الرئيسية / صفحات سورية / لاءات المعارضة السورية

لاءات المعارضة السورية


ناديه عيلبوني

 لاءات كثيرة تلك التي وضعتها المعارضة السورية في وجه مسار الثورة في بلدها. لاءات صعبة، وهي تبدو عصية على الإدراك تماما، كما هي عصية على الإمساك بها جميعا ، دون ملاحظة أن تلك المعارضة تقوم  بإضاعة الفرص السياسية الممكنة التي يمكنها أن تقود الشعب السوري إلى بر الأمان. وربما تكون عواقب تلك اللاءات كارثية على المجتمع السوري المهدد الآن وأكثر من أي وقت مضى بالانفلات من حالة حراكه السلمي باتجاه الرد العنيف على عنف السلطة المنفلت من عقاله، ليدخل في نفق الحرب الأهلية المظلم وأتونها المدمر.

لا يمكننا القول أمام حزمة تلك اللاءات المتزايدة، التي تعبر عن واقع حال  الشلل السياسي، والخوف، والتردد للمعارضة، والذي لا يتناسب على الإطلاق مع حجم الشجاعة، والتحدي ،والبطولة الملحمية التي يبديها الشعب السوري في مواجهة هذا المستوى غير المسبوق من البطش. وكأن هذه المعارضة قد استأنست لماضيها السلحفاتي ،أوهي شاخت إلى الحد الذي لم تعد قادرة على اللحاق بالقطار الذي انطلق في كل المدن والبلدات السورية باتجاه مستقبل حر وكريم لسوريا،فهي لم تدرك حتى هذه اللحظة أهمية الوقت ومعناه في الحراك السياسي.و لم تستوعب بعد حجم المطلوب منها من مهمات كي تكون بمستوى هذا الحراك المتقدم عليها آلاف الأميال، بحيث يصير استشراف المستقبل والحال هذه متعذرا ويكتنفه الكثير من الغموض المنذر بأوخم العواقب. ودعنا نقول أننا لا نرى حتى هذه اللحظة ، ما يطمئن إلى  أن المعارضة  قادرة فعلا، على نقل الثورة إلى الحيز الذي يمكّنها من تحقيق الهدف الذي انطلقت من أجله: إسقاط النظام ، وبناء الدولة الديمقراطية.

لا للحوار مع النظام..!!

لا لتسليح الانتفاضة..!!

لا للحماية الدولية على الطريقة الليبية، ولا أية طريقة أخرى..!!

لا للتدخل العربي لأنه اساسا غير  فعال وغير موجود كما تقول…!!!

ولكن ،إلى متى؟؟؟وماذا بعد؟؟؟وما هي الآفاق التي تتطلع إليها تلك المعارضة في معرض إيجاد الحلول الممكنة؟

المعارضة تراهن على انشقاق الجيش وتعب النظام..!! ولكن ما هي الضمانات التي تجعلها واثقة من حدوث هذا الأمر؟والجميع يعرف أن جيش النظام ممسوك تماما في الجوانب القيادية النافذة فيه، وأن النظام يستمد قوته من هذا الجيش العقائدي ، وأن النظام مدعوم عسكريا وسياسيا من إيران الدولة لا تبخل في تقديم كافة أشكال الدعم العسكري والاستخباراتي والمالي الذي يحتاجها النظام لوأد الثورة.

ولعل استمرار نزيف الدم اليومي،بمشاهده المروعة ، التي تشتد قسوة وبشاعة يوما بعد يوم، دون وجود ما يؤشر على تراجع النظام عن سحقها ، لا يشي أبدا، أن الأوضاع ستكون مبشرة . فالنظام مصمم على سحق الانتفاضة. والشعب مصمم على الاستمرار بها إلى أن تحقق أهدافها مهما كانت التضحيات.

السؤال الماكر الذي يطل برأسه  من جنبات  تلك الحالة الجهنمية ، هو: إلى أي حد  تستطيع الناس صبرا على هذا الإذلال والقتل والاعتقال والتنكيل اليومي، دون أن تلجأ إلى وسائل أخرى للدفاع عن نفسها وعن وجودها؟ والسؤال الأكثر مكرا، هو ذاك المتعلق بالمعارضة نفسها،ألا وهو من أين تستمد المعارضة كل هذا الاطمئنان وهذا الوثوق، من أن الناس ستبقى متمسكة بسلمية الانتفاضة إلى ما لا نهاية،وأنها  لن تفقد صبرها ، وتلجأ إلى تسليح نفسها والرد بعنف مماثل؟وهل الناس مستعدة حقا للانضواء تحت السقف الذي وضعته المعارضة في لاءاتها؟

لا حوار مع النظام. هذا أمر حسن بالتأكيد، فالنظام الذي يقتل شعبه، هو نظام ساقط سياسيا ، واخلاقيا، والحوار معه معناه الاعتراف به وبشرعيته، وبشرعية كل جرائمه.

لا لتسليح الانتفاضة، أيضا هذا  أمر حسن ، ولا غبار عليه، ذلك لأن تسليح الانتفاضة معناه الإيذان بدخول إلى حجيم الحرب الأهلية التي  تجعل من سوريا دويلات طائفية متقاتلة، ويقودها إلى حرب تفتت كل النسيج الوطني السوري وتجعله اثر بعد عين.

