الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سعيد لحدو / لسنا إرهابيين…. ولكننا سنكون/ سعيد لحدو

لسنا إرهابيين…. ولكننا سنكون/ سعيد لحدو

 

 

ليس هناك شعب في التاريخ الحديث عانى من القهر والظلم والاستبداد والتمييز الطائفي الممنهج كما عانى الشعب السوري طوال أكثر من أربعين عاماً. وأضافت السنوات الثلاث الأخيرة من عمر الثورة إلى تلك المآسي، التدميرالمتعمد للبلاد والقتل العشوائي للمدنيين بكل أشكال أسلحة التدمير الجماعية دون تمييز، من الصواريخ والدبابات والطائرات إلى الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، إلى الاختراع الأسدي- الإيراني- الروسي الجديد (البراميل المتفجرة). ولا نعلم ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة من مفاجآت مأساوية على كل صعيد، مما سيتكرم به هذا النظام الحاقد على الشعب السوري لأنه لم يكن يوماً شعبه بالشكل الذي يريد وكما يريد.

يعرف السوريون وبلا أية مواربة، ماهية هذا النظام والأسس التي قام ومازال يرتكز عليها ولهذا قاموا بثورتهم عليه. لكن الذي يعرفه أكثر وبدون أدنى شك، هو هذا المجتمع الدولي الذي طالما هلل وصفق وتبجح بدعمه وحمايته للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. لكنه عندما تعلق الأمر بنظام لم يدع للإجرام حدوداً إلا وتخطاها. ولم يوفر وسيلة ممكنة لتدمير بلاده وقتل شعبه إلا واستخدمها، ابتكر هذا المجتمع ذاته الذريعة تلو الأخرى لكي يحتفظ بصمته المريب ولامبالاته القاتلة إزاء مايتعرض له شعب سوريا الثائر. لابل وقف هذا المجتمع وبخاصة الأطراف الفاعلة والمتنفذة فيه في وجه أية مساعدة حقيقية لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية التي لايبدو، أن هناك نهاية قريبة لها في ظل هذا الإحجام الدولي عن حماية شعب يتعرض أمام سمع وبصر العالم أجمع لأفعال الحقد والإجرام هذه التي لاحدود لها.

أشهر عديدة مرت في بداية الثورة وكان سلاح السوريين الوحيد حناجرهم الهاتفة للحرية. وكان رد النظام، كما هو متوقع، اقتلاع حناجر الهاتفين والمزيد من أعمال القتل للمتظاهرين. أما المتغنون للحرية من الأطراف الدولية فكانت تشجع الثائرين على المضي قدماً للإيحاء بأنها تدعمه، في حين كانت أعمال القتل من قبل أجهزة النظام تتزايد متشجعة باكتفاء المجتمع الدولي بترديد عبارات التنديد دون أي رد فعل حقيقي يجبر النظام على التوقف عن ممارسة القتل ويسمح للشعب بالتعبير عن رأيه في مظاهراته السلمية تلك. وكلما زادت المظاهرات وتعاظمت جماهيريتها كلما وقع المجتمع الدولي وحتى النظام ذاته رغم بجاحته) في إحراج شديد إزاء تصاعد ردود أفعال الأجهزة الأمنية بالقتل والقنص والاعتقال والتعذيب حتى الموت. هنا كان لابد من ذريعة ملموسة لتبرير مايحصل من انحياز سلبي لجهة اللافعل للدول الفاعلة من جانب، وإطلاق يد النظام لمزيد من العنف والقتل والملاحقة والتصفية للمتظاهرين الثائرين من أجل حريتهم وكرامتهم، من جانب آخر. وهكذا بعد سقوط ذريعة المندسين التي اخترعها النظام، برزت في الأشهر التالية نغمة الإرهاب والإرهابيين التي ترددت على ألسنة أركان النظام وأعوانه ، لتنضم إليهم فيما بعد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بتصنيفها جبهة النصرة كحركة إرهابية في حين كانت تقاتل النظام بفعالية ملموسة وتساهم في تحرير الكثير من الأراضي السورية من أيدي النظام ولم يعرف عنها حتى ذلك الحين قيامها بأية أفعال إرهابية!!!!

