الرئيسية / صفحات الثقافة / كيف ينعكس الربيع العربي في القصيدة وهل يمكن لها أن تستقبل الجثث والفظائع

كيف ينعكس الربيع العربي في القصيدة وهل يمكن لها أن تستقبل الجثث والفظائع


الشعر ليس ابن الواقع إنه وهم ثمين ورغم ذلك قد لا نجد الكلمة أو أنها لا تكفي

اسكندر حبش

لا بدّ «للربيع العربي» الذي تعرفه العديد من العواصم اليوم، أن يطرح الكثير من الأسئلة، لكن بعيدا عن الحيّز السياسي، هو سؤال أيضا لا بدّ أن يطرح جملة من التفاصيل حول كيفية استقبال الأدب لما نعرفه اليوم من أحداث سياسية واجتماعية.

لم يتوقف الأدب يوما عن طرح عن هذه الأسئلة، فنحن نعرف أن العديد من الأعمال الخالدة، كانت على ارتباط بتاريخ ما، أقصد أن الكثير من الأعمال عالجت لحظات تاريخية، لتصبح فيما بعد هي المرجع الأفضل لقراءة أحداث زمنها، بديلا من كتب التاريخ. أمثلة قليلة على ذلك: لو أحببنا أن نقرأ عن الحروب النابوليونية في فرنسا، فمن دون شك، ستكون رواية «الحرب والسلم» لتولستوي أفضل وسيلة للدخول إلى أعماقها. وإذا أردنا أن نقرأ مثلا انزياحات الثورة البلشفية بكل ما تحمله من انكسارات أحلام، ستبرز لنا روايات من مثل «الدكتور زيفاغو» لباسترناك و«يوم في حياة إيفان دونيسوفيتش» لسولجنتسين. وغيرها بالطبع، إذ منذ تاريخ الأدب كان هذا المفهوم حاضرا، وإلا كيف نقرأ الإلياذة والاوديسيه إن لم تكن الحروب الاغريقية واليونانية حاضرة في جزء منها. ألم تحضر أيضا حروب سيف الدولة في بعض قصائد المتنبي، على سبيل المثال لا الحصر؟

من هنا، كان هذا السؤال، في استطلاع طرحناه على الشعراء العرب، ممن عرفت وتعرف بلدانهم حاليا، هذه الثورات والانتفاضات. سؤال هو: «شهدت الأحداث الأخيرة، في عدد من العواصم العربية، العديد من الفظائع والعنف والقسوة والجرائم، هل يمكن للشعر أن يستقبل ذلك في نصه»؟ فكانت إجابات لكل من قاسم حداد (البحرين) وعاشور الطويبي (ليبيا) وجولان حاجي (سوريا) وجمال جبران (اليمن) وسلوى بن رحومة (تونس).

قاسم حداد: تحرير الشعر

الشعر في النص، وفي المطلق هو إشارات من مصادر والى مطارح مختلفة ونقيضة، ليس من المتوقع أن يستجيب الشعر آلياً (على طريقة: وسرعان ما..) وقبل ذلك وبعده فان الشعر ضد هذه (الفظائع والعنف والقسوة والجرائم) من أية جهة كانت، فهي ليست وسبيل للحياة، حتى لو كان الله ذريعة لهذا العنف.

ثم أن الشعر سيحتاج لوقت النبيذ كاملاً لكي يرى ما يريد.

فالشعر يتأمل، يسبر، ينتخب، وغالبا ما يكون حالماً. الشعر ليس ابن الواقع، أنه نقيضه والشك فيه. انه ليس صوت لغيره، انه صوتٌ على سواه.

والذي ينتظر من الشعر أن (يعكس) – العنف والقسوة والجرائم والفظاعات – بنفس طبيعة هذه الظواهر الفجة، عليه أن يصرف النظر ويبحث عن هذا في مكان آخر.

الأحداث الأخيرة خصوصاً ستحتاج لبعض الوقت لكي تصير متاحة للعمل، إنها مجرد مواد خام معظمها فاسدة المشروع، خطابها أكثر ضجيجاً وأقل وضوحاً من أحلامها.

علينا أن نحرر الشعر عندما يتعلق الأمر بالخطاب. الشعر تصنعه شجاعة الواحد في وحدته، وتعطبه حماسة الجموع وهي تنخرط في العنف والقسوة، فيما هي ضحية لها.

الشعر يستقبل الحياة برمتها في نصه، لكن بشرطه هو. فابتسار النص قتل صريح، انه عنف أيضاً. أتمنى أن لا يصبح الشعر ضحية إضافية.

عاشور الطويبي: على الشعر أن يصمت

في رقصة المولوية يكون الراقص حين يبدأ في الدوران حول محور هو عموده الفقري والذي ينتهي بقمة رأسه واعيا في البداية، ثم يميل بإحدى يديه، رافعا الأخري إلى أعلى، بحيث كلما ازدادت الدوائر وسرعتها ازداد ارتفاع اليد إلى أعلى وأعلى وأعلى إلى أن يغيب الراقص في الحركة ويدخل سكون اللحظة السرمدية ويرى ما لا نرى.

