الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / لا سيناريو ليبيا في سوريا!

لا سيناريو ليبيا في سوريا!

 أكرم البني

والمعنى أنه ليس ثمة تدخل عسكري في الحالة السورية شبيها بما حصل في ليبيا، وأن ليس هناك فرصة أن يتخذ مجلس الأمن قرارا وفق البند السابع يجيز استخدام القوة لحماية المدنيين.

هي لعبة المصالح وحسابات الربح والخسارة، فالحفاظ على موطئ قدم في المنطقة وتوظيف وزنيهما في مجلس الأمن كورقة ابتزاز لاستجرار بعض المكاسب، والتشابكات المتنوعة وأهمها الاقتصادية مع إيران ومع الكيان الصهيوني، والرهان على تعميق الاستعصاء السوري لوقف تمدد الربيع العربي المهدد لمصالحهما، هي بعض أسرار الموقفين الروسي والصيني، التي تقف وراء إصرارهما على استخدام الفيتو ضد أي قرار يدين عنف النظام ويفرض عقوبات اقتصادية وسياسية بحقه، حتى وإن لم يصل إلى حد تشريع استخدام القوة أو التهديد بها!

وفي المقابل، فإن خصوصية الحالة السورية وموقعها المتشابك مع الكثير من الملفات الشائكة والحساسة، والتخوف من حصول هزة في أسباب الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، ومن خطورة أن يلجأ النظام السوري بالتنسيق مع بعض حلفائه، كإيران وحزب الله وحركة الجهاد الإسلامي، إلى توسيع نطاق المعركة وافتعال مناوشات عسكرية مع إسرائيل، والتخوف أيضا من أن يفتح التدخل العسكري الباب أمام تطورات غير محمودة، منها حصول تفكك للدولة السورية وإشاعة الفوضى، وتنامي صراعات أهلية تأخذ طابعا متخلفا، وانفلاتها إلى بلدان الجوار عبر مكونات عرقية وثقافية متداخلة، مما قد يهدد بإشعال المنطقة برمتها، وإذا أضفنا التكلفة الباهظة لاستخدام القوة العسكرية، خاصة إذا طال أمد المعركة، في بلد لا يمتلك موارد للتعويض كحالة ليبيا، نقف عند أهم الأسباب التي تفسر الإعلانات الصريحة من مختلف الأطراف الغربية والعربية بأن لا تفكير في التدخل العسكري، وتاليا تردد السياستين الأوروبية والأميركية وإحجامهما عن الدخول بقوة على خط الأزمة السورية كما حصل في ليبيا واكتفائها بالنوسان بين حدي، تشديد العقوبات الاقتصادية وتكرار الدعوات لتنحي النظام، وأيضا الطابع المتناقض للسياسة التركية التي تتسم غالبا بتصريحات حادة ضد النظام السوري دون أن تقترن بأفعال موازية أو مقاربة، ولا يغير هذه الحقيقة بل يؤكدها السقف المحدود لدور الجامعة العربية وفشل بعثة مراقبيها إلى سوريا، وأيضا فشلها في إصدار قرار من مجلس الأمن يدعم مبادرتها في وقف العنف ومعالجة الوضع السوري المتفاقم!

صحيح أن إصرار النظام السوري على الخيار الأمني والعسكري وإغلاق الباب أمام أية معالجة سياسية، قد أوصل البلاد إلى نفس النقطة التي وصلتها ليبيا، لكن يبدو أن المخاطر والظروف الخاصة التي تحيق بالحالة السورية لن توصلها إلى السيناريو الليبي ذاته، بل ثمة سيناريو خاص لمسار الثورة السورية ربما لا يقاربه أي سيناريو آخر، ففي كل مراحلها كان شعور الناس الأصيل بأنهم سيصنعون ثورتهم بسواعدهم، وفي كل مراحلها شكل – ولا يزال – إصرار الشعب على الاحتجاج واستبساله في الكفاح لنيل حقوقه وفداحة ما يقدمه من تضحيات، المعلم والمحرك الأساسي وربما الوحيد للمتغيرات السياسية التي تحصل، داخليا وعربيا وعالميا، فهو الذي أزاح الغطاء الدولي الذي حضن سياسات النظام ورعاها طيلة عقود، وهو الذي استجر الضغوط والعزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية والمالية ضد النظام، التي بدأت تلقي بثقلها على المجتمع وتهز ثقة الناس بقدرة هذا النظام على تأمين الحاجات الأساسية والمعيشية، وهو الذي شجع بعد تأخر وتباطؤ الجامعة العربية على تجميد عضوية سوريا والتدخل عبر مبادرتها للعب دور أكثر وضوحا وحزما، وهو الكفيل بتفكيك ما بقي من تعقيدات وجعل استمرار النظام عبئا ثقيلا على أهله وعلى المنطقة وعلى الاستقرار العالمي، الأمر الذي سيُكره الجميع على إعادة النظر في سياساتهم ومواقفهم!

وبعبارة أخرى، فإن ما يمكن اعتباره تواطؤا دوليا وإقليميا ومداورة تجاه الحالة السورية، لا بد أن يتفكك أمام عزم الانتفاضة الشعبية وإصرارها على التغيير، فاستمرار الثورة بهذه الصورة البطولية، وما قدمته من ثمن باهظ في أعداد الضحايا والجرحى والمعتقلين والمشردين، يزيد بشكل كبير مساحات التعاطف الأخلاقي مع السوريين من قبل الشعوب والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإنسانية، مما يحرج مع كل يوم يمر، السياسات الرسمية الغربية والعربية ويكرهها على تجاوز سلبيتها والمبادرة للبحث عن مخارج وحلول عاجلة، والأهم أن ما سبق شكل الحافز الرئيس لتزايد المناورات الإصلاحية وتزايد أعداد الفارين والمنشقين عن القوات النظامية، وهو الذي يقف وراء ما نلحظه من إنهاك في قوى النظام السوري ومن إشارات تدل على تفكك بعض الدوائر الداعمة له وتبلور قوى داخل مؤسساته تزداد قناعة بضرورة المعالجة السياسية وتقف ضد استمرار العنف والقمع!

والحال، ثمة اطمئنان على الثورة السورية وليس من قلق حول استحالة إجهاضها وكسر شوكتها، بل من أهم خصوصيتها أن استمرارها لا يتطلب عونا خارجيا عاجلا كما كان حال الثورة الليبية حين رد التدخل الغربي كتائب القذافي عند مشارف بنغازي، فالاحتجاجات الشعبية التي تمتد في معظم المدن والمناطق السورية وتنهض كالعنقاء بعد كل جولة قمع وتنكيل، قد تجاوزت مرحلة الانتكاس ووصلت نقطة لا عودة منها، لكن لا بد أن نعترف بأن زمن التحول الثوري سيكون ثقيلا جدا في سوريا أمام آلة عسكرية وأمنية مدججة وإصرار على العنف والغلبة طلبا للحسم، وهو زمن بطيء ومكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة ومكابدة مستمرة، لم ولن يشهد شعب ثائر لها مثيلا، لكن ما قد يخفف من وطأته وثقله، أن تعي قوى الثورة خصوصيتها والتشابكات والصعوبات المحيطة بها، وتحذر من وضع تصورات لانتصار سريع ومن الرهان على تدخل خارجي حاسم، فليس غير الثقة بجدوى المظاهرات الشعبية والمثابرة على الاحتجاجات السلمية ونقلها إلى أطوار جديدة، مما قد يصل بالناس إلى تحقيق أهدافهم وما يتطلعون إليه!

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...