الرئيسية / صفحات الثقافة / لحظة من الضوء النقي

لحظة من الضوء النقي


عناية جابر

بجاذبية القصائد، وروعة الموسيقى، وبهاء البحار والغابات، وكل الجمال في هذا الكون، نقيس اليوم ناس التظاهرات المطالبين بالحرية، كما نقيس المسافة التي تفصلهم عن المثقفين. اليأس قوة في حد ذاته. اليأس نفـــسه، أخرج النـــاس إلـــى الشوارع وعلّى في هتافاتهم. اليأس قوة، قوته نفسها تضع نهاية له.

ما يجري في الشوارع ذو جمال عظيم، وتطلّب قوة أعماق اليأس. التظاهر ليس لعبة طائشة، والمتظاهر في سبيل حريته، يُسلّم نفسه إلى مغامرة مخيفة، آخذاً على عاتقه في النهاية أذى الأنظمة وقواها ورجالاتها. لا أتخيل تظاهرة تخرج إلى الشارع، إلا من رحم الحب. كيف يمكن لإنسان أن يضع نفسه أمام تحد مرعب، ثم يُخوّن ويُهان ويُعذّب ويُسلخ جلده، يسوع أصبح إنساناً، وقام بالتكفير عن خطايا البشر، جُلد وسُخر منه وبُصق عليه، وصُلب من أجل ان يحررهم، ذلك هو معنى: «قاسى بلحمه» كما يقاسي الآن، نــاس التظاهرات. وإذا تـــجاهلنا اللاهوتيين، فــــإن جمـــلة «أخذ على عاتقه خطايا العالم» تعني بالضبط: خوض غمـــار التجربة حــــتى ثمالتها، وبقـــوة مع ما يترتب عليها من أذى وحتـــى موت.

كل مبدع عليه ان يتحمل عبء ناسه وشعبه ووطنه، وأن تكون الحرية الحقيقية وإن بصيغ مختلفة، هي المادة التي تدور في شرايين نصوصه. ليكن لمرّة واحدة على الأقل، وقد آن أوانها، الإبداع العربي هو إحدى هذه الاستخدامات الكثيرة للأسطورة السمحة للخلق والانبعاث. المبدع يمنح شخصياته وخيالاته إرادة حرّة وعزماً خاصاً، وخيراً. حتى النصوص العبثية تنحو إلى فضاءات مفتوحة تمنح المتذوّق أنفاساً منعشة. أود أن أؤكد، للمثقفين العازفين عن الخوض في ابتلاء الناس بحكامهم، لاعتباراتهم الشخصية، على أقصى السعادة التي تتحقق في قراءة مؤازرة، حين يكون المرء وحيداً جداً، في مواجهة دماره المفاجئ، وفي خضم انهيار عالمه وذاته بطريقة مرعبة، ثم يأتي من يربّت على كتفه، ويجدول عذاباته وإن على الورق، مفصحاً عنها، مفسراً ومرتباً عالماً ربيعياً مقبلاً.

تلك اللحظة مـــن الضوء النقي، هشة وصافية كتمثال صغير من زجاج.

مع أن الطهارة هنا هي الهدف، إلا أن الكثيرين لا يستطيعون تعريفها من دون كبرياء الأقلام الحرّة. نقطة بداية الحرية هي الكلمة ذاتها، التي تشير إلى أقرب حالات الكمال الأخلاقي، من دونها تــغدو حياة الناس ظلمة كاملة، كذلك أيامهم وثوراتهم وجمالهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...