد الحلول للكردي سياسياً؛ خاصة كما حققت التجربة مفهوم التغيير للشباب. لكنّ هذه الأحزاب تلمّ الشباب الكردي من الشوارع وتأخذ مهمة قوات الأمن السورية في قمعها لتظاهرات سلمية للأكراد إلى جانب إخوتهم في المدن السورية برمتها، وبخاصة بعد امتداد المظاهرات لتطال جميع المدن السورية، وعبر بياناتهم التي تقسّم الشارع الكردي بين متردد وخائف ومنتم إلى حزب كردي، هذا الصمت لا يصب في إطار الخوف على الشباب الكرد سيما أنهم جيشّوا مراراً هذا الشباب في أمور عديدة جعلتهم عرضة للاعتقال والقتل في الكثير من الأحيان. انشقاقاتهم وممارساتهم تفضي إلى الأنانية والمرضية التي لا تخدم الشاب الكردي أبداً، هذه الأحزاب التي جعلت من نفسها بطاقات لمصالح تقسم الشعب الكردي بين أردوغان وكردستان العراق والسلطة السورية.

أنا لا أدعو إلى تظاهر الكردي، الآن، لسبب نفسيّ هو عدم وجودي هناك وعدم جرأتي في أن أدفع متظاهراً ما إلى احتمالات مفتوحة، ثم إنها ليست من مهامي أن أحرّك الشارع الكردي تجاه قرارات هي يجب أن تكون على رأس أعمال الأحزاب الناطقة باسمه. الحزب الذي يفتقد إلى الحلول فليجعل من نفسه دثاراً يقي المظلومُ به نفسَهُ من برد الزمن القارس، وذلك أشرف له من أن يقتات ويطبع الجرائد عبر تبرعات ذلك المظلوم.

كاتب كردي سوري مقيم في برلين

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...