عندما انتفض الشعب الليبي على طاغية باب العزيزية وكانت الدماء تسيل غزيرة في البيضاء والمرج وبنغازي ثم في طرابلس، توقف الزمن بالنسبة إلي. لم يعد هناك سوى ليل طويل وعباءة مشبعة بدم. غير أن أملا بفجر ضاحك وضاح كان ينتظر خلف تلال الجثث ونعيق الغربان بين البريقة وراس لانوف. لم استطع كتابة شيء. حاولت أحسست بخيانة الضحايا والأوفياء.

من كان يكتب القصيدة الكبرى هو من استشهد، من ادخل السجن وعذب، من خرج عاري الصدر وهو يعرف أنه قد لا يرجع إلى بيته. لذا واحتراما لهؤلاء كان على الشعر أن يصمت.كان على الشعر أن يكون عاليا بعلو الحدث، صادقا بصدق الحدث، كبيرا بكبر الحدث. هذا لا يتأتى في انفعالات اللحظات ويوميات الحدث.عليه أن يأخذ وقته ما شاء له، لينضج و يصفى.

ما علاقة هذا برقصة المولوية؟

حين تصفى روح الراقص بغياب الداخل والخارج، الأنا والهو، البعيد والقريب:

يميل برأسه قليلا، يغمض عينيه ويدخل قصيدته الجميلة.

وهذا ما يحدث الآن في الثورات العربية الكبرى.

طوبى لك أيها الوطن.

جولان حاجي: بطش الأنظمة

لم تعرف السلطات العربية اتجاهاً غير العنف، وتفنّنت عدالاتها في توزيعه وتكريسه، إنه قذارة تجربة لا مفر من خوضها وتأملها، وإن نجونا فلن تنجو ذاكرتنا. استحضر العنف قلقاً كبيراً تحول بالتدريج إلى ريبة، ثم تعهدت الأنظمة بتربية هذه الريبة وترويجها، هي وتوأمها الكراهية. وظللنا متأهبين لحروب لم تقع. لم نصادف قط مناخاً طبيعياً.

بطشت الأنظمة باللغة، أداة الشاعر الوحيدة أمام الزمن، أساءت إلى هذا الكائن الحي إساءتها إلى عشاقه، جمّدته وشوّهته وأماتته، ثم رفعت الجثمان عالياً ودعت إلى تقديسه وحراسته.

قبل الفظائع الكبرى التي لم تتوقف منذ شهور، كان هناك عنف عادي، وإبادة روحية وعقلية ممنهجة مسخت الفرد إلى شيء يخاف كل شيء . العنف البطيء المستمر منذ نصف قرن كان فعلَ ترويض يومياً، مرئياً ومسموعاً وكامل الأدوات، إذ هناك ربٌّ تذعن له أينما ذهبت، فقد تهددك أغنية أو رنة هاتف نقال أو قبعة، وقد تخشى نجوم البطولة التي تزين قطعة قماش لماعة ومقدسة اسمها العلم الوطني. ثمة عنف في البطالة التي سُميت انتظار العمل، وكذلك الرشوة ببداهة تسديدها المحيّرة. ثمة عنف في اهتراء المدارس والجامعات التي «تسنمها» أكفاء حزبيون، لا علميون، وجعلوها مداجن لتفريخ موظفي المستقبل. وعنف هو تصدير اللاجئين، أجانب أكراداً ومواطنين محتقرين هنا ومحتقرين هناك، من مطاعم دمشق القديمة إلى مطاعم برلين.

يردنا العنف العاري إلى أجسادنا ويضع الحياة إلى جوار الموت، إنه يدفع بالواقع إلى الرعب الأقصى حيث تولد بسالة الخائفين فتذهلهم قبل أن تذهل الجميع.

ومن يعايش حتفه ويحتكّ باحتمالاته يومياً يحتاط لئلا تقلبه الوحوش إلى وحش يتمثّلها في الهذيان وشهوة الدم. واجب شاق حقاً (تبقى خشيتنا على من نحبّ هي الزنزانة الأفظع). كثيرون تلمّسوا تفاحة آدم حين سمعوا باقتلاع الحناجر، فكل جريمة هي تهديد شخصي موجَّه إلى الجميع.

سيولد الشعر من الخوف والرجاء الجديدين، ولعله مخرج تتسلل عبره الحياة الحائرة والمهانة، وإن كان وهماً لا أكثر، وهماً ثميناً.

جمال جبران: الكلمة الصعبة

عند الفاجعة تتجمد الدمعة في العين،فكيف بالكلمة! تتعطل لغة الدموع كما الكلام وأكتفي بالوقوف صامتا.

لا شيء يوازي لون الدم عندما يُسفك في ساحات الحرية والتغيير.لاشيء يوازي لون الدم عندما يُسفك في أي مكان. الدم أداة تعطيل للكلمة.

أتذكر جيداً (من قال أني نسيت!)، عندما قام قناصة تابعين لنظام الرئيس علي عبد الله صالح يرتدون الزي المدني في يوم الجمعة 18 آذار (مارس) الفائت بقتل 53 شابا من طلاّب الحرية ب 53 رصاصة،لم تخطئ رصاصة واحدة هدفها،جميع القناصة أصابوا أهدافهم بدقة متناهية،لم تذهب رصاصة واحدة طائشة في الهواء وبعيدا عن هدفها،في الرأس وفي الصدر وفي الرقبة… وفي القلب تماما.

ماتفعله الكلمة هنا!

لا نحتاج وقتها سوى شاحنة محملة بالنسيان كي تمر علينا وتفعل واجبها.

عندما انتهى أولئك القناصة من عملهم وصلت أنا إلى الساحة وكانت رائحة الدم ما تزال طازجة.وقفتُ أمام بركة دماء حقيقية، قمت بتوثيقها بكاميرتي ولم أستطع كتابة كلمة واحدة.حتى اليوم ما زلت عاجزا عن كتابة تلك الكلمة الواحدة.

أكتفي بكتابة تقارير إخبارية وأشياء تقول بالحدث اليومي الدائر في الساحات اليمنية.أتنقل من مدينة إلى أخرى وأشاهد الشباب وهم يخترعون بطولتهم، سيجد هؤلاء الكثير من الحكايات كي يقصونها لإبنائهم عندما يكبرون، هذا إذا سمح لهم السفاح أن يكبروا.

ما يزال عجزي مستمرا وما تزال الكلمة الشاعرة عصية عن الإقلاع من داخلي.

وددت لو أُصاب، ولو حتى بخدش صغير على جبهتي أو حتى بجرح غير مرئي في فخذي،كما يحدث لأي عابر في طريق الثورة.كأي عابر لاشأن له بما يجري وكل شأنه بالدنيا تدبير حاجيات صغاره المقيمين في البيت ويرغبون سدّ جوعهم. يالحظي التعس؛ أن يأتي القناصة وأنا في النوم!

يذهب الشهداء إلى مصيرهم في حين أعود أنا إلى البيت سالماً من غير أذى. من أين أخترع الكلمة هنا!

سلوى بن رحومة: القصيدة لا تكفي

أجدني أحتاج لأكثر من ذاكرة تعيد إلي لحظة الألم مع كل جرح في لحظة تلظينا به لأول وهلة.. احتاج لأكثر من قلم وقرطاس احتاج إلى تعويذة شعرية ربما ا والى فرشات وألوان تعيد إلي بياض الروح بعد احتقان لون الدماء بمخيلتي.. أو احتاج إلى ترنيمة عود مرسال وهو يجهش مناداة على خبز أمي مرة وعلى علي .. مرة أخرى حتى تقارب أوتاره تهرب من العود خوفا من الاحتراق والتبخر مع دموع أحزانه والنداءات المتتالية لآماله التي تضيع أو تشتبه أن تضيع.. أجدني أمام سؤالك احتاج إلى أكثر من سطر.. يعبر عن جروحنا.. ربما احتاج إلى سكين أفتح بها كل جروحي من جديد لاحس بما يعانيه الآخرون ولأعرف حقا طعم الألم.. نعم فأحيانا نحتاج أن نكون وسط زحام مظاهرة ما.. وأحيانا نريد أن نكون القتيل.. وأحيانا نريد أن نكون العلم على أعالي الجبل وأحيانا زغرودة من فم أم الشهيد .. صديقي العزيز هذه المآسي التي نقاسيها الآن على حدتها وعذاباتها وراءها فجر سوف يأتي وراءها حق لن يضيع وراءها وعي وراءها صحوة وراءها ما يستحق أن نغسل الأرض ولو بالدماء ليتطهر من عليها ويحسن الصلاة.. طبعا لا تكفي قصيدة ولا يكفي كتاب نثري ولا يشفي الغليل خبر بمكبر صوت ولا صورة كاريكاتورية على جدار مهدد بالسقوط ولا صورة فوتوغرافية مسروقة من دولاب خفايا سارقينا ولا يد تقطع بالمقصلة أمام الجميع… شفت الغليل في يوم ما كلمة واحدة تلذذها الشعب التونسي ومن بعده كل الشعوب في العالم وصارت مفتاح النجاة والحرية .. الكلمة السحر «dégage» .. صديقي كل اللغات واحدة ما دامت تعبر عن جزء من هذا الوجع وعن فرحة منتظرة والقصيدة من هذا الجزء كل لا نستغني عنها لأننا بإحساسنا العربي في أفراحنا وأحزاننا يروق لنا أن ننشد شعرا حتى تخرج الآهة ملء الصدور.

تحقيق: إسكندر حبش

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...