الرئيسية / صفحات العالم / لكننا لن نيأس!

لكننا لن نيأس!

الياس خوري

تبدو الصورة في مصر بالغة القتامة، ففي اللحظة التي يشعر فيها النظام انه يتداعى يلجأ الى الفتنة الطائفية. هذا ما فعله نظام حسني مبارك عشية ثورة 25 يناير بهدف اجهاض الثورة بالطائفية، وهذا ما جرى امس الأول امام الكاتدرائية المرقسية في القاهرة. كأن الملجأ الأخير للنظام هو اشعال فتنة الغريزة الطائفية، في محاولة للهرب من مصيره عبر تدمير وحدة النسيج الاجتماعي.

هذا الواقع ليس نتيجة فكر تآمري بالضرورة، بل محصلة واقع متفلت من ضوابطه، بحيث يستطيع اي مهووس طائفي، استخدام هذا السلاح القديم- الجديد، بهدف حماية نظام ذاهب الى التداعي مهما حصل. فالفتنة الطائفية لم تنقذ حسني مبارك وحبيب العادلي، وهي لن تنقذ ايضا محمد مرسي ومرشده.

اذا كانت الفتنة لا تستطيع تغيير الأجل المحتوم، فإنها في المقابل تستطيع احداث تخريب بنيوي في المجتمع، وهذا ما حصل في عراق بول بريمر وادارته الوحشية لاحتلال العراق، وما يحصل اليوم مع السلالة الحاكمة في سورية، التي تدير القمع الوحشي، بفوهة طائفية، معتقدة انها تستطيع عبر ذلك تأخير نهايتها التي تقترب.

غير ان ما صنعه الاحتلال الامريكي في العراق بتواطوء مكشوف من نخب معارضة امتطت دبابات الاحتلال، يؤشر الى احتمالات مخيفة تتعرض لها المنطقة، عبر مشروع الثورة المضادة لتصفية احتمالات الثورات العربية.

ففي مصر، لا يزال الاخوان يعتقدون ان ‘الصندقراطيا’ التي اوصلت مرشحهم الاحتياطي الى سدة الرئاسة، تستطيع ان تنهي معاني قيم الحرية والكرامة التي اطلقتها ثورة 25 يناير. وهم يضربون عرض الحائط بالانجاز الاكبر الذي صنعه الشعب المصري في ثورته ضد الاحتلال البريطاني، وهو تأسيس الوطنية المصرية على قاعدة وحدة الشعب، وفي ظل شعار ‘الدين لله والوطن للجميع’ و ‘وحدة الهلال والصليب’. بحيث تبدو المرحلة الاخوانية وكأنها ردة ليس ضد الناصرية فقط، بل هي انتقام متأخر من ثورة 1919. وهو انتقام يهدد بالاطاحة بوحدة الشعب المصري التي لم ينجح الاحتلال البريطاني الطويل في المس به.

هذه الانتحارية الحمقاء لن تعني ان الاخوان يستطيعون بدعواتهم المبطنة لاحياء الخلافة، الاحتفاظ بالسلطة، بل قد تعني ان ثمن سقوطهم لن يكون اقل من احداث شرخ عميق في نسيج المجتمع المصري، سوف نحتاج الى عقود للتخلص من جروحه.

اما في سورية، فإن النظام لا يتورع عن ارتكاب اي شيء، بهدف اطالة عمره، وفي سبيل ان يكون ثمن سقوطه هو سقوط الوطن السوري وتحطيمه بحسب الرهان الصهيوني.

لا شيء يستطيع انقاذ نظام الأسد، مهما كانت الأسلحة المستخدمة، او الأساليب التي تصل الى حدود الجنون . فلماذا يبقى؟ ولماذا لا يبحث عن مخرج؟

لا جواب سوى ان النظام الوراثي الذي اسسه حافظ الأسد بني على معادلة تصفية الدولة ومؤسساتها لمصلحة المافيا والعصابة الحاكمة. بدأ السقوط النهائي للدولة السورية كمؤسسات لحظة الحركة التصحيحية التي قادها الأسد الأب. مع هذا الرجل الذي تميز عهده بمزيج الدهاء والوحشية انزلقت كل مؤسسات الدولة والمجتمع الى الانحلال. وكانت مجزرة حماه الدموية، هي المناسبة التي استخدمها النظام لتصفية الدولة والقضاء والنقابات وجميع مؤسسات المجتمع المدني.

وما يجري الآن، هو حصاد هذه التصفية. فلا الجيش السوري تصرف كجيش وطني، لأنه ليس جيشا بالمعنى التنظيمي للكلمة، بل هو عناقيد من التسلط ترتبط مباشرة بالقصر الجمهوري، ولا القضاء تصرف كقضاء، ولا الصحافة تصرفت كصحافة. وقعت سورية في شدق قمع لا ضوابط له، وفي ظل سلطة مطلقة للعائلة الحاكمة، لا يضبطها اي شكل مؤسساتي.

ومنذ البداية اوحى النظام انه يحمي الأقليات، وخصوصا الأقلية العلوية، وكان في الواقع يحتمي بها، ويدمر تاريخ الساحل السوري الذي رفض المشروع التقسيمي، وساهم في صنع وحدة سورية التي حاول المستعمر الفرنسي تدميرها.

النظام الاستبدادي الذي انتجه المشروع الانقلابي البعثي بفكره المصنوع من مزيج الرومانسية والفاشية، كان في البلدين العربيين اللذين يحكم بهما انتقاما من النضال الاستقلالي عبر استعادة البنى الطائفية التي توسلها المستعمر.

واليوم لا يجد النظام الاستبدادي في سورية امامه سوى الوراء، نظام يحتمي بماضي الماضي، يستخدم لغة الممانعة كي يعيدنا الى الزمن الاستعماري، يستغل حماقات بعض القوى في المعارضة السورية، وارتهانها للخارج النفطي، كي يرهن كل شيء للموت والخراب، ويقاتل حتى آخر بيت في دمشق المنكوبة باستبداده.

غريب كيف يلتقي الأضداد امام عبادة السلطة. الاخوان في مصر والبعثيون في سورية، لا يحلمون سوى بالبقاء في الحكم حتى وان لم يعد في استطاعتهم ان يحكموا.

السلطة صارت نقيضا للوطن، وتمزيق المجتمع صار ضمانة الاحتفاظ بسلطة لم تعد تملك من السلطة سوى وهمها.

ومع ذلك لن نيأس.

الثمن كبير جدا، والحكاية طويلة ومؤلمة.

فما يواجهه العالم العربي، هو تأسيس فكرة الشرعية في المجتمع والدولة، وهي مسألة لا بد وان تكشف كل الصديد الذي صنعه الاستبداد. والشفاء من الصديد لا يكون بتغطيـــــته، ولكن عـــــبر شقّ دملته، ولعلنا في المراحل الأولى من مواجهة دملة الصـــديد الطــائفي.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

2 + 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...