الرئيسية / صفحات الحوار / لقاء مع الشّاعر تشارلز سيميك

لقاء مع الشّاعر تشارلز سيميك


مع كل حرب جديدة أغضب مجددا وأشعر بالإهانة مجددا…

جيمس بيرن

ترجمة : أماني لازار

بالعودة إلى المكان الذي التقيتك فيه، أحب أن أبدأ بنيويورك، المدينة التي رأيتها لأول مرة من على سطح سفينة عام 1954″ مثيرة بشكل يعجز عنه الوصف” بعد محاولات جهيدة لسنوات، مع والدتك، للهجرة من حرب أفسدت أوروبا. لقد وصفت نيويورك بأنها مدينتك المفضلة- المكان الذي كنت متأثراً بكلّ شيء فيه من محلات بيع اللحوم في القرية الشرقية إلى بارات الجاز الشهيرة مثل الـ5 دولار. بالعيش هنا كنت أسمع من حين إلى آخر شعراء قدامى يتحدثون عن “أيام قديمة جيدة” في بيتدوم وقرية البوهيميين. وكشخص من المفترض أنه عاش لمدة 50 سنة في مدينة نيويورك أو أكثر في إبداعك اللاواعي هل لا زالت المدينة تؤثر فيك ككاتب وكيف؟

إنها تفعل، كثيراً. مدينة نيويورك هي المكان الذي يشعر خيالي فيه كأنه في بيته. أنا ابن مدينة كبيرة ونشأت في قلب بلغراد، التي هي بالنسبة لي، كطفل، تبدو كأنها مدينة هائلة. بيتنا كان يبعد مسافة شارعين عن الجادة الرئيسية ولذا كنت مأخوذا ببلغراد الصاخبة التي كانت أيامها ملأى بمسارح الأفلام، المقاهي والمطاعم، مكان استطعت فيه مراقبة الناس منذ عمر مبكر، في عام 1953 عندما غادرنا أنا وأمي وأخي بلغراد قضينا عاماً في باريس. وقتها فكرت “حسنا إنها أكبر من بلغراد.” ثم بعد عام أتينا إلى نيويورك التي كانت أيضاً مختلفة كثيراً. أوروبا كانت رمادية تماماً وفقيرة في تلك الأيام . وصلنا في الصيف ولون المدينة في الحال أثّر بي كمتعة للنظر. لقد كنت مهتماً كثيرا أيامها بالرسم والفنون البصرية وحتى الآن نيويورك هي المكان الذي يثيرني بصرياً. لقد قضيت وقتا كبيراً أتجول في المدينة وكانت دائمة تلك متعة كبيرة وملهمة.

أنت ما زلت مرتبطا بنيويورك، حيث تدرس لجزء من العام في جامعة نيويورك. لكن لبعض الوقت الآن قاعدتك الأساسية هي نيو هامشر. هل العيش في البراري يساعد في تطوير قرويتك كشاعر؟

أنا أعيش هنا منذ عام 1973 لذا فإنه يحدث بعض الأحيان. خلال الصيف يتضاعف حجم القرية الصغيرة التي نعيش فيها بسبب البحيرة الكبيرة جداً هذا أصبح معتاداً. بقية العام لا يوجد شيء حقيقة هنا (هناك فقط مخزن واحد) إنها مكان حيث، بوجود الملل المحض، بإمكانك أن تصبح فيلسوفاً أو شاعراً! أبدا، لم أتخيل عندما كنت شاباً بأني سأكبر لأعجب بمكان مثل هذا. أنا محاط بأميال وأميال من الغابات ولست بعيداً عن البحيرة وأشعر بأني في بيتي تماما. لقد عشت هنا أكثر من أي مكان آخر في حياتي. لمرتين قدمت لي الجامعات عروضا جدية لنقلي بعيدا عن هنا. ولقد كنت مهتما بسبب أنها كانت مدارس جذابة في أماكن رائعة والراتب كان كبيرا. لكن عندما عدت إلى البيت لأفكر في ذلك أدركت بأني سأفتقد شجرة محددة، إطلالة خاصة كل أنواع الأشياء التي يمكن أن تعذبني نفسيا!

حالا بعد أن وصلت إلى نيويورك بدأت بأخذ الرسم على محمل الجدّ وكتابة القصائد معا. بالتأكيد الموهبة الفنية لم تتركك أبدا وهل هي مفيدة للكتابة؟

نعم. الرسم والتصوير أيضا. لكن كرسام شابّ، بدون استديو، أعمل في شقة صغيرة أنت محدود بقياس قماش الرسم الذي تستطيع أن تملكه. كنت أفكر في نفسي: ماذا يمكنني أن أنجز على هذه القطعة الصغيرة من قماش الرسم؟ وفي هذا الوقت أصبحت القصيدة أكثر وأكثر تجذبني.

