صفحات العالم

الاستعصاء «الإنساني» بشأن سوريا

عبد الوهاب بدرخان

في الأيام الأخيرة بدأت تظهر بوادر اهتمام بأحوال النازحين السوريين. وأقل ما يقال فيها إنها لا تزال غير كافية، وفضلاً عن أنها متأخرة جداً جداً. لا تتوافر معلومات إحصائية دقيقة، لكن العاملين في الإغاثة ينقلون من المخيمات أنباء عن وفاة أطفال عديدين من جراء البرد وسوء التغذية ورداءة الخدمات الطبية. أما الكبار ولا سيما العجائز فتسوء أوضاعهم أكثر فأكثر.

هذه مأساة إنسانية تُركت تعتمل أمام الأنظار، وما كان يجب السماح بحصولها. فالأزمة لم تبدأ أمس وبشكل مفاجئ، بل مضى عليها نحو عامين، وأتيح كل الوقت اللازم لدرس الاحتياجات وتأمين الأموال وترتيب التسهيلات. مع ذلك وجدنا الأردن يكرر النداءات للمساعدة لأن موارده محدودة ولا تمكنه من تحمل هذا العبء. والفارق بينه وبين لبنان أن الأخير لم يعترف بوجود حالٍ تستدعي التعامل معها بمعزل عن أي اعتبار سياسي، ولو لم يفد نازحون فلسطينيون من مخيم اليرموك، ولو لم يشعر بعض الساسة اللبنانيين بـ«خطر» سمّوه «طائفياً» أو «ديموغرافياً» أو «أمنياً»، لما تحركت الحكومات اللبنانية لطلب اجتماع عربي أملاً في المساعدة.

ليس مفهوماً لماذا تلكأت الحكومات كافة في الاهتمام بهذه القضية. هل هي ثقافة الحكم، أم تقاليد العلاقات بين الحكومات، أم أن المعنيين استندوا إلى تحليلات سياسية تؤكد لهم أن نهاية الأزمة وشيكة، وبالتالي فلا داعي إلى التوسع في لوجستيات إيواء النازحين لأنهم مرشحون للعودة في أي يوم، بل في أي لحظة؟ أياً يكن الاعتبار الغالب على تفكيرهم فإن شيئاً لا يبرر الإدارة الفاشلة لهذا البعد الإنساني الذي حفر في أذهان السوريين جروحاً وندوباً لن ينسوها في القادم من الأيام، خصوصاً أنهم مضيافون بطبعهم ولم يرضوا بأن يُهان فلسطيني أو عراقي أو لبناني اضطرته الظروف للجوء إلى بلادهم.

ثم إن هناك خبرة الأمم المتحدة والمفوضية العليا للاجئين وكل المنظمات المتخصصة، وهناك الدول التي أعلنت استعدادها للمساعدة. هذه الهيئات تعمل وتحاول التخفيف من المأساة، لكنها تعاني من بلبلة وغموض وتردد يكتنف مستويات القرار والمعالجة كافة، سواء كان دولياً أو لدى الحكومات الإقليمية. لذلك لم تتمكن هذه الجهود والإعانات المتوافرة من بناء خطة إغاثية سلسلة ومتكاملة ومتواصلة. الأرجح أن الأسباب التي حالت حتى الآن دون تفعيل المعارضة السياسية والعسكرية هي نفسها التي تسببت بقصور الإغاثة وفوضاها. ولأن السوريين هم الذين يتألمون الآن ويشعرون بأنهم متروكون للمصير الذي يريده لهم النظام، فإنهم يلاحظون تجمع معطيات عدة مثل وقف الدعم المالي للمعارضة ووقف توفير الأسلحة والذخائر، وأيضاً انكشاف التقصير الفادح في الإغاثة الإنسانية، ما يعني عندهم أن الضغوط التي يقال إنها تمارس على النظام باتت تمارس الآن ضد الشعب.

المأساة الكبرى تبقى في الداخل، فنحو ثلاثة ملايين سوري انتقلوا للعيش في أي مكان يؤمنه لهم مواطنوهم.

ورغم الصعوبات وقلة الإمكانات وانعدام الأمن والأمان ومضايقات «الشبيحة» يمكن القول إن السوريين يعيشون حالاً تاريخية من التضامن الاجتماعي، وبمساهمة من مختلف الطوائف في بعض المناطق. وهذا ما مكنّهم من طرد أشباح المجاعة فتقاسموا القليل المتوافر، ومن تخفيف قسوة الشتاء ففتحوا بيوتهم حتى اكتظت باللاجئين إليها. أراد النظام إذلال الناس لدفعها إلى الاستسلام، لكن التنكيل يرتدّ عليه. فرغم كل الظروف القاتلة لا يزال المدنيون حريصين على الخروج بتظاهرات عزلاء سلمية، فقط لتأكيد أن جذوة الثورة لم تنطفئ. إنها رسالتهم إلى العالم.

كل الحروب تشهد هدنات، ولو قصيرة ومتقطعة، فحتى الأعداء لا يعدمون «التراحم» ولا يفتقدون حسّ الواقعية.

إلا هذه الحرب التي انفرد فيها نظام لزمن بشنّها على شعبه، وحين لجأ بعض هذا الشعب إلى السلاح بات النظام أكثر ثقة في نهجه المتوحش. لم يبالِ ولا مرة بالاستجابة لطلبات الأمم المتحدة أن تمكّن طواقمها من إغاثة المهاجرين الذين تركوا بيوتاً وأبنية تهدمت وأرزاقاً نهبت. جعل من المعاناة الإنسانية إحدى أدوات خططه الحربية، غير مكترث أيضاً بأن هذا النظام يحاول استثمار النزوح الكثيف إلى دول الجوار لإحراجها وإرباكها والضغط عليها. فإلى إفشال المجتمع الدولي وتعجيزه عن فرض حل سياسي أو عسكري، أتيح للنظام أن يفرض تقاعساً عن التعامل مع الجانب الإنساني من الأزمة.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى