الرئيسية / صفحات الرأي / كيف نستفيد من توثيق الثورات العربية؟

كيف نستفيد من توثيق الثورات العربية؟


روجر أوين *

يبدو من الطبيعي أن يرغب البشر في تسجيل انطباعاتهم عن أحداث تاريخية عظيمة كالثورات. وهناك طبعاً أرشيف هائل لردود الفعل الشعبية على اضطرابات باريس خلال عام 1789، حيث لم تكتفِ الحشود بأداء دور مهم في إطاحة النظام القديم، بل أحدثت ضجة كبيرة في التعبير عن مظهرها كقوة ثورية نافذة في شوارع المدينة العاصمة وساحاتها.

ونحن نعرف الكثير أيضاً عن الأغاني والشعارات الصادرة في تلك الأيام، تماماً كما نعرف بأمر الصور التي صدرت في سانت بطرسبرغ في عام 1917، أو خلال سلسلة الأحداث الثورية الطويلة التي بدأت في المكسيك في الوقت ذاته تقريباً.

ولكن ما السبيل لجمع مختلف مظاهر اللحظات الثورية التي اندلعت في العالم العربي في تونس والقاهرة في كانون الثاني (يناير) 2011؟ إنها مهمة تحاول مشاريع كثيرة في الشرق الأوسط وخارجه إنجازها، على غرار المشروع الذي تديره اللجنة المصرية لتوثيق ثورة 25 يناير، والذي يعنى عموماً بدولة واحدة حصرياً، أو أيضاً كأرشيف «جداليّا» Jadalliya الصادر عن جامعة جورج ميسن في الولايات المتحدة بالتعاون مع العالم العربي.

ويبدو أن المهمة تقوم على جمع أكبر قدر من طرق التعبير الشديدة التنوع والقادمة من مصادر رسمية وتحريرية وشعبية، قبل تنظيمها وتحويلها إلى بيانات رقمية، لتصبح متوافرة بسهولة لأكبر عدد ممكن من الناس.

ويبدو الأمر مبادرة قيّمة، تخوّل مؤرخي المستقبل استكشاف مسار العملية الثورية، وتقييم الطابع الشعبي والإجابة عن أسئلة مهمة عن الشرارة التي أشعلت الثورة، ودور العنف الحكومي في التسبب بانتشارها وتفاقمها، فضلاً عن الطريقة التي تمكنت من خلالها أحداث دولة عربية معينة من الانتشار بهذه السرعة إلى دول أخرى. ويمكنها أن تشكّل أيضاً أساساً دائماً لأي عدد من ورش العمل أو مدوّنات البحث المهمة.

إلا أن إنشاء هذا النوع من التوثيق يعتبر أصعب مما يبدو عليه، لدى إلقاء نظرة أولى على الأمور، وذلك من الجانب التنظيمي وما يتصل بالاستعمال الممكن للبيانات على حد سواء. وتكمن إحدى الصعوبات في المال، إذ إنه من المعروف أن هذا النوع من جمع البيانات ينطلق نتيجة مبادرة يُقدِم عليها منظّم متحمّس، أو مجموعة من المنظمين، بمساعدة فريق عمل متحمس بالطريقة ذاتها، إنّما يقوم عادة على متطوّعين لا يتلقّون أي أجر.

وهناك مشكلة أخرى تتصل بنطاق العمل. فهل أن العمل على جمع «كل شيء» يعني فعلاً كل شيء؟ وأين ينبغي التوقف في العالم، وخصوصاً العالم العربي، حيث تكون الأمور كلها مترابطة في شكل وثيق بالأمور الأخرى؟

وكذلك، كيف يمكن إعطاء الأحداث حقّها في أرجاء العالم العربي، حيث تواجه بعض الأنظمة يقظة شعوبها بواسطة السلاح، أو في أمكنة أخرى، مثل عُمان التي غالباً ما يتم غض النظر عنها، وسط سعيها، مع بعض النجاح، لإيجاد طريقة لنزع سلاح الانتقادات من دون التخلي عن النفوذ الفعلي للحكم؟

ويتمحور سؤال ثالث حول الامتداد الزمني للعملية الثورية بحد ذاتها. وفي مصر وتونس، قد يُعتبَر إجراء انتخابات حرة ووضع دستور جديد دليلاً على بداية نظام سياسي جديد يلي الثورة. إلا أن الأحداث ستبقى تهز كيان دول أخرى، كسورية والجزائر على سبيل المثال، لسنوات عدة من دون شك.

وهنا أيضاً تكمن مسألة حفظ التوازن بين الأدلة التي تم الحصول عليها في شأن الأحداث الثورية، وتلك المتصلة بممارسات النظام الجمهوري السابق وفساده ووحشيته وقيادته بلاده وكأنه نظام ملكي.

وأخيراً، كيف يبقى الاهتمام مستمراً بجمع البيانات مع مرور الوقت؟ فالتاريخ يمضي قدماً، في حين أن البيانات التي يتم جمعها عن أحداث كانت يوماً مفعمة بالحياة تفقد معناها مع الوقت. ولعل هذا ما آلت إليه الأمور في مصر، حيث تؤكد أصوات نافذة كصوت محمد حسنين هيكل أن الفاعلين الجدد على الساحة يجب أن يعملوا الآن على تخطي اهتمامهم بمعاقبة نظام سيء، وأن يسعوا الى بناء نظام اقتصادي وسياسي جديد، على أن يتركوا مسألة محاكمة نظام مبارك للسياسيين الذين سيتم انتخابهم.

وهناك أخيراً مسألة الاستخدام المستقبلي لمواد الأرشيف هذه. والواضح أنها توفر مادة أكاديمية مهمة، ما دام الأمر متصلاً بالتعليم والأبحاث في المستقبل. ولكن كيف يمكنها أن توفر المعلومات بأفضل طريقة ممكنة للفكر والذاكرة الجماعية لدى الشعوب العربية المعنية بالموضوع؟

وماذا سيحصل في حال طُلِب توفير أدلة في المحاكمات المستقبلية المتصلة بجرائم حروب وانتهاكات لحقوق الإنسان؟ أم أنه ينبغي على الأشخاص في المؤسسة العسكرية أن يدربوا مجنديهم على حفظ الأمن وعلى إيجاد طرق لتجنب الرقابة الخارجية؟

إن البيانات الخام جيدة. إلا أن قسماً كبيراً منها قد يصبح جامداً إذا لم يخضع للإدارة الدقيقة، مع العلم أن قسماً آخر منها قد يصبح خطيراً، في حال تم استعماله قضائياً أو عسكرياً، أو ببساطة لأغراض مستوحاة من السياسة.

* كاتب بريطاني – جامعة هارفارد

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

78 − = 74

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...