أين خزنت تلك اللوحات؟ هل أهديت العديد منهم؟

كل مرة قابلت فيها فتاة. لديّ الآن خسارة على الأقل 90% منهم!

لكن أتذكر ما كان يشبه العمل كرسام كان مفيداً عندما كنت أكتب قصائدي. سأتذكر على سبيل المثال، كم من الأحمر كنت أحبّ أن أستعمل في لوحة، أو حتى عندما كنت أريد أن أدهن فوق شيء لعين. وكان هناك بعض التطابق الواضح هناك مع الكتابة. في وقت مبكر لم أكن أعلم أين أنهي القصيدة، حيث كانت مشكلة حقيقية لكن، ربما، بامتلاك بعض المواهب في الرسم مثبتاً منفعته فيها.

كما أفعل في كل مرة أقرأ لك، بسعادة ألعب دور المحقق بالذهاب عبر مجموعتك الأحدث سيد الأقنعة. العديد من القصائد في الكتاب يظهر أنها تدور في مجاهل امريكا الريفية، والكثير من الشخصيات تبدو بأنها قد تم صيدها في شتى الجروف- إنها كما لو أن الحياة تستطيع تحريرهم داخليا أو تفيض حولهم. غالبا كنت أترك السؤال حيث تذهب الشخصيات بعد هذا الفيلم القصير عندما تنهي القصيدة دورتها. كم كنت تتعمد ذلك دائما بأن لا تقدم الكثير عن نهايات الشخصيات التي تقدمها؟

أريد للقارئ أن يتخيل البقية. دائما أحببت الأفلام التي تبدأ بمشاهدتها من المنتصف، تصوير أحدهم يجد في البلدة محلات للنفايات والأشياء الأثرية، مشاهد ووجوه التي تلمحها في الشارع ثم لا تنساها أبدا. لذا، نعم، هو متعمد.

أحببت قصيدة” 1938″ وأنا الآن مقتنع بأن كل شخص عليه أن يكتب قصيدة عن السنة التي ولد فيها، ماذا لو أخفوا أنفسهم في سلسلة من الأحداث…

هذا يأتي من التفكير عن حياتي المبكرة، الدهشة الآتية من انشغال هتلر وستالين في تهديم الملايين من الحيوات عندما كنت لا أزال رضيعاً، بالإضافة إلى كل هذه الأشياء الأخرى التي كانت تحدث و التي أشرت إليها في القصيدة. الصعوبة لهذا النوع من القصائد هي أنك تتعامل مع التاريخ حيث هناك الكثير الذي تستطيع تضمينه، وأيضا بالطبع الكثير الذي لا يمكن ذكره.

كتاب حديث آخر، ذلك الشيء الصغير، افتتح بجوهرة من النوستالجيا، تبدأ: “لم ألجأ إلى أحد منذ قديم الأيام”. العديد من القصائد تداخل بذكاء بين الماضي والحاضر، مثل “نهاية الجلادون” والتسلسل المذهل “أبديات” ماذا كانت تشبه هذه المجموعة من الكتب، كنوع من السفر عبر الزمن؟

حسنا إنه من المحتوم في عمري أن تتعامل القصائد أكثر فأكثر مع الذكريات. في الواقع أتذكر ناقد لواحد من كتبي من عشر سنين مضت يلخص شيء ما مثل:” سيميك اعتاد أن يكون مسليا، لكن الآن هو فقط يكتب عن الموت”. وأنا فكرت “بأنك تنتظر حتى تصبح مسنا وتذهب إلى الجنائز مرة في الشهر، هراء!”

هناك رواية، فيرديدورك للكاتب البولوني غومبرويتز، الذي كتب عن بالغ الذي زاره بروفيسور مسن وسأله: “لماذا لم تذهب إلى مدرسة أبداً؟” وبعدها عاد الرجل إلى المدرسة وهو بالغ. هذه القصة تركت أثرا عميقا علي منذ أن كانت حياتي دائما مليئة بالتحولات الغريبة والمعيقات المفاجئة. مراحل من حياتي توقفت ووجدت نفسي في مكان آخر.

