الرئيسية / صفحات الثقافة / لماذا الحرية؟

لماذا الحرية؟


بقلم أنطوان الدويهي

من اللافت أن الشعار العفوي الذي هيمن على الانتفاضات العربية في مشارقها ومغاربها، كان شعار الحرية. لماذا الحرية دون سواها؟ لأنها روح العصر. ولأن المنتفضين يشعرون، في وعيهم أو لاوعيهم، بأنها تختصر كل المطالب وتؤدّي الى تحقيقها.

لا شك في أن التوق الى الحرية والتوق الى المساواة هما محرّك التاريخ في الأزمنة الحديثة. منذ نهايات القرون الوسطى، مع ظهور الطباعة وحركة الاصلاح الديني واكتشاف القارة الأميركية، التي ساهمت كلها في اطلاق النهضة الأوروبية، الى اليوم، نجد نزعتي الحرية والمساواة في قلب العوامل الكثيرة المتشعبة التي صنعت التحوّلات الكبرى في العالم. كان التوق الى المساواة، المتلازم مع نزعة الحرية، الذي حمله الشعب وحملته الطبقة البورجوازية الصاعدة في وجه النبالة والأكليروس، في صلب انهيار النظام الأوروبي القديم برمّته في فرنسا عام 1789، برتبه الثلاث، وملكيته، التي جرفها تضامنها مع الرتبتين الرفيعتين، مع أنها لم تكن مستهدفة في ذاتها. وكان التوق الى المساواة نفسه، إضافةً الى نزعة الحرية، في جوهر الثورتين البولشيفية والماوية وهما أكبر ثورتين في القرن العشرين. وكان التوق الى الحرية هو رائد حركات التحرر الوطني التي ازاحت الاستعمار الغربي عن العالم أجمع. التوق الى الحرية نفسه، هو الذي أسقط على حين غرة الاتحاد السوفياتي وفكّك المعسكر الاشتراكي. وهو نفسه الذي أسقط ديكتاتوريات أميركا الاتينية الواحدة تلو الأخرى، والذي يُسقِط الآن الجمهوريات الديكتاتورية المعدة للتوريث في العالم العربي.

يُفاجأ الرحّالة الفرنسي الثاقب النظرة، فولني، أثناء زيارته جبل لبنان آخر القرن الثامن عشر، بالمجهود البشري الدقيق والهائل الذي بُذِل في هذا المكان لاستصلاح الأراضي الصخرية الوعرة، وتحويل كل شبر منها مساحةً مزروعة وأرضاً خصبة، ويتوقّف بإعجاب عند أساليب الري وتقنياته، وما نتج من هذا الفعل البشري في المدى من ازدهار واستقرار وأمان، ليخلص الى القول: “كنت أنسى حينئذٍ أني في تركيا، وإذا تذكّرت ذلك فلأشعر بقوة أكثر كيف أن النسمة الأقل من نسائم الحرية يمكن أن يكون لها هذا التأثير العظيم”.

أدرك فولني منذ ذلك الحين أن جوهر التقدم أو التخلف في الشرق مرتبط بعمق بمسألة الحرية. اليوم نعرف تماماً، بعد قرنين من التحولات والتجارب في العالم، وبعد انحسار الاستعمار عن المنطقة العربية، وقيام اسرائيل فيها، والانقلابات والانظمة العسكرية التي تلت ذلك، وما آل اليه هذا المسار التاريخي من فشل وتراجع وخيبة، أن شعار الحرية الذي رفعته الانتفاضات العربية في صورة عفوية هو مفتاح الأمل الوحيد، وأنه طريق النهوض الحياتي والثقافي والفكري والعلمي والأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي معاً الذي ما من طريق سواه.

حين ننظر الى الديكتاتوريات المعاصرة، خصوصاً البسيطة منها كالتي قامت في المنطقة العربية، والتي ينحصر طموحها اساساً في أمرين، حصول العائلة الحاكمة ومن حولها على أكبر قدر من المكاسب المادية، وتأمين استمرار النظام بكل الوسائل، نجد أن كل تخلّفها يقوم على انعدام الحرية التام فيها. لقد جعلها فقدان الحرية تدور على نفسها في حلقة مفرغة خارج التاريخ الحديث، وأدّى في نهاية المطاف الى انهيارها.

فمفاعيل الحرية وتجلّياتها لا تنحصر في مجالات المعتقد والرأي والتعبير فقط، ولا في الحياة اليومية وحق التنقّل والسفر والسكن وغيرها من الأمور، على أهميتها البالغة. فالحرية وما يلازمها من نظام ديموقراطي دستوري، من أهم أركانه التعددية السياسية والحزبية، وتداول السلطة على نحو دوري دقيق، والانتخابات الشفافة السليمة، والفصل الصارم بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، إنما تنطوي على تأثيرات عميقة في المجالات الاجتماعية، والأخلاقية، والتربوية، والعلمية، والمهنية، والاقتصادية، والانتاجية، والإدارية، والمالية، والعسكرية، والاستراتيجية وغيرها، تطال مختلف أوجه الحياة الفردية والمجتمعية.

فهي ترسي مجموعة واسعة من القيم والممارسات والتقاليد، المرتكزة على العمل والكفاءة والتخصص والخبرة والنزاهة في تسلّم الوظائف العامة والخاصة، وفي إدارة المجتمع والدولة، وفي مختلف أشكال الترقّي، مما يؤدّي الى بناء الأفراد بناءً نوعياً، ويجعلهم يحققون ذواتهم في شكل أمثل، ويفجّر مواهبهم، ويوليهم القدرة على تكوين الرأي الذاتي وإعادة النظر والابداع، ويمنحهم الأدوار الملائمة لهم. ويقود ذلك الى إطلاق الديناميكية المجتمعية، وجعل الدولة الديموقراطية تتحرّك بكل طاقاتها، وبكامل ثرواتها البشرية والمعرفية والمادية، ويحقق لها الازدهار والقوة والتقدم، ويضعها في قلب التاريخ.

ذلك كله يتعارض بعمق مع الديكتاتوريات العربية. فلما كانت هدفيتها محصورة في تكديس الثروات للعائلة الحاكمة وتأمين استمراريتها في الزمان، فهي تعمد الى إرساء الرعب في المجتمع لمنع كل رأي آخر وخنق كل احتجاج مهما يكن بسيطاً، عبر جهاز أمني وقمعي شديد الفاعلية تستثمر فيه وتنمّيه دون سواه. من جهة أخرى، يعمد النظام الى مصادرة كل الوظائف والأدوار في الدولة والمجتمع، ويعيد توزيعها، ليس وفقأً لمعايير الكفاءة والتخصّص والخبرة والنزاهة، بل على أساس واحد أوحد: الولاء المطلق للحاكم. هكذا يُفسَد كل شيء، فيتكبّل المجتمع ويفقد حركيته وحيويته، وتُصاب طاقاته بالشلل، وتضمر ثروته البشرية، ويسلك ما بقي من نخبه طريق الهجرة إن أفلت من السجن والقتل، فيتراجع اقتصاده، وينعدم ازدهاره وتقدّمه، وتزول منعته، ويجد نفسه قابعاً على هامش التاريخ .

روح العصر؟ أجل، إنها المنقذ الوحيد .

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...