لا تغمض عينيك!

حسان عباس

 هل شاهدتم صورَهم؟ كثيرون حاولوا ألا يشاهدوها. أشاحوا بوجوههم عن الشاشات التي تتناقلها أو امتنعوا عن فتح أي موقع يحملها. ألِسَأمهم من صور القتل، ورائحة الدم التي تفوح منها؟ ألرغبتهم في ألا يكون الأمر حقيقة أم لجبنهم في رؤية الحقيقة؟ كل الاحتمالات ممكنة، وفي جميع الأحوال إن كان من لم يشاهدها بعد فليفعل، ليضع إنسانيته وأخلاقياته وإيمانه وحساسيته ورهافته ورقّته وامتعاضه وقرفه و.. و.. في الثلاجة للحظات ويشاهد تلك الصور: صور مجزرة قرية البيضا.

شيء ما يقول للمشاهد إن ثمّة في ما يراه كذبةً ما، غشّاً، تلاعباً، ليس لأن الصور مفبركة أو مصطنعة وإنما لأن ما تنقله لا يستطيع عقل بشري سويّ أن يصدقه. وكذلك لا يستطيع أن يصدق أفلام الفيديو التي تنقل ابتهاج منفذي المجزرة بفعلتهم. من أي خامة صنع هؤلاء الناس الذين يتباهون بعملهم؟ أي عُصارة شيطانية أضيفت إلى طين خلقهم؟

صور مجزرة البيضا لا يمكن للمشاهد أن يراها ويتوقف عندها ليحللها. لكن لا بأس أن نحاول ذلك في محاولة للبحث عما يبهرنا في تلك الصور، وعن مصدر قوتها. في مستوى أوّل، أي مستوى الصورة كمنتَجٍ فوتوغرافي، تتمثل تلك القوة في تحقيق هذه الصور لمعادلة توزيع عناصرها المركزية على نقاط تقاطع شبكة خطوط القوة، كما يقول نقّاد التصوير الفوتوغرافي المتخصصون. أو من انتشار تلك العناصر على مسار لولبي خاص يذكّر بلوالب “الواسطي” في منمنماته ثنائية الأبعاد. وفي مستوى ثان أعمق من مستوى النظرة الفنية، هو مستوى الإدراك والفهم، تنبثق قوة الصورة من “استحالتها”، “لا إمكانيتها”، “لا معقوليتها”. كيف يمكن أن تتحول قدما طفل رضيع إلى ما يشبه خشبتين محروقتين كما لو كانتا قشّتي كبريت؟ كيف يمكن لوجه امرأة أن يصبح نصف وجه كما لو أن ذئباً هائلاً اقتلعه بأنيابه؟ كيف يمكن لعنق صبي أن يُحزّ كما لو كان حَمَلاً معَدّاً للسلخ؟ هذه موضوعات لم يعتد المشاهدون رؤيتها في صورة منقولة عن الواقع. قد نلقى ما يشبهها في الإبداعات الفنية المتخيلة، في لوحة من لوحات غويا في مرحلته السوداوية مثلاً، أو في بعض مشاهد فيلم “سالو” لبازوليني، أو في بعض مقاطع رواية “سفر نحو أعماق الليل” للفرنسي سيلين، لكن ربما لم يسبق أن رأينا مثيلاً لها في صور الحياة الحقيقية. أما في المستوى الثالث وهو مستوى الوثيقة، أو المستوى التاريخي، فتأتي قوة الصورة من حيث هي شاهد ودليل إثبات على ما يرتكبه هذا النظام من جرائم بحق شعبه. وهي بهذا المعنى ستوضَع غداً، أو بعد غد، بين أيدي القضاة في المحاكم الدولية المختصة لمقاضاة جميع المسؤولين عن المجازر التي ترتكب اليوم بحق الشعب السوري، وستشهر أمام من يشكلون “هرم المسؤولية” عنها. وهو الهرم الذي يبدأ من أعلى: من الشخص الذي اختار سياسة العنف المتوحّش وأمر بتطبيقها، ثم يتدرج نزولاً إلى من وضع خططها ثم إلى من أمر بتنفيذها لتصل إلى من نفذها. هذا من شروط العدالة التي لن يرضى الشعب بأقل منها ليبدأ بالخطو نحو المصالحة الوطنية، وهي عدالة انتقالية وليست انتقامية.

في غرف المصورين الفوتوغرافيين ما قبل الديجيتال، حيث كان استخدام نور الفلاش القوي ضرورياً لنجاح الصورة، كان المصوّر يقول للطفل الفرح بوعد الحصول على أول اعتراف مادي بشخصيته: لا تغمض عينيك، حتى لا تظهر في الصورة نائماً! كان يعرف أن الضوء القوي الآتي من الفلاش سيبهر عيني الطفل ويدفعهما إلى الإغماض. وكان على الطفل أن يقاوم الانبهار ويحتمل شدة الضوء فهو الشرط للحصول على صورة ناجحة، تبرز حقيقته، وتشكل وثيقة عن مرحلة من حياته ينظر إليها في غده ليرى كيف تطوّر وصار إنساناً.

أمام صور مذبحة قرية البيضا، تدفعنا الرغبة إلى القول لكل سوري، ولكل من شارك في هذه المجزرة وفي غيرها، لكل الأطفال الذين يقضي آباؤهم، ومن يقود آباءهم، على مستقبلهم؛ يدفعنا الغضب للصراخ في وجه العالم المطعون في إنسانيته: لا تغمض عينيك!

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...