لماذا؟


ﻷن الأرض ﻻ تأخذ موافقةً أمنيّة لتدور حول نفسها وحول الشّمس، وقطعاً ﻻ تدور حول عرشٍ أو قصرٍ أو مقرّ حزبي أو أمني..

ﻷن الرّصاص ﻻ يبني حضارة، ﻷن الكبريتَ عفن الرّائحة.

ﻷن الوقت يتابع المسير وعقارب ساعاتنا مكبّلة، وعقارب الّرعب تلدغنا.

ﻷن أيادينا تريد أن تبني خلايا لاستثمار طاقة الشّمس، ﻻ غرابيلاً تحاول، فاشلةً، أن تغطّيها.

ﻷن حراميها لم يكن، ولن يكون يوماً، حاميها.

ﻷن السّجن ورمٌ فينا كالسّرطان، ينمو داخلنا ويمتصّ قوانا قبل أن يحتوينا في جوفه.. ﻻ حلّ لخبيث الأورام إﻻ باﻻستئصال.

ﻷن الكرامة والخبز والحرّية كلماتٌ مترادفة في معجم الغدِ، والاستبداد متضادّ معها جميعاً.

ﻷن الحياة ليست “إجازة بلا راتب” من وظيفة استعباديّة في شركة قابضة.

ﻷن استرجاع إرث الكواكبي وروحه واجبٌ أكبر وأولى من استرجاع جثمانه من مقبرةٍ صغيرة إلى مقبرةٍ أكبر

ﻷن من حقنا طرح الأسئلة، ﻷن من واجبنا سماع الأجوبة

لماذا؟

من مميزات نُخب البلاطات ومتثاقفي اﻻستبداد أنهم ﻻ يتعاملون، مع بعضهم البعض ومع الغير، إﻻ بالشتم والإهانة والتخوين واﻻتهام بالعمالة لهذا الفرع أو لتلك السفارة، وبعد كلّ جلسة ردحٍ وردحٍ مضاد يتفقون على أن هذا الشعب ليس مؤهلاً للديمقراطيّة وﻻ يستحقها ويمضي كلّ منهم، بعد استحسانٍ تشجيعي من “أولياء الأمور”، بانتشاء الواجب النخبوي المنجز..

على المناضل ضد اﻻستبداد أن يكون حريصاً على التميّز الواضح عن ما يناضل ضده، إن كان بالأفكار والأساليب أو حتّى باللغة المستخدمة. ينبغي أن يكون الفارق في الشكل والمرتبة الأخلاقيّة بادياً للعيان بسهولة، دون أيّة التفافات حول هذا المبدأ أو مبررات براغماتيّة للقفز فوقه.

قد يقول قائلٌ أنّ هذا الكلام طوباوي وطهراني ﻻ علاقة له بالواقع، ومن المُستغرب أن يخرج هذا الكلام عمّن يعتبر نفسه مناضلاً ضد اﻻستبداد وباحثاً عن إنهائه، فلو استسلمنا لهذه الضروب من “الواقعيّة” و”البراغماتيّة” لكان علينا أن نتقبّل صيغ التعايش مع مستبد له “وجوهٌ جيّدة” نتغاضى لأجلها عن “أخطائه”. كم من جيلٍ “واقعي” عاش عمره من خيبةٍ إلى خيبة؟ كم من “واقعيّة” وقعت بثقلها الذّاتي الذي كان، يُفترض، ضماناً لأهميتها؟

النضال ضد اﻻستبداد بصفته استبداداً هو طوباويّة واقعيّة ترى أن هناكَ علّة علينا اجتثاثها من جذرها واجتثثاث جميع أصولها وفروعها ومفرزاتها، دون التلّوث بها والوقوع في فخ استخدام أساليبها، وبالتالي إعادة إنتاجها.. إنها رومانسيّة علميّة كلّ ما عداها ليس إﻻ استبدال استبدادٍ عدوّ بآخر “صديق”، وكلّ استبدادٍ هو صديق زور.. دون استثناء.

أيام الحرّية

تقتضي ممارسة الحرّية اتخاذ قراراتٍ ومواقفٍ مغايرة للمألوف والسائد والمقبول أحياناً أو دوماً، ويقع المرء هنا في حيرة الاختيار بين ممارسة حرّيته ضد التيّار، وبالتالي البقاء وحيداً أو شبه وحيد، أو مسايرة السائد والمألوف وانتظار فرصةٍ أفضل للتعبير عن الذات لن تأتي على الأغلب. اﻻمتحانُ صعبٌ واﻻختيار قد يكون مؤلماً، فالوحدة ثمرةٌ مُرّة، ﻻ سيما إن صاحبها ارتطامٌ متواصل بتيارٍ جارف.

إن تحلّى المرء بالشجاعة الكافية ليختار ممارسة حرّيته فسوف يجد نفسه أمام امتحانٍ آخر يفوق سابقة صعوبةً: عليه أن ينجح في الدفاع عن خياره وتحصينه دون أن يقع في فخّ تقديس وحدته واعتبارها تمايزاً متعالياً على الآخرين ومتكبراً عليهم.

ليس من السّهل أن تكون حراً.. ليس هناك نفيسٌ رخيص.

لو قيل لأيّ منّا في مثل هذا اليوم من العام الماضي أن العالم العربي سينقلب رأساً على عقب بعد شهرين فقط ﻻتهمنا القائل بالجنون، أو بما هو أسوء.. علينا أن نتذكّر انعطافة التاريخ هذه عندما نرى آفاقاً مسدودة أو يتسلل اليأس إلى قلوبنا القلقة على البلاد وأهلها. ﻻ مستحيل بعد أن أصبحت سيدي بوزيد ميتروبولي الحرّية، وهذه المرّة الفرصة لصالحنا، والقوّة بيدنا، والمستقبل لنا..

الطريق طويل ومتعرّج ومتعب ومؤلم.. لكن النهاية تستحق، حقّا تستحق..!

..

http://www.syriangavroche.com/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...