الرئيسية / صفحات الثقافة / لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة’ لخالد خليفة: تفكيك الذاكرة ضرورة لطرد عفنها

لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة’ لخالد خليفة: تفكيك الذاكرة ضرورة لطرد عفنها

يارا بدر

(لم تسمعه وهو يرجوها البقاء بعيداً عن الحارة التي أصبحت في الآونة الأخيرة حديث الصحف المحلية لكثرة الجرائم، آخرها خبر نشر في صفحة داخلية عن رجل أحرق زوجته وأطفاله الأربعة ثمّ انتحر بسكين المطبخ، صارخاً في جيرانه الذين يراقبون ببرود: أنّ الموت حرقاً أكثر شرفاً من انتظار الموت جوعاً، سائلاً بحرقة: ألا توجد سكاكين في مطابخ هذه المدينة/ ص212).

بهذه الكثافة، الاختزال، الجمل الطويلة المبنية وفق سلسلة أفعال صغيرة متتالية، توّلد في ختامها مشهديّة للوحة فجّة، صادمة، وحتى مُنفّرة، بهذا الأسلوب الذي رافق الروائي والسيناريست السوري خالد خليفة منذ روايته الشهيرة ‘مديح الكراهية- 2006′ يوقع روايته الجديدة ‘لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة’ الصادرة في القاهرة، دار ‘عين’ من مقرّه في دمشق، حيث الحصار والحرب وانقطاع التيار الكهربائي عبر رسالة أرسلها إلى جمع الحاضرين في مساء 25 حزيران 2013، بعد أن رفض مغادرة سورية، وحالت الأزمة القلبية مؤخراً من حضور حفل التوقيع.

حلب مدينته المعشوقة، التي خصّها خليفة بالحديث في ‘مديح الكراهية’ وهي تعيش انتقام النظام السوري الوحشي عام 1982 عقب محاولة الاخوان المسلمين في سوريا التحرّك عسكريّاً ضدّ سلطة البعث وآل ‘الأسد’. يعود إليها مُجدداً في أول عمل يُصدره بعد ‘مديح الكراهية’، يعود إليها ليروي سيرة عائلة، عاصرت حلب التي لا يعرفها أيّ من أبناء جلينا نحن المولودون زمن الممانعة، زمن عرفه خير الدين الأسدي ولؤي كيالي وتذهب العائلات فيه لحضور عروض الأفلام الجديدة في حفلة الساعة السادسة في سينما ‘رمسيس′، وَوُلِدَ راوي حكايتها بتزامنٍ مع الانقلاب العسكري الذي قام به حزب البعث في ستينيات القرن الماضي، إلاّ أنّ الحكاية ليست عن راويها، هي حكاية مدينة تمثّلها عائلة، يختار خليفة أن يبدأ كل فصل من فصول الرواية الخمس بالحديث عن موت الأم في هذه العائلة بعد أن هجرها الأب إلى أميركا مع معشوقة تكبره بثلاثين عاماً هرباً من اختناقه وهو في حياته التي أصبحت الحياة في ظل ‘البعث’.

إلاّ أنّ لكل قارئ قراءته، بالنسبة لي كانت ‘سوسن’ هي صورة المدينة. سوسن القادرة على إثارة الفرح، سوسن المحبوبة من أخوتها، التي تكرهها أمها ويعشقها أخوها، سوسن القادرة على إثارة الجنون لدى أي رجل، وتبقى طَعماً في الذاكرة لا يُمحى، سوسن التي يخط الزمن على جسدها كل التحوّلات من مراهقة حالمة إلى مُخبرة أمنيّة صغيرة آذت العشرات من زميلاتها بالتقارير الأمنية التي خطّتها بحقهم، أرعبتهم، أهانتهم، وشعرت بالسعادة وعناصر الأمن يقتادوهم للتحقيق. إلى عاهرة رخيصة ثمّ تائبة متشدّدة دينياً، وأخيراً تبحث عن الأمل بولادة جديدة تنقذ ما تبقى من روحها، حملٌ ضبابي الشروط، غير شرعي أو غير تقليدي، وغير واضح النتائج، إلاّ أنه يبقى أملاً بغدٍ ما لعائلة لم يتزوّج أي من أفرادها. انتحر الموسيقي فيهم بعد أن ذهب مقاتلاً إلى العراق ضدّ الأمريكان، واكتشف الخديعة التي انطلت عليه حين تاجر به (أحدٌ ما وقبض ثمنه) كما الكثيرون غيره، ‘رشيد’ الذي آمن أنّ (الموت هو الشيء الوحيد العادل في هذه الحياة/ ص201) بعد أن سمع نبأ وفاة ‘حافظ الأسد’ واهتدى إلى الصلاة والجوامع، لكنه اكتشف في مواجهة الموت لاحقاً ضعفه الإنساني وهو يكتب التقارير بالمعتقلين معه، وأخيراً شنق نفسه.