التدخل العربي بدوره غير مقنع وغير فعال، لأنه يكتفي بالكلام المعسول والوعود الكاذبة، وحتى لو قدّر له أن يتجاوز الكلمات المعسولة والوعود  الجميلة ،فهو غير قادر على التدخل لوقف حمّام الدم هذا، فلا أحد من العرب مستعد للتدخل عسكريا لوقف النظام السوري عند حده.

إذن ما الذي تبقى من خيارت ممكنة؟

يتبقى آخر الخيارات، وهو الحماية الدولية التي يطالب بها الشعب السوري في الساحات والميادين في هتافاته الآن.وترفضها المعارضة السورية بقوة،وتقبلها تنسيقيات الثورة على استحياء.

الواضح هنا، أن المعارضة ، لا تزال تقف على أرضية النظام أيدولوجيا، وهي تتبنى مفاهيمه وتحديداته ذاتها لمعنى الوطنية والخطاب ذاته الذي يتحدث عن الأطماع الاستعمارية ويرفع فزاعة الخوف من تلك الأطماع ويصفها بالمؤامرة. وهي تبدو في ردود أفعالها على مسألة الحماية الدولية وكأنها لم تغادر مدرسة النظام بعد ، ويأتي خطابها في هذا شبيها بخطابه الذي يذكرنا بخطاب حقبة الخمسينات والستينات من هذا القرن لأنظمة الانقلابات العسكرية في المنطقة التي رفعت شعارات وفزاعات الاستعمار في خطابها. حتى ليكاد المتلقي لهذا الخطاب يعتقد، أن الحديث يدور عن سويسرا وثرواتها وليس عن سوريا  التي يبق منها النظام من ثروات إلا وتحولت إلى أرصدة وحسابات في البنوك باسماء رموزه.

مقاربة المعارضة لموضوع الحماية الدولية، هي أشبه ما تكون بمقاربة دينية أكثر منها سياسية، بحيث يتم النظر إليها من باب الطهارة والنجاسة ومفسدات الوضوء. ولنا أن نلاحظ ، أنه وبالمقدار ذاته أن المعارضة  ، عندما تصدر مثل هذا الخطاب التحريمي في جوهره ، لا تلتفت ولا تأبه إلى  مستوى التدخل الخارجي الذي تم ويتم عبر البوابة الإيرانية وعبر ملاليها الذين لم يبخلوا في مد النظام بكل اسباب القوة ، وهم لم يضنّوا عليه بتقديم  المال والرجال والخبراء والسلاح  لسحق انتفاضة الشعب السوري. المعارضة التي تتعفف عن الخوض في خيار الحماية الدولية حتى الآن، وتتمسك بخطابها الذي يشبه الخطاب الديني السلبي الذي يتحدث عن المعجزة الإلهية والدعاء للباري في أن ينشق الجيش ، ويحسم تجار حلب ودمشق الذين يمولون شبيحة النظام ويدعمون اقتصاده، لا تزال تقف على أرضية النظام الأيديولوجية، وهي حقيقية عندما تتحدث وتتشدق ببديل قاموس المهزومين مثل : الصمود والصبر والتضحية والثقة بالشعب السوري وخياره السلمي ورفض التدخل ولغة شلال الدم إلى آخر هذا الخطاب الذي يذكر بخطاب المهزومين، فإنها تحاول إخفاء تماهيها الأيديولوجي ووقوفها في الساحة التي رسم النظام دائرتها.

أما عن تنسيقات الثورة فهي تبدو في مواقفها وحركتها السياسية في الشارع السوري أكثر تقدما ومرونة  وإدراكا لما عليها فعله ،فهي تتميز عن المعارضة التقليدية في القدرة على التقاط  نبض الشارع السوري ومحاولة التماهي معه إلى درجة كبيرة.ورغم هذا التباين بين المعارضة والتنسيقات. وبرغم هذا الانسجام مع مطالب الشارع، إلا أن التنسيقيات لم تصل بعد إلى حالة من التبلور والثقة  التي تجعلها تبرز على الأرض كقوة علنية ، لتصيغ هذا المطلب السياسي وتقدمه إلى المعنيين بتقديم تلك الحماية.

المعارضة تحاول أن تضع العصي في دولاب التنسيقيات ، وتحاول إعاقة هذا التوجه وكبح جماحه،وتقييد حركته السياسة بدعوى الحفاظ على الوطن، لصالح سياسة لا تشبه السياسة ، بقدر ما تشبه نهجا يعتمد على القدرية وانتظار معجزات لا تأتي قدرية مفرطة مع غياب شبه مطلق لإستراتيجية حازمة  تحمي الثورة ومطالبها، ويبقى السؤال والحال هذه ، ما هي الحدود وما هو الوقت الذي سيستغرقه مثل هذا التردد ، وإلى متى ستبقى هذه التنسيقيات مقيدة بسلاسل سياسة المعارضة؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة .

كاتبة وصحافية- فيينا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...