هل هذه المعيقات كانت خلال الحرب في بلغراد؟

نعم، لقد نشأت في عائلة قديمة بجذور قديمة وتغيرت أحوال أفرادها خصوصا خلال وبعد الحرب. بعضهم هاجروا والذين بقوا لم يعتادوا أبدا على الشيوعيين. وحياتي تغيرت بشكل دراماتيكي، أيضا، أخي وأنا قضينا مدة قصيرة في السجن.

نعم، أتذكر قراءة في مذكراتك، طيران في الحساء، عندما ألقي القبض عليك قرب الحدود في بلغراد ووضعت في زنزانة مع رجل ناضج الذي طلب قصصا عن هربك؟

كان علي أن أروي أمورا غير صحيحة عن الورطة لأبقي على طابعها المسلي! لكن، نعم، كانت أوقاتا عصيبة. أبي كان قد صار في أميركا وكنا نحن في يوغسلافيا نتعامل مع الشبهات. حتى بعد أن سمح لنا بالمغادرة، كنا عالقين في باريس لسنة. في هذه الأيام كانت هناك أعداد محددة وكان يسمح أحياناً لليوغسلافيين بـ 850 كل سنة. كان هناك إمكانية وكان علينا أن نبقى في باريس لمدة عام، الذي أقلقني حقيقة. المدارس الفرنسية كانت صارمة جدا ولم يكونوا بشكل خاص لطفاء مع الغرباء أمثالي.

لم يكن النظام قد انهار كلية، كل يوم كان يتفحصون أوراقك ويجدون سببا آخر ليمنعوك من الهجرة؟

ليس فقط البيروقراطية الفرنسية جلبت لنا المشاكل، لكن قلقنا لخوفنا من فشل الفحص الطبي في السفارة الأميركية. كنا أصحاء لكن لم يكن أحد يعلم ماذا يمكن أن يكتشفوا. كان هناك كثير من الأشياء الواقعية والخيالية تستطيع إعاقة هجرتنا حيث كنت بصعوبة أنام لأسابيع قبل الفحص.

في القسم الثاني من ” ذلك الشيء الصغير” كما لو أن الحرب طيف بعيد يلوح عند كل التفاتة. “رقصة الفئران الرهيبة”، بمستودعات الجثث المنظفة” والظرف السخيف للرماة المهرة على أعالي السطوح يبحثون عن فتياتهم”، يقفون كتعليق على الحرب الأبدية. كم وجدت ذلك صعباً لتعيد إنتاج الحرب باستمرار وتتوقف عن الإشارة الصريحة إلى مناطق الحرب الحالية في عملك؟

سريعاً قررت أنه من غير المفيد الإشارة إلى مكان محدد عند الكتابة عن الحرب. لقد كبرت خلال الحرب العالمية الثانية، وفورا كان أخي يقاتل في فيتنام (أنا أيضا كنت سأدعى فيما لو طلبوا الاحتياط) بعد ذلك كنت قلقا على ابني خلال جرعة أخرى من زمن الحرب. لذا الحرب كانت معي خلال حياتي واكتشفت أن ليس صحيحا التمييز في قصائدي بين الفييتنام والبوسنة أو العراق. كلّ الحروب بشكل أساسي هي نفس الحرب حيث القنابل تسقط، الأبرياء يذبحون وبعض الأشرار أيضا. لقد تعبت كثيرا من الكتابة عن هذه الأشياء، لكن حتما مع كل حرب جديدة أغضب مجددا وأشعر بالإهانة مجددا، والذي يقلقني بعمق حاليا هو أننا في أميركا أصبحنا مؤهلين لنكون بلدا في حرب دائمة. عندما يخبرنا بعض الجنرالات أو السياسيين على التلفزيون بأن جيشنا متورط في الشرق الأوسط ويمكن أن يبقى لستين سنة، يكون ردّ فعلنا كما لو أن أكثر الأشياء فظاعة هي التي يمكن أن يختبرها إنسان أو بلد هي أكثر الأشياء طبيعية في العالم، لذلك أنا مستمر بالكتابة عن الرعب الذي تخلفه الحرب وعن عدم تحيزنا لها.

أظن أنه من العدل القول بأنك على علاقة دقيقة مع صربيا منذ أن غادرتها طفلا، وأنا معجب بشكل خاص كيف اتهمت بأنك مناهض للقومية بشكل خاص في مذكراتك (بأن القومية تولد العنصرية) كم كان هذا مفيدا؟ ربما حتى توافقي بمواجهة التعليقات اللاذعة من الإهانات التافهة، لنستمرّ في تعلم المزيد عن بلدك عبر ترجمات أعظم شعرائه؟

حسنا لقد بدأت بترجمة الشعر اليوغسلافي عام 1960 قبل زمن من بدء الجنون القومي. وبعد 1990 بدأت بالكتابة لصحف معارضة في صربيا واستمررت في ذلك. لقد تحدثت ضد جنون القومية التي هاجمتني مدعية لمرحلة بأني حصلت على مبالغ كبيرة من المال لكي أقول هذا الكلام عن صربيا. في الحقيقة التهمة التي أفضلها هي أني ذهبت إلى واشنطن وطلبت من بيل كلينتون أن يضرب بلغراد.. أنا فقط دخلت إلى البيت الأبيض وكلينتون قال لي: شارلي ماذا عليّ أن افعل في البلقان، وأنا قلت له: بيل، في البدء عليك أن تمحو مسقط رأسي بلغراد من على الخارطة.

هذا لا يعقل أبداً، ولا بدّ أنه قد تسبّب بأذى قليلا؟

ليس تماما لأنه كان سخيفا، أعني حتى هنا في أميركا الناس يصدقون أشياء مجنونة كتلك التي تقول عن أوباما بأنه متعصب مسلم وسيفرض الشريعة الإسلامية في القريب العاجل، إنه النوع نفسه من الجنون، لكن ولا أيّ منها أثّرت على عملي في الترجمة. الشيء المحزن الوحيد في كل هذا كان عندما بدأت الحروب لم أتمكّن من نشر أي انطولوجيا عن الشعر اليوغسلافي منذ أن أصبح الكتّاب يرفضون أن يجتمعوا في كتاب واحد، ترجماتي للبوسنيين والكروات سقطت على جانب الطريق.

ماذا عن نشر مجموعات مترجمة؟

لا أعلم إذا كان هذا ممكنا هذه الأيام، إذا كان لها سوق، الكثير من كتب الترجمات محكومة بالجغرافيا، أظن أن ميروين قد حقق هذا النوع من الاختيارات.

الانطولوجيا المعاد نشرها والطويلة من ترجماتك للشعراء الصرب (الحصان لديه ستة أرجل)، نشرت فقط في أميركا بواسطة جراي ولف، الإصدار السابق توقف عند نينا زيفانسيفيك لكن هنا يتضمن بعض الإضافات العظيمة إلى الكتاب مثل دانسيا فوكسيفيك لأن الترجمة لا تنتهي أبدا بما معناه أننا نستطيع أن نقضي عدة حيوات في ترجمة الشعر وسيبقى هناك المزيد للعمل عليه .كم كان ممتعا بالنسبة لك لإعادة العمل على ترجمات موجودة بينما تتضمن أحدث الشعراء الصرب في الإصدار الأخير؟

لقد كانت متعة عظيمة العمل على إصدار جديد، وبشكل خاص لهؤلاء الشعراء الذين لم يسبق لهم أن ترجموا إلى الانجليزية وكانوا بحاجة لأن يكونوا مقروئين. أتمنى لو أني حققت أكثر من مراجعة للقصائد القديمة في الكتاب، على سبيل المثال فاسكو بوبا الذي ترجمته في بداية السبعينات، أنا في الحقيقة أحبّ أن أفعل هذا ثانية خصوصا القصائد الأولى التي ترجمتها له والتي فيها الكثير من الأخطاء وأحسّ بضرورة ملحة لإصلاحها. أنت على حق برغم ذلك يستطيع الإنسان أن يمضي بقية حياته في مراجعة الترجمات وإضافة ترجمات جديدة.

بوبا وايفان لاليك كان لهما تأثير كبير عليك وكانا صديقيك، ما الذي تعلمته أيضا من هذين الشاعرين العظيمين من خلال ترجمتك لهما هل وجدت أي انسجام بين كتابتيهما؟

بوبا ولاليك يتحدران من تقليدين مختلفين، من وجهتي نظر جماليتين مختلفتين، لاليك كان حقيقة جزءا من التقليد الذي يعود إلى الرمزية الفرنسية للقرن التاسع عشر والشعراء الصرب الأوائل الذي كان متأثرا بسحرهم. لقد كان بحقّ رجلا واسع المعرفة يعرف الألمانية والايطالية والروسية والانجليزية، ويعرف الشعر الأميركي معرفة حسنة. في أي حال، عرفت كيف سيبدو شعره بالإنجليزية.

بوبا كان حداثيا قادما من السريالية، والكثير من السرياليين عرفهم شخصيا عندما كان في باريس بعد الحرب. وهو جمع بين المعرفة العميقة للفلكلور الصربي: الأحاجي، الأغاني، تهويدات الأطفال، تعويذات السحر الخ… نوع من سريالي أصيل كان يحفر في منجم الخيال. لقد كان واحدا ممّن أثّروا فيّ باكرا مع الشاعر الاميركي تيودور روتكه الذي استخدم عناصر فلكلورية في بناء قصيدته. لكن شعر بوبا كان أكثر تجذّرا في اللغة الصربية من ليلاك، وعلاوة على ذلك أصعب في الترجمة.

أحببت الفكرة الواردة في مقدّمة (حصان له ستة أرجل) تلك الترجمة ممثل وسيط- حيث أن المترجم يستطيع، أحيانا، أن يتحول إلى الشاعر الفعلي الذي يعمل عليه. هل تستطيع شرح المزيد عن هذا: ما هي حدود الخطورة وحدود الحرية في اندماج الشاعر والمترجم؟

المترجم مثل ممثل قرر أن يأخذ دوره الخاص، لذا لا بدّ أن يرى من خلاله حتى النهاية. عندما تترجم أحدا ما لمدة لا بدّ أن يصبح تحت جلدك، وربما تظنّ أنه لديك معرفة واضحة بما هو عليه لكنك غالبا تكتشف بأنك لا تحبّ هذا الشخص تحديدا، حيث هناك عنصر ما يصدمك، لكن عليك أن تمضي في طريقك إذا أردت إنهاء القصيدة. بعض الأحيان أنت تغالي في تطبّعك بهم وتكتب مثلهم. لحسن حظي في حالتي أنّ هذا لم يدم طويلا، ونسبة الأخطار ترتفع من كون هذه العلاقة حميمة. لحسن الحظ، بسبب هذا القرب، تجد كم هي متعددة القصائد التي صنعوها، وإذا كانت الترجمة ناجحة أنت تقع في حبّ هذا النوع من الشعر.

أنا استدللت بأنه كان لديك إدمان على الراديو طوال حياتك. قرأت عن مدى تأثير الجاز في قدرتك على التنظيم كشاعر، لكن أنا أتساءل كم أثرت الموسيقى بحاستي الإيقاع والتوقيت لديك؟

حسنا، لا أظن بأنها فعلت، لكن تحديدا إذا استمعت إلى سوناتات موزارت فإن أناقتها وإيجازها ربما تؤثر في تأليفك للقصيدة. أعتقد، أيضاً، بأن الفنون في النهاية وثيقة الارتباط، وعليك أن تتعلم المزيد عن التوقيت والإيقاع من القراءة لشعراء آخرين أكثر من الاستماع للموسيقى. سوف تكون تلك حماقة أن أشير إلى قصيدة لي وأدعي بأنها متأثرة بالبيانو التجريدي لثيلونيوس مونك، وحتى لو كانت بشكل ما ربما تكون كذلك. ربما الرسم والشعر متصلان أكثر، لكن حتى هناك أنا لست متأكدا.

كما أراها، قصائدك لديها دائما ميل نحو الموضوعية أكثر من شرح المغزى بوضوح ( أو الاستكشاف) الشخصي. هل تراعي الطموحات الضمنية خلال النبرة الموضوعية من الخارج أو هل هناك شيء ما يعمل بطبيعية؟

كنت دائما مهتم بالإبداع. لم أهتم إذا ما كانت القصيدة عني أو عن شخص متخيل. ثمّ، أنا أفترض أنّ لدي دائما القليل من التحفظ بالكلام عن نفسي في أي تفصيل كبير. هذا ربما يأتي من نشوئي في ظل الحرب حيث سوف يكون فعلا غير محترما وأنت تقول: ” أوه، أنت ليس لديك فكرة كم أنا تعذبت”!

لقد اعترفت بنفسك بأنك مؤرق ( واحدة من المفضلات عندي من العديد من إشاراتك للأرق منذ سنوات من ” زواج في الجحيم” حيث “القطة والفأر في فمها تعبر من خلاله فحسب”) كيف يكون الأرق منحة أو رفيق لكتابتك؟

إنها مؤثرة تماما. الأرق يجبرك على أن تصبح فيلسوفا وتتعلم التواضع.

كما الشاعر الانجليزي بيتر ريدغروف، فقدت تصنيفك على أنك سريالي منذ سنوات. أيضا مثل ريدغروف، أحب أن أناقش السبب وراء نجاح( رؤى) قصائدك بسبب أن الواقعية يمكن أن تكون ( ربما هذه خدعة قوية من جهتك) الواقعية تعلو على السريالية.

