الرئيسية / صفحات سورية / لقد أصبح لدى الكولونيل مَن يصالحه/ عبدالله أمين الحلاق

لقد أصبح لدى الكولونيل مَن يصالحه/ عبدالله أمين الحلاق

 

 

 

تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي منذ فترة أخباراً متتالية تقول بعودة بعض “المعارضين” السوريين المقيمين في الخارج إلى سوريا، على خلفية مصالحات وتسويات لهم مع النظام السوري، ضمن ما يسمّى في منظومة الإعلام الرسمي السوري بــ”العودة إلى حضن الوطن”. أثارت أخبار تلك “العَودات” جدالات كثيرة في أوساط الناشطين المعارضين في تفسيرها والبحث عن أسبابها، واستقرت في جزء كبير منها على القول بأن هؤلاء العائدين لم يكونوا أكثر من “خرق أمني” لصفوف المعارضين والمؤسسات الإعلامية والسياسية التي تنضوي في خطاب الثورة ضد الأسد.

لا يبدو خطاب المؤامرة والخرق الأمني، على وجاهة الاعتقاد به، كفيلاً تفسير حالات كهذه، على رغم أن هناك من عاد إلى “حضن الوطن” بعد سجلّ طويل له في سقف خطابه السياسي المرتفع ضد النظام، وفي الخطاب الطائفي ضد طوائف في عينها مثل العلويين، وفي الدعوة إلى السلاح قبل أن يكون هناك ما يحضّ ويدفع إلى حمل السلاح في وجه النظام، بما يستدعي القول باحتمال كونه خَرقاً. محمد رحال الذي أعلن قبل أيام “انشقاقه عن المعارضة”، هو المثال الأوضح على هؤلاء. خارج الأمثلة والتفاصيل، يتحدث هذا المقال عن فكرة التسوية والمصالحة مع الأسد على صعيد الأفراد والمجموعات، وعن “حضن الوطن” الذي عاد إليه البعض القليل جداً ممن غادروه قبل سنوات.

لا يبدو، تبعاً لطبيعة نظام الأسد وما فعله بالثائرين في وجهه منذ آذار 2011 حتى اليوم، وانتقامه منهم ومن ذويهم ومن ممتلكاتهم ومن البيئة الحاضنة لهم، أن ثمة ما يغري بالمصالحة أو بتسوية الوضع معه. من حيث المبدأ، يفترض أن يكون هناك تغيُّرٌ هائل في بنية هذا النظام وسلوكه تجاه السوريين عموماً، يحفّز على التسوية، أو على الحوار معه في الأقل. ليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا النظام من الممكن أن يتغير في ممارساته وعنفه وفاشيته تجاه السوريين. حتى لو حصل هذا التغير البنيوي المستحيل، سيكون ذلك بعد مسلسل من الموت المعلن عمره أربع سنوات، وموت غير معلن عمره أكثر من أربعة عقود، الأمر الذي يستدعي المساءلة والمحاسبة والملاحقة القانونية والجنائية داخل سوريا وعلى الصعيد الدولي أيضاً. استحالة تغيّر هذا النظام، تسير جنباً إلى جنب مع استحالة المساءلة والمحاسبة تلك، وربما كان في غياب هذه الأخيرة تحفيزٌ له على عدم التغيّر “أو التغيير”، بما يعنيه من تسليم السلطة لهيئة حكم انتقالي، وفتح باب المصالحة الحقيقية بين السوريين أنفسهم، وليس بين هؤلاء وبينه.

وسط تصاعد الدعوات إلى الحوار بين المعارضة و”المعارضة” من جهة، وبين المعارضتَين والنظام من جهة ثانية، في أجواء وأطروحات تقول بأن “موسكو 1” لن يكون أفضل من “جنيف 2” تبعاً للأطروحات الروسية تحديداً وللمباركة الغامضة لتلك الأطروحات، فإن المصالحات والتسويات التي لا تندرج ضمن هذا الحوار قد حصلت في أماكن وجبهات بقيت ساخنة وملتهبة عسكرياً لعامين تقريباً، بين “الجيش الحر” والنظام السوري.