يكتب خليفة الذي يعيش تحت القصف المستمر على مناطق برزة والقابون في دمشق، عن الزمن الذي يرفض الكثيرون الإيمان بزواله، كما تقول الأم في روايته بأنّ موت الرئيس ليس سوى شائعة. يكتب بقوّة الألم والغضب لكل من عاش تلك العقود التي قاربت الخمسة وهشّمت سوريا، مكاناً وشعباً وبقيّ في روح أبناءها بعضٌ من أمل، وكثير من جنون. يكتب خليفة:

(لم تستطع رؤية القسوة التي تحدّث عنها أبي مراراً قبل مغادرته مع إيلينا الأمريكية، إلاّ حين أصبحت امرأة مهجورة تعيش مع أولادها حياة موازية مع الحزب الذي صادر ما تبقى من حريات، أوقف تراخيص الصحف ومنع صدورها، عطّل البرلمان وفرض دستوراً جديداً يمنح الرئيس المُفدّى صلاحيات مُطلقة، الذي قام فوراً بعد انقلابه باعتقال رفاقه ورئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي ليموتوا في السجون بعد سنوات طويلة، احتفظ الحزب بحق قيادة البلاد التي بدأت تتكيّف مع قانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، الرئيس ‘…’ الذي استأثر لنفسه بكل المناصب الحساسة، من رئاسة الجمهورية إلى قيادة الحزب الحاكم وقيادة الجيش، وحق تعيين قضاة المحكمة الدستورية وتسمية رئيس الحكومة وحل البرلمان/ ص19-20).

يكتب عن المدينة التي عوقبت وعشّش الفساد والجريمة فيها، ويتحوّل منزل العائلة إلى مكانٍ يختصر حلب، وحلب تختصر وطنا. منزل بُنيّ بأحلامٍ كبيرة ونقوشٍ وطليّ بالأبيض، عاش في ظل دولة المخابرات ثلاثين سنة حوّلته إلى قبرٍ دون نافذة، إلى حُجْرٍ مُتعّفنِ الهواء روائحه فاسدة، جدرانه مُشققة، أثاثه مُحطم، في دولاب ملابس سيدته عاشت الفئران واختنقت وتيبّست بقاياها. فقدت الأشياء فيه قيمتها ومعناها، كما كل الأفكار الجميلة.

من الصعب أن تكتب عن زمن الثبات، عن زمن اللاشيء سوى الاستلاب اليومي، ومن الصعب أن تفهم معنى أو شكل هذا الوجود وأنت لست سوريا. أن تدرك التكرار الأزلي الخاوي من أي معنى، فجميع الأبطال في الرواية كما أغلب السوريين يقومون بالأعمال الروتينية. محاسب، مترجم، مدرّس. أو يعملون في جهاز المخابرات. يمارسون الجنس ولا يعرفون الحب، وإن مرّوا به فإنّ ما في روحهم من تشوّه يمنعهم من عيشه، من التقاطه، وانكساراتهم تطاله ليغدو وهماً أو طيف ذكرى خَطرت سريعاً ولم تخلّف أثراً.

يحاول خليفة الكتابة عن تلك الحالة شديدة الخصوصية للكائن الإنساني وهو يفقد إنسانيته، إنسانيته التي تتجلّى في مختلف الأشكال، من ممارسة الحب إلى وجود عائلة، أصدقاء، عمل، فكر.. عن الإنسان الطًفيلي، الهامشي حيث فُرِضَ علينا نحن السوريين الوجود طوال أكثر من أربعين عاماً، عشنا فيها تحت وطأة مفردتين هما ‘العنف’ و’الخوف’. اليوم يحاول خليفة التقاط الأشكال الخفيّة لذلك العنف اليومي المباشر أو غير المباشر الذي مُورس على المواطن، على الفرد، حتى سلبه إنسانيته ومكانه وذاكرته. يكتب عن سوسن التي كانت من أوائل من انساقت في وهم السُلطة وقوتها، حتى ابتلعتها دائرة العنف كما ابتلعت شعباً بأكمله، (هؤلاء الرفيقات المظليات اللواتي أرعبن المدينة ومزقن ثياب هبة، هنّ الآن نساء فقيرات إلى درجة أنهنّ لن يرفضن صدقة مُحسن، تفوح ثيابهن برائحة البطاطا المقلية، يتبادلن أخبار بحثهنّ عن طلاب ابتدائي يرغبون بدروس خصوصية مقابل حفنة قليلة من الليرات، وأخريات يسألنّ عن عمل إضافي لأزواجهن كي يُسددن أقساط البراد والغسالة المتراكمة/ ص 117)

يكتب خليفة: (تفكيك الذاكرة ضرورة لطرد عفنها/ ص 190)، وهو جوهر روايته التي بحسب القائمين على دار ‘عين’ سوف تعرف دمشق قريباً نسخاً منها، والتي يُشير خليفة في ختامها أنّه بدأها عام 2007، قبل أربع سنوات من اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، بشعارها الأول الذي هتفت به حناجر شباب سوق الحميدية الدمشقي: ‘الشعب السوري ما بينذل’.

اليوم حلب بماضيها البعيد، والأكثر قرباً صور في الذاكرة. حلب التي قُصِفَ جامعها الأموي، تمّ تدمّير ساحة ‘سعد الله الجابري’ فيها، كما اعتقل وتوفيّ تحت التعذيب الآلاف من طلبة جامعتها، حلب المدينة التي لم تستطع تجاوز رعبها والتحرّر من وحشيّة العنف الذي عرفته طوال سنين بعد أحداث 1982 فتأخرت كثيراً عن جامعتها وريفها الذي صرخ هاتفاً للكرامة والحرية في ثورة آذار 2011، إلى أن دخلها الجيش الحر واندلعت المعارك العسكرية العنيفة في جنباتها. حلب واحدة من أقدم مدن التاريخ، ستبقى شاهدة على حكايات كثيرة، واحدة منها حكاية دولة البعث والمخابرات في سوريا.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...