الرئيسية / صفحات العالم / للمعارضـة العراقيـة وسـوريـا دور فـي الانتفـاضـات العربيـة

للمعارضـة العراقيـة وسـوريـا دور فـي الانتفـاضـات العربيـة


عبد الامير الركابي

امضت المعارضات العراقية، شطرا طويلا من تاريخها في سوريا وبحمايتها، ولا توجد على الارجح قوة او جماعة عراقية معارضة، في الاربعين سنة المنصرمه، لم تمر على سوريا او اتخذت منها مقرا، او واصلت زيارتها لها. ولا شك ان عامل الصراع بين جناحي البعث العراقي والسوري، كان هو السبب الاول الذي جعل النظام في سوريا، يواصل احتضانه للمعارضة بكل الوانها، ومن دون اي توقف او انقطاع، بل على العكس، كان مؤشر الوجود العراقي العددي، قد استمر في تزايد، من اوائل السبعينيات الى اليوم، وانتقل من العشرات والمئات، الى مئات الالوف كما هي الحال اليوم، حيث تجاوز الوجود العراقي بعد الاحتلال نطاق القوى السياسية، الى الكتل البشرية والجماعات والطوائف.

مرت المعارضة العراقية ايام حكم البعث الصدامي، بثلاث مراحل. كانت في الاولى خلال السبعينيات، مكونة من قوى يسارية صغيرة من البعثيين العراقيين اليساريين، وكانت محدودة الفعل وضعيفة، ثم انتقلت لتصبح قوة اوسع بعد الحرب العراقية الايرانية 1980 / 1988. وقتها كان شكل الصراع وقواه داخل العراق قد تغير، وصارت الحركات الاسلامية هي رافعة لواء الصدام مع دكتاتورية النظام، وبناء عليه، تزايدت اعداد القوى والاشخاص الهاربين من بطش النظام، وتحول هؤلاء، الى كتلة كبيرة، اضيف لها في الفترة ذاتها، الحزب الشيوعي العراقي، الذي طرد من «الجبهة الوطنية والقومية التقدمية» التي كان عقدها مع النظام منذ عام 1973، وما عادت منسجمة مع اولويات هذا الاخير. وقتها اي في الفترة الثانية، غدت المعارضة العراقية، قوة حاضرة في اطار صراع اقليمي حاد، وتزايد حضورها ووزنها، ليس بسبب فعاليتها الذاتية بالدرجة الاولى، بل بفعل واقع الصراع بين دول الاقليم، وخصوصا المجال المشرقي الخليجي.

في الفترة الثالثة، لم تعد سوريا مركز الثقل الاول، ولا ايضا دول الاقليم. فقد دخلت المعارضة العراقية دائرة اهتمام دولي استثنائي، رافق انهيار الاتحاد السوفياتي، وصعود المشروع الامبراطوري الاميركي. ومنذ عام 1992 عندما اقيم «المؤتمر الوطني العراقي» في اوروبا، لم تعد سوريا او ايران هي مركز الفعالية المعارضة ضد نظام البعث الصدامي، فقد انتقل محور هذه الفعالية الى الولايات المتحدة الاميركية، فحظيت المعارضة، بما لم تحظ به معارضة في التاريخ، من دعم مادي وسياسي وإعلامي. شاركت فيه قوى وأوساط عربية، غير سوريا وإيران، وبالضد من توجهاتهما.

بعد الغزو الاميركي، عادت سوريا مركزا حيويا لمعارضة من نوع جديد. فقوى النظام الذي انهار، وقوى اخرى مناهضة للاحتلال، فضلت الاستقرار في سوريا، التي وجدت فيها، وفي كل من يقاومون الاحتلال الاميركي في العراق، قوة ضغط على الوضع الذي ركبه الاحتلال في العراق، كما على الوجود الاميركي هناك. وكما العادة، فلقد استمرت سوريا تمارس حماية الموجودين على ارضها، والتزمت ما هو معروف عنها بما يخص العراقيين بالذات، بأن امتنعت كليا، عن تسليم من هو موجود منهم على اراضيها. ومن هنا ولاسباب وتفصيلات اخرى، صارت سوريا تضطلع بأدوار تمس الوضع العراقي ومجرياته، وتدخل في خلافات وتوترات مع القوى المتنفذة في العراق، بينما يتهمها هؤلاء او بعضهم بالتدخل في الشؤون العراقية الداخلية، وتشجيع الارهاب والعنف. كل هذا السجل، ماضيا وحاضرا، افسح امام سوريا، امكانية عقد علاقات متعددة المستويات، مع القوى المشاركة في «العملية السياسية» ومع المعارضين لها. وصارت حاضرة، وتقوم بوساطات بين القوى المختلفة ابان التوترات والازمات الانتخابية العراقية، وغيرها.

يطول كثيرا جدا، الحديث عن العلاقة العراقية السورية ولا ينتهي، بينما يلح اليوم تساؤل يبرز من وحي اللحظة: لماذا لا تسعى سوريا الى اعتماد خطة مساعدة، وتحفيز المعارضة العراقية، على تشكيل اطار وطني بمواجهة «العملية السياسية الاميركية». مثل هذه السياسة، قد تبدو للوهلة الاولى غير موافقة للمقاربات المعتادة والتبسيطية المتعارف عليها. غير ان الحالة العراقية ما تزال هي «النموذج»، والمتقدمة او السابقة، في المتغيرات التي تشمل المنطقة اليوم. وهذا البلد الذي تم غزوه وإسقاط نظامه بالقوة الاجنبية، دخل حالة «التفكيك»، وهو غارق الآن في «المحاصصة» التي تؤدي الى الشلل، وتمنع قيام ارادة موحدة مشتركة، تمثل طاقة المجتمع عبر الدولة، كذلك فإن العراق شهد احترابا طائفيا رهيبا، وموجة لا توصف من الارهاب الاعمى. وهذه كلها وصفة، بدأت تطبق اليوم في المنطقة. وهي سواء اعتمدت على عناصر دفع داخلية او خارجية، فلا بد من الاعترف اولا، بأنها لحظة مفصلية ومتجهة بالمنطقة الى الامام. لقد تراجعت المقاومة المسلحة في العراق، وحلت محلها أكثر فأكثر، اساليب العمل الجماهيري السلمي، وطغت على المشهد داخل العراق. الا ان صدام حسين مهما كان، لم يعد يحكم العراق، حتى وإن كانت الاوضاع منذ 2003، ليست بالمقارنة، اقل سوءا. الا ان مشكلة العراقيين الذين يهمهم تغيير الاوضاع في العراق، ويشاركون في التظاهرات منذ اشهر، تكمن في كونهم مبعثرين، وغير قادرين على تعيين شعارات مناسبة وتطابق الحالة. وهم يكتشفون بعد التجربة، ان شعارات «ارحل» ليست مناسبة اطلاقا، وأنها رغم كل شيء صارت الى الوراء. فالعراق تسوده حاليا «دكتاتورية انتخابية»، والتجربة العراقية تقول ان آليات الديموقراطية، يمكن ان تستعمل لتزوير الديموقراطية. لهذا تؤدي الانتخابات الى المحاصصة والشلل والفساد والسرقة وانعدام الامن، وما هو مطلوب، اصبح محصورا في تغيير «العملية السياسية الاميركية» لصالح «عملية سياسية وطنية». ولا طريق لتحقيق مثل هذا الهدف، غير الآليات الانتخابية، وليس «اسقاط النظام» او تخيل رحيله، وهو ما يعتمد على مدى القدرة على حشد الجماهير، في قائمة مضادة باسم «قائمة العملية السياسية الوطنية»، مع المطالبة بـ«حل البرلمان وإعادة الانتخابات». هذا الشعار فقط، هو ما يمكن ان ينعش «الانتفاضة» في الداخل، ويمنحها افقا وإطارا، بقدر ما يمنح المعارضة في الخارج دورا عمليا، وفعليا مرشحا لان يتعاظم باطراد، لكن هذا يحتاج اولا الى قناعة تتوصل لها المعارضة، وتسارع الى تجسيدها في صيغة، تقوم على رافعة الانتفاضة في الداخل، قبل ان تذوي وتتوقف، بعد ان تقلصت الى ادنى حد. وهو ما سبق ان حدث للمقاومة المسلحة من قبل. فهل بالامكان فعلا، تصور تحول يدخل على اوضاع المعارضة وتفكيرها، بحيث تنتقل نحو تبني مثل هذا الخيار وتعتمده.

يجب الاعتراف بأن مثل هذا التطور بالغ الصعوبة، فهو يحتاج الى ثورة داخلية، تشمل المعارضة، وأكثر قواها وزنا، كما يحتاج الى محفز، يساهم في توجيهها هذه الوجهة ذات الدلالة التاريخية. وليس هنالك جهة تستطيع ان توثر على اطراف المعارضة العراقية، ويمكنها ان تدفعها بهذا الاتجاه، اكثر من سوريا. ولا داعي لتذكر مسألة تطابق وتلاقي المصالح. ولكن البعثيين العراقيين، وغيرهم من التيارات، هم الآن في وضع، وفي مناخ يفرض عليهم ان يقبلوا متغيرات، تقتضي توفير الاسباب من اجل دحر الاحتلال و«العملية السياسية الاميركية» بالوسائل السلمية.

يحتاج هذا الخيار الى الكثير من التأمل، واحتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة على الوضعين السوري والعراقي معا، لا بل العربي أيضا. وقبل هذا وذاك، إزاحة المقاربات الجامدة، والتصرف بما تفرضه وتقتضيه لحظة تاريخية «استثنائية»، من المستحيل مواجهتها بمواقف وخطط، تقليدية.

([) كاتب عراقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...