لم يتوقف الأمر عند جبهة النصرة وكيفية نشوئها ولا عند مصادر تمويلها التي يعرف الأمريكان ووزيرة خارجيتهم كل دقائقها. لكن تطور الأمر لتفتح أبواب سجون النظام السوري والنظام العراقي للمئات من قياديي وكوادر القاعدة المدربين والمتمرسين بالأعمال الإرهابية. إضافة إلى السماح للمئات الاخرين من هذه الكوادر الذين كانوا يتواجدون في إيران والعراق ولبنان وأماكن أخرى إضافة إلى الآلاف من المقاتلين الطائفيين للمجيء إلى سوريا تحت ذريعة الجهاد أوحماية بعض المزارات المقدسة لممارسة أبشع أنواع الجرائم بحق الإنسانية والشعب السوري تحت سمع وبصر العالم. ومرة أخرى بدون أن يتحرك أحد لإيقافهم عند حد. وفي الوقت ذاته كانت القيود تلو القيود تفرض على دعم الجيش الحر سواء بالمال أو السلاح لتنعدم تالياً أية قدرة لديه في مواجهة المتطرفين الجهاديين الذين لم تتأثر إمداداتهم قطعاً بأي إجراء، لأن أي إجراء حقيقي وفعال لم يتخذ بحقهم من قبل القادرين على ذلك. فكانوا يحيطون بالجيش الحر وتتكاثر كتائبهم وألويتهم وتتعاظم قوتهم ونفوذهم. في الوقت ذاته كان القصف الجوي والصاروخي من قبل النظام يفعل فعله في المناطق التي تسيطر عليها وحدات من الجيش الحر، بينما كان ذلك القصف يتجاهل تماماً المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الجهادية. مما كان يعني في المحصلة تراجع الجيش الحر وتمدد الوحدات الجهادية المتطرفة على حسابه. وبالتالي مصادرة الثورة السورية التي قامت كثورة من أجل الحرية لتتحول إلى ثورة لوثتها صبغة الإرهاب والتهام الأكباد البشرية ومناهضة وملاحقة وخطف وتصفية الثائرين والنشطاء الشباب والمجموعات الوطنية الناشطة في الثورة. لتتواءم ممارسات هذه المجموعات الإرهابية مع خطط وممارسات النظام القهرية. وهنا لايمكننا التمييز بين اعتقال وربما تصفية مناضلين أمثال عبد العزيز الخير أو كبرئيل موشي كورية وعشرات الآلاف غيرهم من الناشطين السلميين الذين اعتقلهم النظام في وضح النهار، وبين خطف وأيضاً ربما تصفية المطرانين والأب باولو والناشطة الحقوقية رزان زيتونة ورفاقها، والكثير من الأمثلة غيرها من تدنيس لدور العبادة وفرض الجزية وصلب الناس في الساحات العامة أو خطفهم وتغييبهم وما شابه من أعمال إجرامية مقززة قامت وتقوم بها تلك المجموعات المتطرفة.

هذا ماكان يطمح إليه النظام وداعميه بالتأكيد. ويقوي هذا الاعتقاد العلاقة القديمة المتجددة بين أجهزة النظام الأسدي الأمنية والتنظيمات الجهادية كالقاعدة وأخواتها وبنات عمومتها وعشيرتها القريبة والبعيدة المنتشرة على الساحة العالمية والمثبتة بالوقائع للعالم أجمع من لبنان (فتح الإسلام أوضح مثال) إلى العراق (اتهام المالكي بعد تفجيرات 19 آب 2009 النظام السوري بدعم الإرهاب وأيواء وتدريب الإرهابيين وتهديده باللجوء لمجلس الأمن قبل أن تفلح إيران بتهدئته). إلى أفغانستان إلى اليمن والسعودية وغيرها. إضافة إلى علاقة إيران مع بعض قيادات القاعدة واستضافتها لهم وهم في طريق الذهاب أو العودة من وإلى أفغانستان، وكثير من هؤلاء مطلوبون لحكوماتهم و ترفض إيران تسليمهم بهدف استخدامهم عند الحاجة كما هي الحال الآن في سوريا. من جانب آخر هناك المجموعة الجهادية الشيشانية التي تطرح سلوكياتها أسئلة عديدة حول مدى ارتباطها مع المخابرات الروسية خدمة لأهداف النظام الأسدي وتشويه صورة الثورة.

لكن السؤال الذي لاينفك يطرح نفسه بإلحاح هو: هل هذا أيضاً ماكانت تطمح للوصول إليه الأطراف الدولية الفاعلة تحت مسمى (أصدقاء الشعب السوري) ؟

ليس من الحكمة أن نعمم هنا. ولكن منطق الأمور يقودنا بكل أسف إلى الجواب بنعم!!!!!

