الرئيسية / صفحات سورية / كيف يكره إنسان شعبه؟

كيف يكره إنسان شعبه؟

 


نارت اسماعيل

أثناء إحدى رحلاتنا أنا وزوجتي إلى منطقة مشتى الحلو وأثناء إجازة صيفية قديمة العهد، استأجرنا شقة صغيرة مفروشة هناك، في إحدى الأمسيات خرجنا نبحث عن دكان لنشتري بعض الخبز للعشاء، وجدنا دكانآ وسألنا البائعة عن الخبز فاعتذرت وقالت أنه لم يعد عندها خبز، لاحظت ضيقنا فأشارت إلينا أن ننتظر ثم خرجت من الدكان وطلبت من ابنتها التي كانت تقف في الشرفة فوق الدكان أن تحضر ربطة خبز من البيت، أخذت الخبز ولما رأتني البائعة أخرج حقيبتي لأعطيها الثمن امتقع وجهها وقالت بلهجة فيها شيء من الغضب والعتاب: ألم تر أنني أعطيتك الخبز من بيتي وليس من الدكان؟ موعيب؟ روح يا ابني الله معك

ذهبنا أنا وزوجتي ونحن نحاول بتلعثم واضح الاعتذارعن سوء تصرفنا.

في مناسبة أخرى وفي قرية الكفرون، كنا نهيم أنا وزوجتي وولدانا الصغيران بسيارتنا في الطرق الجبلية وبين المزارع فاشتد بنا العطش، رأيت بيتآ وإمرأة وأولادها جالسين في شرفة أمام البيت، أوقفت السيارة وذهبت أسألهم بعض الماء، هرعت الصبية وأحضرت إبريقآ من الماء البارد وكؤوسآ، وهرع شاب وأحضر بعض الكراسي لنجلس عليها، ثم أحضروا الشاي وبعدها المتّة ثم بعض الفواكه الطازجة من حقلهم، لن أنسى كم استمتعنا بالأحاديث التي تبادلناها معهم وتلك الطيبة والكرم الذي قابلونا به.

في مدينة النبك، قرعت باب أحد البيوت، فتح رجل الباب وقبل أن أفتح فمي قال : تفضل، قلت له: شكرآ، هل تعرف أين يقع بيت أبو غازي؟ رد: نعم، تفضل، قلت له: شكرآ ولكني مستعجل وأرجو أن تدلني على بيتهم، قال: على عيني ولكن لماذا لا تتفضل إلى البيت أولآ ثم أدلك على بيتهم؟ اعتذرت بلطف منه فخرج ودلني على بيت أبي غازي.

عائلة أبو غازي عائلة مسلمة، في رمضان لا يبدؤون إفطارهم حتى يأتي جارهم الأعزب المسيحي أبو عبدو ويشاركهم إفطارهم، وكانوا دائمآ يمازحونه: شو أبو عبدو؟ صايم اليوم؟ فيرد ضاحكآ: الحمد لله.

نعود إلى الجبال الساحلية، كنت وزوجتي نهيم في منطقة دريكيش فوجدت نبتة الزعتر البرّي، شكّكت زوجتي كعادتها بحقيقة وأهمية اكتشافي فقلت لها حسنآ لنسأل هذه الفلاحة القادمة وكانت هناك إمرأة قادمة باتجاهنا تركب حمارآ، استوقفتها وسألتها عن النبتة، نزلت عن الحمار وقالت: هذا يسمونه زعتر برّي، وصارت تشرح لنا عن خصائصه واستعمالاته والحّت علينا أن نذهب إلى بيتها لتناول الشاي وقالت إنه قريب، اعتذرنا بلطف وتركناها تكمل طريقها.

في فصل الربيع وبعد أن تملأ الخراف بطونها من كلأ الأرض، يمتلئ ضرعها بالحليب وتصنع النساء في حوران الجبن البلدي الرائع بنكهة أرض حوران المميزة. كنا في طريق عودتنا من الجولان إلى دمشق فمررنا على قرية تابعة لحوران لنشتري بعض الجبن، استقبلتنا الفلاحة الحورانية في بيتها بوجهها البشوش، سارع أولادها لإحضار بعض الأشياء الخشبية لنجلس عليها ريثما تحضر السيدة طلبنا، كنا نحاول إطالة زمن بقائنا عندهم بأسئلة عن الموسم والجبن والأحوال، فهي لم تكن صفقة بيع وشراء، بل كانت رحلة ممتعة إلى عالم آخر، عالم من أناس بسطاء مبتسمين، ألوان أخرى ووجوه أخرى تجدها هنا، غير تلك التي تجدها في المدينة المزدحمة المغبرّة. عندما سألتها عن ثمن الجبنة، شعرنا بترددها وحرجها لكونها تأخذ ثمنآ لجبن تبيعه في بيتها مع أنها تبذل جهودآ جبارة كل يوم لتحلب الغنم وتجمع الحليب وتحضّر الجبن، ولكنها طيبة وبساطة أهل الريف.

عندما كنت شابآ صغيرآ، سافر والدي وطالت مدة غيابه أكثر من المعتاد ونفذ المال في بيتنا، اتصلنا بوالدي فطلب مني أن أذهب لشريكه وأقترض منه بعض المال إلى حين عودته. ذهبت إلى الرجل وكان رجلآ متدينآ له لحية صغيرة بيضاء، لم يدعني الرجل أكمل حديثي حتى أخرج من جيبه رزمة كبيرة من المال وأعطاني الجزء الأكبر من الرزمة وبدون أن يعدّ المبلغ، حاولت أن أعدّ المبلغ أمامه حتى يعرف كم أعطاني ولكنه منعني وشدّ على يدي بقوة قائلآ: إذهب يا ولدي، الله معك وإذا احتجتم أي شيء فأنا مثل والدكم.

أثناء إحدى المظاهرات الأخيرة في سوريا، أصيب شاب مسيحي إصابة بالغة، أحاط به بعض الشباب لمساعدته، اعتقدوا أنه سوف يموت لا محالة فقال له أحدهم: شهّد بالله يا أخي، شهّد بالله. فرد الشاب بصوت ضعيف: أنا مسيحي، انقض عليه أحدهم يعانقه ونادى على زملائه: يا شباب، هذا بطل من إخواننا المسيحيين، فصاروا يقولون له: بارك الله فيك يا أخي، بارك الله فيك.

 

من يكره هذا الشعب الطيب إلا لئيم متعجرف؟

كيف يدّعي كاتب أنه يحمل رسالة تنويرية وهو لا يتوقف عن وصف هذا الشعب بأنه مجموعة من المرضى النفسيين المنكوبين بعقولهم؟

ألا يحتاج مثل هذا الكاتب إلى إعادة تأهيل نفسي؟

كيف يكره إنسان شعبه ويحتقره إلى هذا الحد؟ أنا أفهم أن يكره أحدهم حاكمآ أو أي إنسان فاسد، ولكن لا أفهم كيف يكره هذا الإنسان شعبه كله؟

هل تصدقون أن من يكره شعبه يمكن أن يكون صاحب مشروع تنويري حقيقي؟

أنا لا أصدق إلا أن يكون صاحب تجارة تدرّ عليه الأرباح، ولكنها للأسف تجارة بلا ضمير، تجارة فاسدة مثل فساد الحكّام.

هذا هو شعبنا، بحلوه، بمرّه، سينهض يومآ ما ويتطور وسنساعده وننصحه ولكن لن نسمح لأي أحد بعد اليوم، حاكمآ كان، أم كاتبآ متسولآ على أعتاب الأبواب الخلفية أن يهين هذا الشعب الطيب.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

4 + 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...