الرئيسية / صفحات سورية / كي نعرف كي لا ننسى: حدث في برزة البلد

كي نعرف كي لا ننسى: حدث في برزة البلد

 


من نساء سوريات لدعم الانتفاضة السورية ‏

-1-

أوصانا أصدقاؤنا لدى دخولنا حيّ برزة البلد لتعزية أهالي الشهداء وللوقوف على وضع أهالي المعتقلين بألا نبقى في أي مجلس عزاء لأكثر من خمس دقائق لأن رجال الأمن قد يصلهم الخبر بوجودنا فيداهموا المنزل، لكن نساء الحي المجتمعات حول أمهات الشهداء لم ينتظرن أسئلتنا، بل بادرن مباشرة بقص الحكايات علينا. لعلهن أدركن اللعبة جيدًا وعرفن قيمة الوقت جيداً في هذه الانتفاضة ودور كل منهن على جبهة الإعلام. كل واحدة منهن أخذت على عاتقها نقل ما رأت أو سمعت مقابل ما ترويه القنوات الرسمية عن حكاية أخرى لا تشبه حكايتها، اللهم سوى في لون هذا الدم وحقيقة هذا الموت. شهرزادات كنّ، لكن قصصهن هذه المرة لم تكن حكايات خيالية، بل حكايات حقيقية حدثت في سوريا هناك، في برزة البلد.  قصص عن الخوف والقتل والاعتقال والإرهاب، عن رجال الأمن الذين اقتحموا بيوتهن وسرقوا منهن أبنائهن وأزواجهن بتهمة الإرهاب. عقدت دموعهن ألسنتنا.. تحدثت الجارات والأخوات أما الأمهات فوحدهن بقين صامتات يبكين بحرقة.. صمتهن القاتل كان إدانة جديدة للنظام ولكل الصامتين والواقفين على الحياد.

-2-

الشهيد أحمد بوبس، 21 سنة، استشهد إثر إصابته بطلقات نارية في (جمعة إسقاط الشرعية).

دخلوا البيوت وقتلوا الأبناء واعتقلوهم.  يوجد حتى الآن 420 شاب معتقل في برزة البلد وحدها معظمهم لم يعرف شيئا عنهم، حتى اليوم.. كسروا الأبواب خربوا المئونة.. خلطوا السكر بالملح، الزيت بالمربيات.. كسروا النوافذ والأبواب.. ويقولون عنهم إرهابيين وعصابات مسلحة.. من هو الإرهابي ؟؟”   امرأة أخرى قالت:”حفروا القبور ووضعوا فيها الأسلحة ليثبتوا تهمة الإرهاب على أبناءنا.. وأخرى هتفت: “سلميين.. بعون الله رح نظل سلميين.. لسنا بحاجة للسلاح لأنه الله معنا.. وما عاد خايفين”…. “أخي استشهد يوم الجمعة العظيمة” ..”زوجي أعتقل منذ ثلاثة أسابيع” ..”زوجي أعتقل ثم أطلق سراحه ثم منذ أسبوعين اقتحموا البيت لاعتقاله ولكنه هرب… أخذت أولادي الأربعة الصغار وهربت من البيت ..هم الآن يستبيحون بيتي “. في برزة البلد هناك معتقلون يعيلون أسراً تركوها وراءهم.. يتعاون أهل الحي من أجل دعم تلك الأسر بمبالغ رمزية تكاد لا تكفي، لكنهم في مصيبتهم متآخون متعاونون.

-3-

الشهيد خلدون حبيشة، 50 سنة ابنته، 15 سنة، فقدت والدها قبل يومين من نهاية امتحانها للشهادة الإعدادية.  عند الساعة الرابعة من ظهيرة يوم “جمعة سقوط الشرعية” صعد الأخوة الأربعة وأبنائهم من آل حبيشه إلى سطح منزلهم الطابقي بعد هربهم من رصاصات الجنود، فحاصر رجال الأمن المنزل، وما أن أطل خلدون برأسه حتى أصيب بطلق ناري في من بندقية احد العناصر. قال أخوته أنهم لم يسمعوا صوت  الرصاصة ولكنهم صعقوا برؤيتهم لدماغة وقد تشظى أمام أعينهم، وقبل أن يستفيقوا من صدمتهم كان رجال الأمن قد اقتحموا البناء وكسروا في طريقهم الأبواب والنوافذ الزجاجية بأعقاب البنادق وصعدوا إلى السطح فاعتقلوا الإخوة.  أصيب الأخ الأكبر بجروح شديدة بعد أن أوسعوه ضربا لأنه قال لهم انه يريد إسعاف أخيه فأدخلوه مؤخرة السيارة أمام أعين الكاميرا المخفية في إحدى نوافذ الحي والأخ الثاني كسرت ذراعه وهم يحاولون حشره في السيارة مع أخيه فهُرِست يده وهم يحاولوا إغلاق (طبون) السيارة عليهما  فتركوه ثم أخذوا الاخ الأخر ولم يطلقوا سراحه إلا في اليوم التالي . كتب الطبيب على شهادة الوفاة أن “سبب الوفاة كان من ضربة ساطور”!

