الرئيسية / صفحات مميزة / للنظام السوري أفراحه ومسرّاته أيضاً: عمر قدور

للنظام السوري أفراحه ومسرّاته أيضاً: عمر قدور

عمر قدور

لا تخلو الأيام العصيبة التي يعيشها النظام السوري من مباهج، أو هذا على الأقل ما يوحي به أنصاره أو يروّجون له. التظاهرات التي شهدتها مدن تركية عدة أخيراً لها طعم خاص من بين هذه المسرات، فأردوغان منذ وقت طويل بات يصنّف بألدّ الأعداء، وأي تحرك سياسي داخلي مناهض له سيُرى بمثابة انتصار للنظام في دمشق، وإن لم يكن للأخير يد فيه. هكذا، بصرف النظر عما تؤول إليه الاحتجاجات التركية، تجري الاستعدادات في صفوف الموالين للاحتفال بلحظة إسقاط أردوغان، والتي لا بد أن تكون شبيهة بما يتمناه ثوار سوريا للحظة إسقاط النظام، بل إن شبيحاً تركياً معروفاً هو “معراج أورال” شطت به الأماني فكتب على صفحته في الفيسبوك: “في نهاية حديثي اليوم على قناة سما السورية وجهت رسالة إلى بشار الأسد، قلت فيها: أنا واثق أن نبلك سيدفعك إلى الموافقة على اللجوء السياسي في سوريا لأردوغان وأعوانه”.

وأن تستضيف قناة سما السورية معراج أورال فذلك ليس لأنه خبير في الشؤون التركية؛ الرجل من أهل البيت وسبق له أن شارك النظام فرحة كبرى في مطلع أيار الماضي، أو بالأحرى شارك في صنعها والاحتفال بها. أورال واحد من “الأبطال الكبار” لمجزرتي البيضا وبانياس، لم يخفِ دوره فيهما ولم يخجل شبيحة النظام من دوره بصفته أجنبياً، فالمهم حينها هي فرحة الانتصار على المدنيين ونجاح حملة التطهير المذهبي التي تعرضت لها البيضا وبانياس وحلقات الدبكة التي أقيمت على جثث المدنيين، بالمعنى الحرفي لا المجازي.

بالتكامل مع رسالة أورال التلفزيونية دعت وزارة الخارجية السورية “رعاياها” إلى عدم السفر إلى تركيا، ويبدو أنها جادة في الحرص على السوريين خوفاً من الطائرات والصواريخ، وربما الأسلحة الكيماوية، التي لا بد أن أردوغان ينوي استخدامها ضد شعبه!! قبل ذلك سارع وزير الإعلام عمران الزعبي إلى القول: “إن قمع أردوغان للمظاهرات السلمية أمر غير واقعي ويكشف انفصاله عن الواقع.. الشعب التركي الشقيق لا يستحق هذه الهمجية”. مضيفاً أن أردوغان يقود بلاده بأسلوب إرهابي ويدمر مدنية الشعب التركي وإنجازاته.. ثم: على أردوغان إذا كان عاجزاً عن اتباع وسائل غير عنفية التنحي، والشعب التركي لديه كوادر كثيرة وعاقلة.

أيضاً لا بد أن أقوال الزعبي هذه تدخل بهجة عظيمة على قلوب المؤيدين لما له من مكانة خاصة لديهم، فهو كان من أبطال شاشتهم غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بصفته الناطق باسم اللجنة الحقوقية التي شكلها النظام آنذاك للرد على لجنة التحقيق الدولية، وبخاصة بصفته محامي “شاهد الزور” في تلك القضية. وكانت اتهاماته التي يكيلها جزافاً لقيادات لبنانية معروفة، سواء بالتضليل أو الاتهامات الجنائية، مبعث حبور كبير لأنصار النظام، ما أهّله لاحقاً ليلعب الدور نفسه ويزفّ لهم “انتصارات” قيادته على الشعب الإرهابي. للإنصاف كان الزعبي سباقاً في مطالبة أردوغان بالتنحي، فغداة تفجيرات الريحانية التي اتهمت فيها تركيا مخابراته بالتخطيط لها قال: “أطالب أردوغان أن يتنحى كقاتل وسفاح، وليس من حقه أبداً أن يبني أمجاده على دماء الأتراك ودماء السوريين”.

في الواحد والعشرين من نيسان الماضي، بعد الانتهاء من مجزرة “جديدة الفضل”، رقص مؤيدو النظام وأقاموا حلقات الدبكة في الضاحية المجاورة التي انطلقوا منها لتنفيذ المجزرة، ومن فرط سعادتهم بقتل أكثر من 500 مدني من جيرانهم وثّقوا ذلك الاحتفال ونشروه على اليوتيوب وهم يمنّون النفس باحتفال مماثل إن استطاعوا اجتياح داريّا. ذلك يعيد إلى الأذهان اجتياح داريّا في صيف العام الماضي، وحينها قامت مذيعة النظام المتأنقة بالتجول بين الضحايا، واستجوبت طفلة تتكئ على جثة أمها، واستجوبت امرأة قبل أن تقتلها قوات النظام المرافقة لها؛ صار اسمها مذيعة داريّا، واكتسبت صيتاً كبيراً بين المؤيدين بسبب تحركاتها الرشيقة بين الجثث. كانت فرحة كبرى مؤقتة لأن الثوار عادوا لتحرير المدينة، وعاد الشريط الإخباري لتلك القناة يبث مسرات صغيرة غير مصورة، مفادها القضاء على “الإرهابيين” في داريّا.

ولكن لا يمكننا اتهام مؤيدي النظام بضيق الأفق، فأفراحهم لا تقف دائماً عند حدود قرية هنا أو بلدة هناك، ثمة أفراح تدلل على انخراطهم فيما يحدث في العالم، بل تدلل على اعتقادهم بأن لهم تأثير عميق في المتغيرات الدولية البعيدة. مثلاً في مطلع أيار من العام الماضي راحت صفحات الموالين تشمت بسبب نتائج استطلاعات الرأي التي ترجّح خسارة ساركوزي للانتخابات الفرنسية، وتهلل للفوز المرتقب لهولاند؛ وجه الشماتة هنا أن ساركوزي لا بد أن يكون خسر الكثير من الأصوات بسبب موقفه السلبي من النظام السوري، وهذه الخسارة ينبغي أن تكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه النظام. لا ريب في أن فرحة المؤيدين انكسرت قليلاً بسبب مواقف هولاند من الملف السوري أيضاً، إلا أن هذا لا يطعنها في الصميم إذ لا بد أن يأتي يوم “يُعاقب” فيه هولاند كسلفه، بينما يبقى النظام شامخاً ومنتصراً في دمشق!

على العكس من القنوات الإعلامية الشهيرة، و”المعادية” عموماً، لدى إعلام النظام قدرة على الإتيان بتلك الأخبار التي يجري التعتيم عليها عالمياً، وهي أخبار تبعث على البهجة عموماً. فدائماً هناك في مكان ما من ينتقد السياسة الغربية إزاء النظام ويثني على الأخير وعلى صموده، قد تأتي الانتقادات من مرشح للبرلمان الأرميني، أو من صحافي آذري، أو من منظمة محلية في أمريكا اللاتينية. غير أن الانتقادات الأكثر جلباً للتفاؤل والبهجة تأتي دائماً من معقل الغرب، ومن أصوات يعتّم عليها الغرب لأنها تفضح سياساته العدوانية، قد يكون المصدر مقالة رأي يتيمة في صحيفة معروفة تصدر في لندن أو باريس، وقد تكون فقرة مجتزأة من مقال؛ هذا لا يهم لأن تراكم هذه التفاصيل يؤذن بفرحة الانتصار القادمة على أعداء النظام أينما كانوا.

مباهج ومسرات دائمة غير جديدة على النظام، وطوال عقود كان السوريون مجبرين على تمثّل تلك الأفراح، وكانت وسائل الإعلام تغطّي ما يُسمّى “أفراح الشعب”. لا يغيّر في الأمر أن غالبية السوريين باتوا منذ سنتين ينغّصون على الباقين فرحتهم العامرة، بل لعل الفرحة تكون أعظم بالقضاء على أولئك الذين غادروا حلقات الدبكة التي كانت تُعقد تحية للنظام. ثم إن النظام، من وجهة النظر هذه، أبدي بينما الآخرون على مختلف توجهاتهم وأماكن وجودهم زائلون؛ هكذا أتى العديد من الرؤساء المنتخبون في دول أخرى وذهبوا وبقي النظام، هكذا اندلعت حروب ووقعت خسائر باهظة لكن “أفراح الشعب” بقيت ببقاء النظام.

نظام قائم على الفرح، وفي كل يوم تزداد مسراته، وهي بلا شك صارت أعظم منذ اندلاع الثورة، فمع مطلع كل فجر ثمة فرحة لا تُقدر بثمن لمؤيديه إذ يطمئنون إلى بقائه ليوم إضافي، ويعدون أنفسهم بتكرار الفرحة في اليوم التالي. الأمر هنا لا يتعلق بالسياسة فقط، لذا لن يكون مهماً الثمن الباهظ الذي يُدفع لقاء كل هذا الفرح؛ في سوسيولوجيا السعادة ينبغي التركيز فقط على وهم الإحساس بها، فذلك يبشّر بمجيئها، حسب بعض مدارس علم النفس السلوكي، وإن تمت ترجمة هذه المقولة محلياً بالرقص على أجساد الأحياء وجثث القتلى.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...