ولكي ندعم زعمنا هذا بالحقائق نقول بأن حزب الله مصنف لدى الإدارة الأمريكية كحركة إرهابية منذ عدة سنوات. والسبب في ذلك إطلاق بعض الصواريخ على المستعمرات الإسرائيلية أو القيام ببعض العمليات المعتبرة إرهابية في الخارج. لكن هذا الحزب نفسه يرسل آلاف المقاتلين نهاراً جهاراً لمقالتة السوريين ومحاولة إجهاض ثورتهم ورفعه شعارات طائفية تؤدي إلى زيادة التطرف والاقتتال بين فئات المجتمع السوري، ورفع وتيرة التوتر الطائفي في المنطقة ككل، ألايستحق كل هذا ولو إشارة بسيطة من المسؤولين الأمريكيين للتعبير عن الرفض؟ أليس هذا إرهاباً فجاً؟

بمجرد تحرك مجموعات أصولية مرتبطة بالقاعدة في شمال مالي وإعلان إمارتها الإسلامية، لم تنتظر فرنسا قراراً من مجلس الأمن ولا حتى طلباً من الشعب المالي إذ أرسلت على الفور قواتها العسكرية بضوء أخضر ومساعدة لوجستية أمريكية وانتهت القضية خلال أقل من شهر وكأن شيئاً لم يكن. ولم نسمع اعتراضاً لا من روسيا ولا من الصين ولا من غيرهما من الدول. وكأن الوضع في مالي أخطر على السلم والأمن الدوليين من سوريا!!!

شحنات الأسلحة والمجاهدين مستمرة من إيران عبر الأجواء العراقية باعتراف أمريكي صريح ولم يتم اتخاذ أي إجراء حقيقي لوقفها رغم تحكم الأمريكان بالأجواء العراقية وبكل مفاصله الأمنية والسياسية حتى بعد انسحاب الجيش الأمريكي من العراق. لابل مايزيد الشبهات أكثر أن المالكي يحصل رغم كل ذلك على أسلحة وطائرات من أمريكا لمحاربة القاعدة في العراق. في حين في سوريا، القاعدة هي التي تحصل على الدعم من المالكي ومن غيره بالمال والسلاح والمقاتلين.

إذا كانت أمريكا معنية بمحاربة الإرهاب حقاً، فلماذا لم تتخذ إجراءاً عملياً واحداً للحد من قوة الإرهاب والتطرف في سوريا؟ وعلى العكس من ذلك فقد تغاضت عنه تماماً إن لم نقل أنها ساهمت بشكل أوبآخر بتقويته وانتشاره على الجغرافيا السورية، وبخاصة في المناطق المحررة. ولماذا لم تسمح للجيش الحر منذ البداية لامتلاك السلاح والقوة التي تمكنه من مواجهة النظام والتطرف الأصولي في الآن ذاته؟؟؟ وبخاصة إذا علمنا أن دول الجوار السوري هي صديقة وحليفة لأميركا ويمكنها إغلاق الحدود في وجه ومحاصرة أية مجموعة لا ترضى عنها أمريكا.

وفوق كل هذا الذي حصل ومازال يحصل.. أليست ممارسات النظام وتدميره للمدن والبلدات وقصفه العشوائي للمناطق السكنية وتدمير ثلث منازل السوريين، وحصاره للأحياء المعارضة له وتجويع السكان المدنيين لإخضاعهم، وقتله مايقارب المائتي ألف مواطن وقرابة نصف مليون معتقل ومعاق ومفقود، إضافة إلى تهجير نصف سكان سوريا من منازلهم. منهم أكثر من ثلاثة ملايين لجأوا إلى دول الجوار. أليس هذا كله أبشع شكل من أشكال الإرهاب المنظم الذي تمارسه سلطة حاكمة ضد مواطنيها؟؟؟ ومع ذلك مازال المجتمع الدولي مستنكفاً ولم يتخذ أي إجراء لوضع حد لهذه المعاناة الأليمة!!!

إزاء كل هذه الحقائق والكثير الكثير غيرها.. هل لدى الشعب السوري من خيار آخر بعدما فقد كل أمل في العثور على صديق وفي يساعده بإخلاص في ضيقه الذي هو فيه سوى أن ينفجر احتجاجاً؟؟

لم يكن الشعب السوري عبر كل تاريخه متطرفاً، لكنه الآن سيكون….

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...