صفحات العالم

لا سياسية الموقف العراقي من الاحتجاجات السورية

 


حازم الأمين

لعل أشد ما حملته الوقائع السورية من مفارقات ثقيلة، هو خريطة مواقف القوى والأطراف العراقية مما يجري في دمشق، إذ شهدت هذه الخريطة انقلاباً كاملاً مثله انتقال الأحزاب والائتلافات الشيعية الى جانب النظام البعثي في سورية، وانكفاء الأحزاب السنية عن الانحياز الى دمشق بصفتها «عاصمة المقاومة في العراق» وعمقها الاستراتيجي. أما الأكراد فيقفون على مسافة بين الانحيازين، وإن كانوا يميلون الى الوقوف الى جانب المحتجين السوريين مع قدر من المخاتلة، محاولين الموازنة بين عمقهم الكردي في سورية وبين مصالح تربطهم بالنظام في دمشق وبحلفائهم الشيعة في العراق.

الاختبار السوري في العراق كبير جداً، لا بل هو أكثر الاختبارات التي تعرضت لها تجربة العراق بعد سقوط صدام حسين. انه اختبار سياسي وطائفي وأخلاقي، ذاك أن الطائفية، وهي جوهر التجربة ومحتواها الوحيد حتى الآن، أثبتت قدرتها على تحويل السياسة بصفتها مصالح وطنية، الى شيء آخر، أي الى ما يمكن وصفه بالمصالح المافوق وطنية! أما الاختبار الأخلاقي الذي تعرضت له تجربة العراق «الجديد»، فكانت نتائجه أفدح، إذ أثبتت خريطة المواقف العراقية حيال حركة الاحتجاجات السورية أن لا قيمة على الإطلاق للضائقة الشيعية مع البعث. فالأمر بالنسبة لهذه القوى لم يكن أكثر من طغيان جماعة طائفية على جماعة أخرى، ولن تتردد الضحية في الحالة العراقية من الانحياز الى الجلاد في الحالة السورية طالما أن الموقف الطائفي يملي ذلك! ونخرج هنا الى استنتاج مفاده أن ليس ممثل الضحية ضحية، إنما مستثمر طائفي لن يتردد بالتحول الى جلاد عندما يعطى فرصة.

يُقر سياسيون عراقيون شيعة أن العراق استفاد من اضطراب موقــــع النظام في سورية جراء حركة الاحتجاجات. يقولون مثلاً إن الحـــدود مع سورية لم تعد مصدر قلق، ويقولون إن البعثيين العـــراقيين الذين كانت تؤويهم دمشق بدأوا يفكرون بمغادرتها، وبعضهم باشر اتصالات مع الحكومة في العراق، وأن جماعات مسلحة عراقية جديدة أعلنت في هذه المرحلة رغبتها بتسليم أسلحتها والانضمام الى العملية السياسية. كما أن مفوهي الفضائيات في «المقاومة العراقية» الذين كانوا يقيمون في دمشق صمتوا تماماً ما إن بدأت الاحتجاجات السورية.

كل هذه الوقائع لا تكفي لتحديد وجهة الانحياز في ما يجري في سورية. فالموقف الإيراني هو البوصلة، وليس ما يُفترض أنه مصلحة العراق. ويبدو أن الأمر تجاوز المشاعر الى الأفعال، فما كان متحفظاً عليه سابقاً لجهة العلاقات التجارية والاقتصادية والنفطية مع دمشق وضعته حكومة نوري المالكي على سكة التنفيذ السريع. خط أنابيب كركوك بانياس الذي جهدت الحكومة السورية لضخ النفط فيه مجدداً، عارضة إعادة ترميمه على حسابها، وتأمين حمايته حتى داخل الأراضي العراقية، وسعى المالكي في حينه الى تأجيل البحث فيه، وُضع اليوم ضمن الخطط السريعة التنفيذ، على أن تتولى الحكومة العراقية ترميمه وحمايته على حسابها.

ويبدو أن الالتحاق الكامل بالموقع الإيراني سائر بخطى حثيثة في العراق، كفعل تعويضي عن الخسائر التي قد تلحق بطهران في دمشق. فقد عاد حلفاء طهران في العراق الى الحديث عن حكومة الغالبية بدل الحديث عن حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما يُذكّر طبعاً بما جرى في لبنان عندما أقدم حلفاء طهران ودمشق على الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية عبر عراضة القمصان السود، وتشكيلهم حكومة اللون الواحد.

بدل أن تشكل حركة الاحتجاج في سورية فرصة كبرى للعراق لاستكمال تجربته عبر استثمار اضطراب العاصمة التي شكلت الشوكة الرئيسة في إخفاق التجربة، يتقدم العامل الطائفي مجدداً ليقضي على هذا الاحتمال. لقد كان لدى أصحاب التجربة فرصة كبيرة ليقولوا للمنشقين إن عاصمتكم البديلة ليست مستقبلكم، وان تجربتكم في «المقاومة» عبرها ستذوي قريباً، وأنها مستعدة لبيعكم في أي تسوية.

وبدل أن تُثبت القوى الشيعية العراقية حقيقة أخلاقية مثلتها الظلامة في ظل نظام البعث في العراق، تولت تبديد ذلك عبر تجاوزها لاعتبار البعث، يمثل احتمالاً مشابهاً. فمن سيصدق من الآن وصاعداً كلام نوري المالكي عندما يتناول حزب البعث في بلاده؟

الطائفية أقوى على ما يبدو من كل هذه الحسابات، وهي في الوقت نفسه ذريعة لقوى مخاتلة ومخادعة لكي تلتحق بسيد لطالما سعت الى إبعاد شبهة الالتحاق به. فالكلام اليوم في العراق عن محورين إيراني وتركي، والعراق الشيعي إيراني، فيما العراق السني تركي. والمواجهة تجري الآن في سورية بحسب سياسيين عراقيين شيعة، وهم في هذه الحالة إيرانيون، ولا قيمة للمصالح الوطنية، ناهيك عن الأوهام الأخلاقية التي لطالما واجهوا فيها خصومهم عندما شهروا بوجههم مجازر البعث في بلدهم.

ذات يوم من أيام الذروة في إرسال المقاتلين العرب من سورية الى العراق قال سياسي عراقي إن في العلاقة بين الشام وبغداد شيء مما كان بين العاصمتين خلال انتقال الخلافة الإسلامية من الأمويين الذين كانت دمشق عاصمتهم الى العباسيين الذين نقلوا عاصمة الخلافة الى بغداد. ووصف هذا السياسي ظاهرة إرسال المقاتلين العرب الى العراق بأن فيها قدراً من محاولة للانتقام.

لم يكن هذا السياسي محقاً، فالتاريخ في هذه المنطقة كما الطوائف والجماعات، أقل من أن تُستشار. الاستتباع، وعلاقة السيد بخادمه يتقدمان أي اعتبار آخر. هذا فقط ما يُفسر لا سياسية ولا منطقية الموقع العراقي المستجد من الوقائع السورية.

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى