الرئيسية / صفحات الرأي / لغز زينب الكبرى: محمود الزيباوي

لغز زينب الكبرى: محمود الزيباوي

دخل مقام السيدة زينب في أتون الحرب السورية المتواصلة منذ أكثر من سنتين، وتردّد اسم “خدّام لواء أبي الفضل العباس” المكلّف “حماية” هذا المقام، كما تردّد اسم “لواء ذو الفقار” الذي عُهدت إليه المهمة نفسها. أشعلت هذه الحرب المستعرة سجالاً قديماً حول هوية هذا الصرح وتاريخه الشائك، وأعادت إلى الواجهة مسألة شغلت المؤرخين وحيّرتهم مدى عقود من الزمن.

في موسوعة “الأعلام”، اختصر خير الدين الزركلي في بضعة سطور سيرة زينب بنت علي بن أبي طالب، معتمداً على أبرز كتب التراث المرجعية. يقول المؤلف في هذا التعريف: “زينب بنت الامام علي بن أبي طالب، شقيقة الحسن والحسين. تزوّجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فولدت له بنتا تزوّجها الحجاج بن يوسف. وحضرت زينب مع أخيها الحسين وقعة كربلاء، وحُملت مع السبايا إلى الكوفة، ثم إلى الشام. وكانت ثابتة الجنان، رفيعة القدر، خطيبة، فصيحة، لها أخبار”.

يذكر الكاتب في الهامش أربعة مراجع هي “الطبقات الكبرى” لابن سعد، “نسب قريش” للمصعب الزبيري، “جمهرة أنساب العرب” لابن حزم الأندلسي، و”الإصابة في معرفة الصحابة” لابن حجر العسقلاني. ويضيف معلّقاً: “وليس في هذه المصادر ما يشير إلى مكان وفاتها أو دفنها”، وينقل قول الباحث المصري علي مبارك في كتابه “الخطط التوفيقية”: “لم أر في كتب التواريخ أن السيدة زينت بنت علي، رضي الله عنهما، جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات”، ويرى في هذا التعليق شهادة تنافي المقولة المتداولة التي تؤكد أن زينب “هي المدفونة في الحي المعروف الآن باسمها في القاهرة”.

حملت اسم زينب ثلاث من بنات الإمام علي، وعمد المؤرخون إلى وصفهنّ بـ”الكبرى”، و”الوسطى” و”الصغرى” للتمييز بينهن. يُنسب إلى زينب الكبرى ضريح في القاهرة، وآخر في الشام، ويفتقر كلٌّ من الضريحين إلى ما يُثبت صحته، إذا لا نجد في كتب كبار المؤرخين المتقدمين حديثاً عن ضريح زينب، كما لا نجد في أخبار أيٍّ من الرواة الذين تتبعوا أحداث تلك الفترة كلاماً عن هذا القبر. في “تاريخ الأمم والملوك”، يجزم الطبري بأن السيدة زينب عادت مع نساء الحسين وأخواته من الشام إلى المدينة. وفي “الكامل في التاريخ”، ينقل ابن الأثير رواية مفادها ان الخليفة يزيد بن معاوية امر بترحيل السيدة زينب وصحبها من الشام الى الحجاز، فسير بهم الى المدينة المنورة. ولا نجد في المعاجم الشهيرة ما ينقض هذا الكلام. قال البعض إن ضريح زينب هو الضريح المعروف بـ”الحرم الزينبي” الكائن في بلدة “السيدة زينب” في ريف دمشق، وهي اليوم منطقة سياحية ودينية يزورها مئات الألوف من السياح والزوار. ويستند المدافعون عن “صحّة” هذا المقام إلى ما ذكره الرحّالة الأندلسي ابن جبير عند زيارته للشام في نهاية القرن الثاني عشر، وينقلون رواية تقول ان زينب هاجرت إلى الشام مع زوجها بسبب تلك المجاعة التي اجتاحت المدينة في العام الرابع والستين للهجرة، وانها ماتت ودُفنت هناك.

في الطرف المعاكس، يقول البعض الآخر إن زينب توفيت في مصر بعدما انتقلت إليها من المدينة، وذلك بعدما صدر الأمر بتفريق البقية الباقية من آل البيت في الأمصار والأقطار، وأنها “دُفنت بمخدعها من الدار في الحمراء القصوى”، وجاءت هذه الرواية في كتاب ظهر في نهاية عشرينات القرن الماضي باسم الشيخ يحيى العبيدلي، عنوانه “أخبار الزينبيات”. تتقاطع هذه الرواية مع شهادة أخرى ظهرت في الفترة نفسها باسم الرحالة أبو عبد الله محمد الكوهيني الفارسي الأندلسي، وفيها وصف لمشهد أقامه الخليفة الفاطمي معد المعز لدين الله “على مقام السيدة الطاهرة بنت البتول، زينب بنت الإمام عليّ بن أبي طالب”، وهو قائم داخل دار كبيرة تشرف على الخليج.

ثلاثة أقوال

يتحدث ابن جبير عن ضريح لزينب الصغرى، لا لزينب الكبرى، ويأتي كلامه عند ذكره لمشاهد أهل البيت في الشام حيث يقول: “من مشاهد أهل البيت، رضي الله عنهم، مشهد أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، ويقال لها زينب الصغرى، وأم كلثوم، كنية أوقعها عليها النبي، صلّى الله عليه وسلّم، لشبهها بابنته أم كلثوم، رضي الله عنها، والله أعلم بذلك، ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ، وعليه مسجد كبير، وخارجه مساكن، وله أوقاف، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست أم كلثوم، مشينا اليه وبتنا به وتبرّكنا برؤيته، نفعنا الله بذلك”. في المقابل، يذكر ابن عساكر في “تاريخ دمشق” عن “مسجد راوية”، وهو “مستجد على قبر أم كلثوم، وأم كلثوم هذه ليست بنت رسول الله التي كانت عند عثمان لأن تلك ماتت في حياة النبي ودفنت بالمدينة، ولا هي أم كلثوم بنت علي من فاطمة التي تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لأنها ماتت هي وابنها زيد بن عمر بالمدينة في يوم واحد ودفنا بالبقيع، وإنما هي امرأة من أهل البيت سمّيت بهذا الاسم ولا يحفظ نسبها، ومسجدها مسجد بناه رجل قرقوبي من أهل حلب”. كذلك، يذكر ياقوت الحموي “راوية” في “معجم البلدان”، ويقول إنها “قرية من غوطة دمشق، بها قبر أم كلثوم”، غير أنه لا يحدد هوية صاحبة القبر. في الخلاصة، تتقاطع الشهادات الثلاث في ذكر قبر باسم أم كلثوم في قرية من قرى الغوطة، هي قرية راوية، ولا يذكر أيٌّ من الرواة القدماء أن هذا القبر يخصّ زينب الكبرى.

يستند القائلون بصحة ضريح السيدة زينب في القاهرة إلى ما ورد في “أخبار الزينبيات” و”رحلة الكوهيني”. اللافت أن النصّين نشرهما حسن قاسم، ويرى الباحث فتحي حافظ الحديدي أن هذه الكتابات هي في الواقع مرويات حديثة أُرجعت إلى عصور قديمة بغرض تدعيم نسبة السيدة زينب إلى المقام الذي يحمل اسمها، “وقد قام بهذا الدور حسن قاسم في كتاب ألّفه بعنوان “السيدة زينب وأخبار الزينبيات” وطبعه في ثلاث طبعات. كما ادعى “وجود مخطوطين ينتميان الى القرون الهجرية الاولى فيهما شرح لرحلة السيدة زينب الى هذه المنطقة، بينما هما في حقيقة الامر مختلفان ولا وجود لهما في الماضي والحاضر وهما، أخبار الزينبيات للعبيدلي ورحلة الكوهيني”. يعود فتحي حافظ الحديدي إلى أواخر عصر دولة المماليك الشراكسة حيث “نشأت مقولة شعبية بأن السيدة زينب مدفونة بالقاهرة”، “وقد قام بنشر هذه المقولة طائفة الأدباتية والمدّاحين الذين يجوبون المقاهي والموالد للارتزاق”، وأقدم ما وصلنا من النصوص المكتوبة في هذا الشأن “حكاية سجلها الشيخ عبد الوهاب الشعراني”، “بعد نحو تسعة قرون من وفاة السيدة زينب”.

في موسوعة “أعيان الشيعة”، تطرّق السيد محسن الأمين إلى هذا الموضوع، وأكّد الرأي القائل بأن زينب الكبرى توفيت في المدينة، وقال: “وهم كل من زعم أن القبر الذي في قرية راوية منسوب إلى زينب الكبرى، وسبب هذا التوهم أن من سمع أن في راوية قبراً انتسب إلى السيدة زينب سبق إلى ذهنه زينب الكبرى لتبادر الذهن إلى الفرد الأكمل، فلما لم يجد أثراً يدل على ذلك لجأ إلى استنباط العلل”. وأضاف: “يجب أن يكون محل قبرها في المدينة المنورة، فإنه لم يثبت أنها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها، وإن كان تاريخ وفاتها ومحل قبرها بالمدينة مجهولين ويجب أن يكون قبرها بالبقيع، وكم من أهل البيت أمثالها من جهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصاً النساء”.

استعاد محمد جواد مغنية في كتابه “مع بطلة كربلاء السيده زينب بنت أمير المؤمنين”، هذا الملف الشائك، وقال ان العلماء اختلفوا في مسألة قبر زينب الكبرى على ثلاثة أقوال، فقال فريق منهم “إنها دفنت في مدينة جدها رسول الله”، وقال فريق ثان “إنها دفنت في قرية بضواحي دمشق، أي في المقام المعروف، ولم ينقل هذا القول عن أحد من ثقات المتقدّمين”، وقال فريق ثالث “إنها دفنت في مصر”. رأى مغنية أن كبار علماء الشيعة “كالكليني والصدوق والمفيد والطوسي والحلي، لم يتعرضوا لمكان قبرها”، واعتبر أن هذا “الصمت” لا يسمح بترجيح “كلاً أو بعضاً أحد الأقوال الثلاثة”، وختم كلامه: “لم يبق إلا الشهرة بين الناس، ولكن الشهرة عند أهل الشام تعارضها الشهرة عند أهل مصر، وهكذا لا يمكن الجزم بشيء، وليس من شك أن زيارة المشهد المشهور بالشام، والجامع المعروف بمصر يقصدان للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى تعظيماً لأهل البيت الذين قرّبهم الله، ورفع درجاتهم ومنازلهم، لأن الغرض إعلان الفضائل، وتعظيم الشعائر، والمكان وسيلة لا غاية، وقد جاء في الحديث: نية المرء خير من عمله”.

في نهاية عام 1932، وجّه موظف في وزارة الداخلية المصرية يُدعى محمد توفيق على صفحات مجلة “الإسلام” استفتاءً إلى دار الإفتاء الرسمية بمصر، وتساءل: “هل دُفنت السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب بمصر أم لا؟”. ردّ المفتي الشيخ محمد بخيت المطيعي، وكرّر ما ذكره علي مبارك في كتابه “الخطط التوفيقية”، ورأى أن المدفونة بمصر من الزينبات هي زينب بنت يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، وليست زينب بنت علي أخت الحسين، وأضاف: “وأمَّا قول من قال: إنَّها زينب بنت علي فمحمول على أنها بنتُه فعلًا، ولكن بالواسطة لا بالمباشرة، ولا شك أن في هذا المشهد بضعة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”.

العصر الحديث

عظم شأن مقام السيدة زينب الشامي في الأزمنة الحديثة، وساهم الإيرانيون مساهمة كبيرة في تجديده. تحمل أبواب الحرم كتابة تعود إلى ستينات القرن العشرين، ونصها: “أنشئ هذا الباب للحوراء زينب الكبرى من قبل العبد الذليل محمد تقي بن المرحوم الشيخ عبد الحسين آل أسد الله الكاظمي الذي يرجو من ربّه العظيم أن يرحمه في الساعة الرهيبة التي تشخص فيها الأبصار سنة 1387هـ”، “صنع في أصفهان في عهد سادن الروضة السيد محسن مرتضى بن السيد رضا مرتضى وبمساعي السيد رضا السيد قاسم الحسيني وإشراف الشيخ محمد حسن المؤيد سنة 1387هـ، وبنظارة الحاج ميرزا أبو القاسم كوبا، والخطاط حبيب الله فضائلي”.

في نهاية القرن الثامن عشر، عمدت حكومة المماليك إلى اعادة بناء مسجد السيدة زينب في القاهرة، وتوقف هذا العمل في زمن الحملة الفرنسية على مصر، واستؤنف بعد سنوات. بعدها، أولى حكام مصر من أسرة محمد علي رعايتهم لهذا الصرح، وعمدوا إلى تجديده بشكل متواصل حتى عهد الملك فاروق، كما يُستدل من الكتابات العديدة التي تزيّن الموقع، ومنها كتابة تقول: “يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا/ بنت الرسولِ لهذا القطر مصباح”.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...