في الستينات عندما كنت أصنف على أني سريالي، بعد ما يزيد على أربعين عاما من الحركة، السريالية بنفسها بدت سخيفة. كان دائما يبدو لي بأن هناك طريقتين للنظر إلى العالم: واحدة بعيون مفتوحة، حيث بالطبع هناك الكثير من الأشياء الممتعة للنظر، بينما الطريقة الأخرى بعيون مغلقة، حيث أحيانا تستطيع أن ترى الأشياء بطريقة أفضل. في كتابتي، أبدا لم أوضح للقارئ: “حسنا، الآن أنا سوف أغلق عينيّ”. بدلا من ذلك أنا أعود للخلف متناوبا بين الطريقتين كما يعجبني. بالطبع أنا أتقبل الواقع، نعم، لكن لقد رأيت الكثير من الواقع في حياتي ليس بسبب ذلك، لكن بدون خيال لا يستطيع المرء أن يصنع شيئا ذا قيمة مما رآه.

في (ذلك الشيء الصغير) لاحظت قطتك السوداء تصنع جوهرة فريدة أخرى: “أمي تخيط لي/ سترة في الظلمة/ أبي على أربعته/ يبحث عن القطة السوداء”. الآن أي شيطان يحدث هناك؟

الآن تماما ونحن نتحدث واحدة من قططي السوداء تجلس هنا في داخلي وتراقبني.

إذن، الفعل حقيقة؟

بالتأكيد. لكن يعجبني ما قلته للتوّ. ربما القصيدة عليها أن تملك هذه الإضافة، الخط القريب…. الآن أيّ شرّ يعمل عليها؟

إذن، ما الذي تعمل عليه هذه الأيام؟

ناشري يخطط لنشر مجموعة القصائد التي كتبتها خلال سنتين. هذا سوف يكون نتاج عمل خمسين سنة.

تهانينا، ما الذي ستتضمنه وما الذي سيتم تحريره إذا ما كان هنالك شيءٌ؟

حسناً، لا أريد أن أضع كل شيء فيه. هناك بعض الأشياء التي نشرتها والتي يروقني أن أطاردها وأدمرها! لكنها مناسبة مثيرة ومع هذا الإثارة يأتي صنع القرار ومسؤولياته أنا في الوقت الحاضر أحاول معرفة فيما إذا كانت بعض القصائد التي كتبتها منذ ثلاثين سنة تستحق إعادة النشر.. إنها خرقاء، وذلك الضعف هو ما يعطيها سحرها. أنا أخشى إذا تم تنقيحها فإنها ستفقد مرونتها أو تلك السمات التي تجعل شخصا ما يقع في حبها.. لذا سيكون هناك بعض الصعوبة وسوف يكون، بلا شك، التورط بالمزيد من السهر والكثير من الأرق. أنت تعلم، ربما يكون هذا العنوان الذي سأضعه لها. أو ربما علي أن أنتظر حتى يكتمل الأرق!

الهوامش:

الحوار في لغته الأصلية: http://www.wolfmagazine.co.uk/24int.php

 ولد تشارلز سيميك Charles Simichفي 9/أيار عام 1938، في بلغراد بيوغسلافيا، حيث أمضى طفولة أليمة خلال الحرب العالمية الثانية. هاجر في عام 1954 من يوغسلافيا مع والدته وأخيه لينضموا إلى والده في الولايات المتحدة الاميركية. وعاش في شيكاغو حتى عام 1958.

نشرت أولى قصائده في عام1959، عندما كان في الحادية والعشرين من عمره. طلب إلى الخدمة العسكرية في عام 1961 في الجيش الأميركي وفي عام 1966 تخرج من جامعة نيويورك بينما كان يعمل ليلا لتغطية تكاليف دراسته.

أولى مجموعة من قصائده (ماذا يقول العشب) نشرت في السنة التالية. ومنذ ذلك الحين نشر أكثر من ستين كتاب في اميركا وخارجها، من بينها عشرون عنوانا من الدواوين الشعرية. وحاز على جائزة غريفين العالمية للشعر عام 2005. كما حاز على جائزة البولتزر للشعر.

نشر العديد من الترجمات لشعراء فرنسيين، صرب، كروات، مقدونيين وسلوفينيين، كما حرر العديد من الانطولوجيات ومنها إصدار:

( (The Best American Poetry عام1992

موقع الآوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...