لقد أجريت تسويات وهُدن في أكثر من منطقة وبلدة شهدت مواجهات عسكرية بين قوات المعارضة وقوات الأسد، ولا يبدو أن تلك الهُدن قد تمّت، ومعها جزء كبير من التسويات التي أتاحها النظام لبعض مقاتلي المعارضة، إلا بعدما بدا أفق الحسم العسكري مع النظام مستحيلاً، وبعدما أُنهك المقاتلون والمناطق الحاضنة لهم، معاشياً وإنسانياً في الدرجة الأولى، وخصوصاً تلك المناطق المحاصرة.

التسويات والمصالحات التي قام بها ناشطون مدنيون وسياسيون ومقاتلون معارضون داخل سوريا، لا تشبه في أي حال من الأحوال تلك التي قام بها عائدون إلى النظام من خارج سوريا، مع غياب أي حصار أو إنهاك شبيه بذلك الذي عاشه رفاق قضيتهم المقيمون داخل سوريا. مع ذلك، وإلى جانب القول باحتمالات قيام بعضهم بمهمات أمنية لصالح النظام وسط المعارضة السورية وتشكيلاتها في الخارج، يقول بعض الناشطين بأن عودة آخرين من الخارج إلى البلد، أي إلى النظام، تعزى إلى أسباب أخرى تتعلق بضعف درجة استعدادهم للقطيعة الدائمة مع نظام كهذا، وبخروج بعض هؤلاء عن النظام لأسباب تتعلق بالبحث عن مكان وحضور في سوريا المستقبل، أيام كان ثمة ما يوحي بأن الثورة قد تنتصر وبأن النظام قد يسقط، وبأسباب أخرى تتعلق بالمواقف والخلافات التي حصلت بينهم وبين زملاء لهم في مؤسسات إعلامية وسياسية معارضة، أو اصطدام بعضهم بواقع فساد مؤسسات كثيرة هي جزء مما أتاحته الثورة السورية من مؤسسات وتشكيلات. هذا كله، دليل على غياب الاستعداد الذي يفترض أن يقودهم إلى المعارضة كــ”معارضين” وليس كـــ”أعضاء في مؤسسات معارِضة”، علماً أن بعض مؤسسات المعارضة السياسية وتشكيلاتها، ومنها “الائتلاف”، تسبح، كما اتضح للجميع، في فساد وفشل يشبهان كثيراً فساد كل مؤسسات النظام وفشلها.

هؤلاء عادوا وانتهى الأمر. عادوا إلى “حضن الوطن”، وهو “حضن” يتسع للمزيد، على ما يحاول النظام أن يروّج في إعلامه، بما تعنيه تلك المماهاة بين حضن الوطن وحضن الأسد. الأسد هو الوطن، وعائلة الأسد هي سيدة الوطن، وجيش الأسد هو جيش الوطن. هذا ما قام على أساسه خطاب حافظ الأسد وحزبه وإعلامه ومؤسساته لعقود طويلة، وهذه الهواجس لا تزال تدغدغ مخيلة ابنه بشار حتى هذه اللحظة، كما يبدو. سوريا هي الأسد، والأسد هو سوريا. هذا واضح من طريقة تعاطي النظام مع ملفات كثيرة وخصوصاً في ما يتعلق بالولاء للوطن وفق مفهومه الأسدي.

لقد غادر السوريون الثائرون حضن الوطن قبل أربعة أعوام، مَن خرج من سوريا منهم ومَن بقي فيها، ولقد جعل عنف النظام مئات الألوف من هؤلاء يَفصلون بين النظام والوطن الذي يريدونه بعد عقود من التماهي بينهما، وهو وطن لا مكان فيه لشخصٍ يُنسَب بلد إليه، ولا لقاتل جعلهم موزعين في مناطق شتى من العالم. هذا الوطن هو باختصار، سوريا، وليس سوريا الأسد التي كانت ولا تزال تعني اليوم للعائدين من الخارج: “حضن الوطن” بامتياز.

مع تعقد الصراع وتصاعد الدعوات الدولية إلى التسوية السياسية، وهي دعوات لا تزال غير مقنعة في جديتها بالدفع نحو حل سياسي عادل للقضية السورية، سيبقى النظام، برأسه وحضنه، تلك العقبة الكأداء التي لا يمكن أن تستقيم حياة السوريين في ظل وجودها، بغض النظر عن أي تفاصيل غير مهمة. ليس الوحيد من بين تلك التفاصيل: أن الكولونيل يكتسب يومياً من يصالحه، ويكاتبه.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...