في إحدى غرف البيت كانت هناك طفلة رضيعة عمرها ثلاثة أشهر مسكها احد العناصر وهدد بفسخها أمام الجميع وهو يقول: “هذه  البنت تستحق الذبح، كلكم خونة وتستحقون الذبح”.. كان هناك طفل في الصف التاسع لحق به رجال الأمن بعد مظاهرة “جمعة إسقاط الشرعية”، وما أن ألقوا القبض حتى انهالوا عليه بالضرب بالعصي فكسروا يديه الاثنتين ولم يقفوا عند هذا الحد بل أنهم جروه على الزجاج المكسور بعد أن أغمي عليه من شدة الألم وتركوه مرميا على الطريق ثم سارع الناس لإسعافه لكن الولد بالتأكيد لم يتقدم لامتحانه الأخير.

-4-

الشهيد: رياض صالح الشايب،  27 سنة.  تقول الحكاية أنهم طوقوا المنزل الفقير فجر السبت الماضي، فهرب الإخوة الأربعة عبر سطوح المنازل القديمة، لكن صغيرهم رياض عاد أدراجه حينما سمع صوت أخواته يصرخن لدى دخول رجال الأمن المنزل. عند عودته أصيب بطلق ناري في رأسه. دخلوا الحارة، كانوا حوالي مائتي رجل. كسروا الأبواب. روعوا النساء والأطفال. لم تسلم منهم (مونة) البيت ولا جدرانه ولا الستائر على النوافذ..  قال أحدهم: “طيب نحن إرهابيين وسلفيين وعصابات، ولكن هل الطائرين الكريمين في القفص أيضا إرهابيين؟؟”. أقسم لنا أن أحد رجال الأمن أخرجهما من القفص وفتل بلا رحمة عنقيهما وهو يقول: وكمان انتو بدكن حرية؟”.. الوالد العجوز الذي قيل أنهم لم يخرجوا من البيت قبل أن يوسعوه ضربا.. كان رجلا مريضا، بالكاد يقف على قدميه. قال: “أولادي الأربعة أخذوهم وقتلوا الغالي.. قتلوا حبيبي.. يا ويلهم من الله.. شو عمللهم حبيبي؟؟ لم يكمل الرجل كلماته حتى زغردت نساء وبكت نساء أخريات بصوت عال.

-5-

أخر القصص التي سمعناها كانت عن امرأة فتحت نافذتها وصرخت برجال الأمن الذين احتلوا خيمة بياع البطيخ ولم يتركوا بطيخة لم يكسروها قائلة : “لك والله عيب ..عيب” ولم تكمل كلماتها حتى انزل أحدهم سرواله مشيرا لها ببذاءة على مرأى ومسمع الناس جميعا ووسط ضحكات رفاقه الرقيعة!

يحدث في سوريا في حي من أحياء دمشق أن يقتل الأبناء أمام أعين الأمهات والبنات والزوجات. ويحدث أيضا أن نكتشف كم أننا كنا لا نعرف بعضنا بعضا وأننا لم نكن قريبين كسوريات وسوريين من بعضنا يوما مثلما نحن اليوم.

 

تعليق واحد

  1. P A Y D A Y
    P A Y D A Y
    P A Y D A Y

    سمّوها حقداً إن شِئتم..
    أو كُرهاً، أو ضِعْفَ نُفوس…
    سمّوها ثأراً أو غدراً..
    أو ناراً للحيّ القدّوس…
    لن أنسى..
    لن أنسَ و بي عرقٌ ينبضْ…
    أوْ قدمٌ على الأرض يدوسْ….
    لن يُفلتَ أبناء القحبة…
    لن يُفلتَ أبناء الديّوث…..
    ـــــــــــــــــــــــــــ
    كلما قرأت ماتفعله الوحوش الآدمية بالناس العزل تموت قطعة حبٍ في قلبي لتفسح مكاناً لألمٍ أسْودٍَ يُرعبني ويوقظ في أعماقي غولاً بشعاً يتعطش لرد الكيلَ كيلين والصاع أربعة.. الصفح عند المقدرة حكمة لا أريد أن أسمعها بعد اليوم…..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

42 + = 46

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...